قيامةٌ وقياميّون

غسان الحاج عبيد Saturday May 25, 2019 690

الكرمة – الأحد 28 نيسان 2019 ، العدد 17

لعلّ عظة الفصح للقدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم (الميمرَ الذي تُلي علينا قُبيل المناولة) من أبلغ ما قيل في الفصح، إذا لم تكن الأبلغ مُطلقاً.

والأكيد أنّ كلّ ما قيل في الفصح بعدها إنّما هو، في أفضل الأحوال، اقتباسٌ منها أو إعادة صياغة reformulation.

فعلى متن هذه العظة يُحلّق بنا الذّهبيّ الفم إلى عالَم ليس يُشبه عالَمنا الأرضيّ بشيء، عالَمٍ مواصفاتُه أخرى تماماً، بل هي نقيض مواصفات عالَم الأرض كلّيًّا، وكذلك هي معادلاته ومقاييسه، وليست لعدله أيّة صلة بعدل الأرض ولا لمنطقه، عَنَيتُ به عالَم القيامة. فأين نحن من هذا العالَم؟

ينبغي لعالَم ما بعد القيامة أن لا يبقى كعالمِ ما قبلها. ما قبل القيامة عتاقةٌ وفساد، أمّا ما بعدها فجدّةٌ وصلاح. ما قبل القيامة ظلم واضطراب، أمّا ما بعدها فعدلٌ وحقٌّ وسلام.

ما قبل القيامة أغنياءُ يَسُودون الفقراء ويتسلّطون عليهم، وإذا رقّت قلوبهم- ونادراً ما يحصل هذا- يتصدّقون عليهم من فُتات الموائد، أمّا ما بعد القيامة فمائدةٌ واحدة ملأى يجلس إليها الأغنياء والفقراء سويًّا ويطربون معًا.

ما قبل القيامة عدلٌ أرضيّ هشٌّ له قواعده، أمّا ما بعد القيامة فعدلٌ سماويّ لا صلة له، مُطلقاً، بعدل الأرض، عدلٌ يخالف بقواعده الجديدة كلّ التوقّعات: “صُمتم أم لم تصوموا أكرموا هذا النّهار. السيّد كريم جوّاد، يقبل الأخير مثل الأوّل ويُربح العامل من السّاعة الحادية عشرة مثل العامل من السّاعة الأولى، يرحم الأخير ويُرضي الأوّل….”.

بين العالَمين، إذاً، هُوّةٌ سحيقة، فمَن يردم الهوّة؟  أمس، في خدمة سبت النّور، أطلقنا حناجرنا ونادَينا المسيح الدّفين: “قُم يا الله واحكُم في الأرض”.

سَمع المسيح الفصحيّ نداءَنا فاستيقظ كالنّائم وقام من بين الأموات، بزغ من القبر كالبازغ من الخدر، لأنّ القبر لم يستطع أن يضبط فيه عنصر الحياة.

وهذا ما أعلنه إمام الخدمة، في ختامها، عندما أطلّ من الباب الملوكيّ حاملاً بيُمناه الصّليب مربوطاً إلى شمعة تُضيئُه- والأولى أنّها تستضيء به- رمزاً لدَوس الموت وإماتة الجحيم، ليهتف بأعلى صوته: “المسيح قام”، ونحن رَدَدْنا عليه، بملء حناجرنا، “حقاً قام”.

فماذا يعني ردّنا هذا؟ إنّه يعني أمراً واحداً وحيداً:

أنّنا وافقنا إمام الخدمة وصَدقناه الإعلان، وأنّنا، بالتّالي، مستعدّون لنكون شهوداً لهذه القيامة ببراهين ساطعة يتوقّعها العالَم منّا ونُقدّمها له من حياتنا، تماماً على غرار الرّسل الذين، بعد أن قام المسيح من بين الأموات، كَلَّمهم قائلاً: “هكذا هو مكتوب وهكذا ينبغي أنّ المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثّالث… وأنتم شهود لذلك” (لو 24: 46-48).

إنّ في هذا الكلام الموجَّه من يسوع القائم من بين الأموات إلى رُسله لتكليفًا صريحًا. إنّه يكلّفهم حمل رسالته من بعده، فكأنّه يقول لهم: أنتم سُفَرائي إلى العالَم من بعد صعودي عنكم، وها أنا أُطلقكم فيه لتكونوا فيه شهوداً على قيامتي.

