عيد دخول السّيد إلى الهيكل أو عيد اللّقاء المقدّس

الأم بورفيريا - رئيسة دير القديس سمعان العمودي Saturday February 2, 2019 638

إنجيل العيد هو قصّة دخول الرّبّ يسوع إلى الهيكل برفقة أبويه، بعد أربعين يومًا من ولادته، ليقدّما ما كانت تقتضيه الشّريعة الموسويّة، وهناك كان بانتظار لقائه الشّيخان سمعان وحنّة النّبيّة. لهذا العيد معانٍ عديدة، منها: تطهير مريم حسب عادة النّاموس، وتقديم المولود الجديد إلى الرّبّ، ولقاء سمعان وحنّة بالطّفل الإله، وهذا العيد يُسمّى أيضًا”عيد اللقاء المقدّس”.
التّطهير:لقد تمّمت مريم النّاموس بقدومها إلى الهيكل مع يوسف خطيبها، حاملة معها تقدمةً فرخَي حمام كما تقول الشّريعة. لم تكن والدة الإله بحاجة إلى تطهير ولا إلى تكفير، فطهارتها وقداستها الفائقتان حصلت عليهما باتّحادها بابن الله منذ تجسّد الرّبّ في أحشائها. لذا، دُعيت العذراءُ مريم والدةَ الإله الفائقة القداسة والكلّيّة الطّهارة. وكما أدخلت المسيح إلى عالمنا بقبولها فعل التّجسّد في داخلها، فهي باستطاعتها، من خلال شفاعتها المقتدرة، أن تُدخل المسيح إلى هيكل جسدنا، إلى نفوسنا التّائقة إلى الاتّحاد بالخالق، وبنعمته غير المخلوقة. لم تعد الذّبائح والتّقدمات تقدِّم لنا الطّهارةَ الحقيقيّة، بل دم السّيّد الّذي سال من جنبه على الصّليب يطهّرنا جميعًا إن ارتضينا.

اللقاء: كان سمعان الشّيخ قد تلقّى إعلانًا من الرّوح القدس بأنّه لن يرى الموت قبل أن يؤهَّل لمعاينة المسيّا المنتظر. والآن أعلمه الله أنّ هذا الطّفل هو ابن الله المتجسّد، المخلّص الّذي كان آباؤه ينتظرونه بحرارة منذ أجيال، فاستقبله في الهيكل بفرح كبير، وأخذه في أحضانه بتأثّر وقال:”الآن أطلق عبدك أيّها السّيّد حسب قولك بسلام لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصكَ الّذي أعددتَه أمام وجه كلّ الشّعوب، نور إعلانٍ للأمم ومجدًا لشعبكَ إسرائيل”. 
سمعان يختصر انتظار أبرار العهد القديم، أنبياء إسرائيل كلّهم الّذين، على طول الدّهور، كانوا ينتظرون فداء إسرائيل. يستقبل الشّيخ سمعان الطّفل، ومعه العالم القديم يستقبل العالم الجديد. العهد القديم يستقبل العهد الجديد. عهد إسرائيل أُلغِيَ بحضور المسيح، والنّاموس القديم كان يطلب عبر الشّيخ سمعان أن ينسحب (أن يُطلَقَ) الآن أمام نور نعمة يسوع المسيح، الّذي بدأ يشرق. إلى جانبه نجد الشّيخة حنة النّبيّة، وهي مستنيرة بالرّوح القدس تخبر الشّعب الّذي يدخل إلى الهيكل، أنّ هذا الطّفل ليس ككلّ الأطفال، ولكنّه ذاك الّذي ثبّت الأرض والسّماء. هكذا مع هذين الشّيخين تستقبل الأرض المخلّص كطفل في أحضان أمّه يأتي، ويتكرّس للآب السّماويّ كما حدّد النّاموس. وكأنّه يقول: “أتيتُ لأعمل مشيئتك!”

