إزاء “فِتنة الاستهلاك”

عماد حصني Monday June 11, 2018 1115

“ينبغي أوّلاً التنبُّه إلى الخداع الأساس الذي يشكّل الدعامة المعنويّة لمجتمع الاستهلاك، ألا وهو الإيحاء بأنّ الانسان “يكون” بقدرِ ما يملِك” (المعلّم كوستي بندلي)

ما أضاء عليه كوستي بندلي وحذَّر منه من سنواتٍ طويلة أصبح اليوم أمرًا طبيعيًّا، اعتياديًّا ومقبولاً إلى درجة أنّه حتّى الموقف النقديّ إزاءه، أصبح غيرَ مطروحٍ عند أغلب الناس وأغلب المؤمنين. مجتمعُ الاستهلاك ترسّخ أكثر فأكثر، وازداد شراسةً وتوحّشًا وسيطرةً. تطوًّر تقنيّاتِ التواصل ضاعف كثيرًا من حدّته وتسلّطه، وساعد على تمتين الحصار على المستهلِك عبر أساليبَ عديدة أبرزها الاعلان المدروس، الجذّاب والمكثّف الذي لا يدع مجالاً لغير أن يُرغم المتلقّي على الاستسلام “للأهميّة الكبيرة” للسِّلعة المعروضة عليه ولحتميّة اقتنائها .
يلهثُ الأهل ويجهدون في سعيهم لزيادة دَخلِهم الماليّ بهدف تلبية متطلّباتِهم ومتطلّباتِ أولادهم التي لا تنتهي، وهي في معظمِها حاجاتٌ وهميّة مصطَنَعة، عمِل أرباب عالم الاستهلاك على إقناع الأهل والأولاد بها وترغيبهم بشرائها. ومع تزايد المتطلّبات ازدادت ساعاتُ عمل الأهل واضطُرّ الكثير منهم للالتزام في أكثر من وظيفة وأكثر من دوام. أدّى هذا إلى الانهماك في العمل على حساب الوقت المخصّص عادة للعائلة، فازداد تفكّك العائلات وضعُفت المشاركة فيها وعمَّت الفرديّة .
والأخطر ممّا سبق أنّ الحاجة الماسّة إلى المال قد تدفعُ البعض للسّعي إلى الكسبِ السّهل والسريع، الذي يترافق غالبًا مع عدم الاستقامة وتغييب الفضائل الأخلاقيّة والايمانيّة، وبالتّالي يصبحُ سقوطهم في تجربةِ الفساد المدمِّر لهم ولعائلاتهم ومجتمعِهم أمرًا محتملًا .
تبدو الصورة قاتمةً أمامك كمؤمنٍ، وكأنّه لا سبيل لمواجهةِ ذهنيّةِ الاستهلاك السّائدة والمترسّخة في عقول الناس بشكلٍ كبيرٍ وواسع، ولا إمكانيّة للتغلّب عليها. نعم الواقعُ صعب، ولكنّه لا يعفيك، كمؤمنٍ، من مسؤوليّة هذه المواجهة التي ينبغي أن تبدأ بها من نفسك، وبالمشاركة مع غيرك.
الخالق أراد الانسان حرًّا ومكرَّمًا، وكلّ مخطّطٍ شرّير أو مشروع فتنة، كفتنة الاستهلاك، يهدف للتسلّط على البشر، خليقة الله، واستعبادهم بهدف الكسب الماديّ أو غيره من الأهداف. لذلك لا بدّ لك من مواجهته في إطار شهادتك الايمانية وتحقيق إرادة الخالق .
أساسُ هذه المواجهة أن تعيش فعلاً حياتَك الايمانيّة ببساطةٍ وشكر، وتسعى للثبات فيها. هذا الثبات يجعلك تدرك المفاهيم الصحيحة والعميقة للحرّية والسعادة، وكيفيّة التعاطي مع المال، فتلتزم موقفَ التحدّي لأيّ أمرٍ ممكن أن يتسلّط عليك ويُفقِدك حرّيتك التي منحها الله لك. فلا المالُ يستعبدك ولا تملُّّك أيّة سلعة يُقيّدك، فأنت تأتي من الله وليس من المال، “وتكون” بقدر ما تحبّ وتخدِم بفرح، وليس بقدر ما تملك.
هذا التحدّي لا يمكنك أن تسلُك به وحيدًا لأنّك ستضعُف وتستسلم. المشاركة مع جماعة صغيرة تلتزم القناعات نفسِها ومسيرةَ التحدي، تُقوّيك وتقوّيهم، فتسلكون معًا في الحياة الايمانية وتشدّدون بعضكم بعضًا في أعمال المحبّة والخدمة، وبشكلٍ خاص العطاء وتقاسم الخيرات مع الفقراء والمحتاجين. ستواجهون صعوباتٍ كثيرة يبدّدها اتّكالكم على الرب الذي يمنحكم أن تذوقوا، وسط الضيق والصعوبات، فرح المشاركة. نشوءُ جماعات مماثلة من شأنه أن يجذب إليها العديد من الناس، ومعًا يكسِرون هَيْمنةَ الفكر الاستهلاكيّ ويُعلون شأن المشاركة وشأن الانسان كما أراده الخالق.

عماد حصني

39 Shares
39 Shares
Tweet
Share39