إلّا أنّ هذا التكليف ليس يعني الرّسل وحدهم، لكنّه ينسحب علينا نحن أيضًا، واليوم، ويعنينا مثلما يعنيهم، وبالقدر نفسه.

فماذا عندنا ممّا يدلّ على أنّنا، نحن أيضًا، شهود لقيامة المسيح؟

ماذا عندنا ممّا يدلّ على أنّ المسيح قائم فينا؟ إنّ توما اشترط على الرّسل أن يقدّموا له دليلاً على قيامة المسيح حسّيًّا ليرى ويؤمن.

ونحن أيضًا سيأتي، يوماً، مَن يسألنا دليلاً على قيامة سيّدنا، فبماذا نُجيب؟ ما هي العلامة الفارقة التي عندنا والتي إذا رآها الآخرون تجعلهم يُصدّقون أنّنا قياميّون؟ وأين هي هذه العلامة؟

أين هي ما دُمنا نفرح كما يفرح باقي النّاس ونحزن كما يحزنون؟

أين هي ما دمُنا نتعاطى شؤون حياتنا كما يتعاطاها باقي النّاس ولا ميزة لنا فيها؟

أين هي وخَتمُ القيامة، حتّى في كنيستنا ومؤسّساتها، باهتٌ، كي لا أقول غائب؟ أين هي ومعظم مداخيلنا الوقفيّة يُنفَق على الهياكل الحجريّة (بناءً أو تجميلاً) فيما هياكلُ حيّةٌ كثيرةٌ تتضوّر جُوعاً وليس من يكسر لها خبزاً، أو تتسكّع عند أبواب المستشفيات ولا سامريَّ شفوقاً يتحنّن؟ أين هي ومؤسّساتنا الكنسيّة، على اختلافها، تقدّم، في سياساتها الإداريّة، القانون الوضعيّ (ولو مُجحفاً) على قانون المحبّة والعدل والحقّ؟

أين هي وفي كنيستنا انقسامٌ عموديٌ واضح بين جماعة لـ “بولس” وأُخرى لـ “أبلُّس”،

وكلّ واحدة منهما تدّعي الحقّ فيما الحقّ والحقيقة في مكان آخر؟

أين هي وقد استحالت رَعايانا إلى مجرّد تجمّعات بشريّة، كلّ رعيّة منها لاهيةٌ بهمومها وتبحث في ما يخصّها وحدها، ولا هاجسَ شركويًّا تعاضديًّا يجمعها؟ أين هي… والأمثلة تكثر والقائمة تطول؟

أمسِ، في خدمة سبت النّور، نادَينا المسيح أن “قم يا ألله واحكُم في الأرض”، وها هو قد قام.

فهل قام ليعلن في الأرض مملكته الزّمنيّة؟ هل، عندما هتفنا له أن “قُم… واحكُم في الأرض”، كنّا ننادي بحُكم ثيوقراطيّ؟ طبعًا لا، فلا المسيح حاكم أرضيٌّ ولا المسيحيّة نظام حُكم.

نحن نَعلم ونُعلّم أنّ مملكة المسيح ليست من هذا العالم.

فما الذي أردناه، إذاً، من السيّد عندما هتفنا له أن “قُم.. واحكُم في الأرض”؟ ما أردناه هو أن “قُم” وأَعطِنا، من فاعليّة قيامتك، أن نكون قياميّين، وفيما نَسُوسُ الأرض ونَحرثها أن نزرع فيها من عدلكَ عدلًا ومن سلامكَ سلاماً.

إنّ السيّد لم يَقُم من القبر ليكون وحدَه القائم. لقد قام هو ليُقيمنا نحن أيضًا معه.

ليقيمنا من موتنا اليوميّ الطّوعيّ. ليُبطل فينا مَواتية الرّوح ويُحرّك فينا نبض الحياة المنبعثة من القبر الفارغ والدّافقة في الكون نُوراً وحبًّا وخلاصاً.

إنّ القيامة لها- إذا جاز المصطلح- مُندرجاتها، ومحورُ هذه المندرجات أن نكون قياميّين في دُنيا قياميّة.

بهذا نردم ولو بعضًا من الهوّة بين عالَم السّماء وعالَم الأرض.

بهذا نكون قد وضعنا اللَّبنة الأولى في بناء عالَم قائمةٍ أساساتُه على الحبّ والعدل والسّلام، فلا يبقى العالم القياميّ، الذي رَفعَنا إليه الذّهبيّ الفم في مَيمره، عالماً افتراضيًّا. المسيح قام!

غسان الحاج عبيد

67 Shares
67 Shares
Tweet
Share67