عيد اللقاء المقدّس يعبّر إذًا عن لقاء شعب العهد القديم بالرّبّ، وأيضًا عن لقائنا الشّخصيّ بالربّ. واللقاء يسبقه انتظار، وخلال هذا الانتظار نهيّئ ذواتنا، على مثال القدّيسَين سمعان الشّيخ وحنّة النبية. فمن خلال تطهير ذواتنا، نحصل على إيحاءات الرّبّ.
يظهر جليًّا في نشيد سمعان الشّيّخ أنّ مجيء المسيح سيكون”علامة تمييز”، “علامة مقاومة”، لأنّه سيكون هناك هؤلاء الّذين يقبلونه وهؤلاء الّذين يرفضونه. يسوع هو “سبب قيام” للذين يقبلونه سيّدًا على حياتهم، و”سبب سقوط” للذين يرفضونه. وسيبقى إلى منتهى الدّهر أناس يقبلون حضور المسيح في حياتهم، وأناس يرفضونه، وأناس لا يكتفون برفضه فحسب، بل يحاربونه أيضًا. والمسيح نفسه يريدنا أحرارًا في قبوله أو في رفضه.
لقد تمّ اللقاء المقدّس أوّلاً بتجسّد المسيح نفسه، ففيه اتّحدت الألوهة بالطّبيعة البشريّة. وبالمعموديّة المقدّسة، أصبح بإمكان التّألّه الكامن للبشريّة في المسيح أن يتحقّق فعليًّا في كلّ واحد منّا. لقد مُنحنا عطيّة الرّوح القدس في المعموديّة، ويبقى علينا أن ننمّيها بحرّيّة، وهي تفترض من قبلنا جهادًا روحيًّا نسلكه، بمعونة النّعمة الإلهيّة. لذلك يقول:”من يحبّني يحفظ وصاياي”، وفي كلّ مرّة نطبّق وصيّة الله، نؤهّل لنقتبل المسيح في قلوبنا.
ألمسيح يقرع على أبواب قلوبنا باستمرار. إنّه يريد أن يأتي ليزور هذا الهيكل الّذي هو جسدنا وقلبنا، ويسود عليهما، ونحن إن شرّعنا الأبواب له فإنّه يدخل ويتعشّى معنا وتصبح حياتنا عيدًا مقيمًا.

يأتي المسيح نحونا بطرق متعدّدة: عبر قريبنا؛ إنّه هو الّذي نستقبله في كلّ مرّة نستقبل قريبنا ونُظهر له محبّتنا، وإنّه هو من نرفض في كلّ مرّة نقصي قلبنا عن قريبنا. يأتي المسيح ليزورنا أيضًا عبر محننا، وتعبنا، وأمراضنا، وفي كلّ مرّة نغتاظ، أو نتصرّف بطريقة سلبيّة تجاه هذه المحن، يكون المسيح مَن نرفضه. وعلى العكس، إن استقبلنا المحن الّتي يسمح بها الربّ بصبرٍ وفعل شكر، يكن هو نفسه من نستقبله.

نحن مدعوّون في هذا العيد إلى بناء هيكل روحيّ بالصّلاة وبالصّوم، بالدّموع وبالجهاد وبالنّقاوة وبإفراغ الذّات وبالتّوبة، عندئذٍ تأتي طاقة الرّوح القدس وتنسكب في قلوبنا وفي كياننا، كما انسكبت في قلب سمعان وفي كيانه كلّه، وتجعلنا، كما جعلته، حاملين الإله، فنقول مع الرسول بولس:”لست أنا بعد أحيا، بل المسيح يحيا فيّ”. نحمل المسيح فينا، نستنير بنوره على الدوام ونُقاد داخليًّا منه، فنشع كأنوار في وسط العالم..
كلّ ليتورجيّا هي لقاء مقدّس، فيها يكون حاضرًا سرّ خلاصنا كلّه، سرّ المسيح كلّه. نحن نأتي إلى الكنيسة لنعبد الله، لا لإتمام واجب. نأتي إلى الكنيسة فنتحوّل، نتجلّى، ونخرج من الكنيسة مختلفين عمّا كنّا عليه عندما دخلناها، لأنّنا التقينا فيها بمن له القدرة على تحويلنا. “الآن تطلق عبدك بسلام” لا تعني فقط أنّ الّذي أبصر يسوع وحمله بين ذراعيه يمكن له الآن أن يترك هذه الحياة ويموت بسلام، بل أيضًا أنّنا، إذا ما رأينا الرّبّ ولمسناه، تحرّرنا من عبوديّتنا للخطيئة، وصار بإمكاننا أن نبتعد بسلام عن مملكة الشّرّ.

لنتوسل اليوم إلى الله أن يؤهّلنا أن نقبل المسيح في أحشاء قلوبنا، لكي تدخل هذه المسحة، الّتي هي المسيح، فعلاً إلى قلبنا، لتذيب أنانا، ولتنيرنا، مثل الشّموع الّتي نحملها في ليلة العيد، (خلال زياح الليتين)، والّتي تدعونا أن نحمل نحن أيضًا هذا النّور، ليس فقط في أيدينا، ولكن في قلوبنا. كي تنيرنا كلّيًّا، في مجد الآب والابن والرّوح القدس إلى دهر الدّهور. آمين.

260 Shares
260 Shares
Tweet
Share260