الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (٩)

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday July 7, 2019 119

الكنيسة صلاة لأنّها صِلات. تصل الإنسان بالله، في روح الله، والإنسان بالإنسان وسائر خَلْق الله. إنّما هي جاذبيّة المحبّة في الصّلاة ما يشدّ قوّات السّماوات والأرض، بعضها إلى البعض الآخر، وأحدها إلى الآخر، لتحفظ الكلَّ واحدًا، والمسافةَ بين الواحد والواحد، بالقدر الّذي يجمع إلى الواحد، الآب السّماويّ، ليصير الآب الكلّ في الكلّ، وتثبت حرّيّة الواحد في الحقّ إلى الأبد. لذا كانت القوّة الّتي تسيّر علاقة الخالق بالخَلْق، والخليقة، في ما يتراوح بين أبسط ما فيها وأعقده، هي قوّة الصّلاة من حيث هي قوّة المحبّة. بلاها تختلّ الخليقة وتتضارب المخلوقات في ما بينها فلا تثبت. إذا كانت للخَلق سُنَنُه، فالصّلاة هي سُنّةُ السُّنن، وقوّةُ المحبّة الّتي تضمن استمراريّة فعلِ هذه السُّنن، وإلّا اختلّت. غاشمةً تكون تلك السُّنن، وتبدو، في ذاتها، كأنّها تأتي من العدم، وكذا الإنسان، فيها وبإزائها!. حاشا أن يكون الأمر كذلك!. فوراء كلّ ما في الوجود، مهما تفه، في عين الإنسان، ومهما عظم لديه، أقنوميّة لا شكّ فيها!. لا فقط السّموات تذيع بمجد الله، والفلك يخبّر بأعمال يديه، بل الخَلْق يسير بقوّة الخالق، في كلّ تفاصيله!. “كلّها إيّاك تترجّى لتعطيها طعامها في حينه. فإن أنت أعطيتَها جمعتْ… تصرف وجهك فيضطربون. تنزع أرواحهم فيفنون وإلى ترابهم يرجعون. تُرسل روحكَ فيُخلَقون وتُجدِّد وجه الأرض” (مزمور 103: 27، 28، 29، 30). الخلْق فعلٌ مستمر مبتغاه ربُّك، أو يتداعى!. لذا كانت الصّلاة روح العالم أو يموت!.

كلّ سعي الأب الياس كان، لا فقط ليصير رجل صلاة، بل ليصير صلاة!. أتعب نفسه، لا سيّما في أوائل عبوره، لتصير الصّلاة لديه نَفَسَه!. شكل الصّلاة يساعد لكنّه لا يصنع المصلّي، وبالأكثر لا يجعله صلاة!. تأتي الصّلاة من توق، من أرق، من شوق!. وجهَك، يا ربّ، أنا ألتمس!. إشكاليّة الصّلاة أنّها ما لم تأتِ من حبّ فإنّها لا تأتي إلى حبّ!. لكن الحبّ الّذي يحرّك التّوق في الحشا ما يأتي إلّا ليزدوج بمخاض لولادة جديدة. كلّ نفس وثّابة إلى جدّة الحياة لأنّها، إن وعت، ألفَتْ ذاتها في عتاقة مضنية بحسّ الموت. كثيرون يهربون، بالهوى، من الضّنك، لكن ثمّة مَن يصرخون الجدّة بوجع القلب وإلّا ما يقدرون أن يستمرّوا!. لا حياد في ما لربّك!. تسير معه أو تقوم عليه، وإن كنتَ لا تعلم ولا تعي!. “مَن ليس معي فهو عليّ”!.

على هذا، أقبل الأب الياس على الصّلاة بِنَهَم، وعلى كلّ ما يساعد عليها: النّسك والتّعب والفقر والصّمت… لا تسل عن الصّلاة الّتي كان يتعاطاها، صلاة يسوع، أم سواها، فالرّغبة العميقة في الصّلاة أخذت بمجامع نفسه. أمّا أيّة صلوات نهل منها فما كان مألوفًا، لا سيّما الخدم اليوميّة والقداديس الإلهيّة والمزامير وصلاة يسوع… السّهرانات، في أوائل الدّرب، لم تكن في الممارسة. سرّ الشّكر، إضافة إلى الآحاد والأعياد، كان يُقام كلّ أربعاء وسبت. المزامير، بخاصّة، كان كتاب الصّلاة بامتياز لديه. نقّح ترجمة عرمان (1954) وتولّى دير الحرف، مذ ذاك، الإشراف على نشرها. قال وكتب، في المزامير، كلمات هامّة تعبِّر عن كيفيّة تعاطي المؤمن لها. “نجد فيها”، قال، “ما ينطبق على كلّ الحالات الّتي يمكن أن يمرّ بها المرء… حزنًا أو فرحًا، اضطرابًا أو سلامًا، استغفارًا وتضرّعًا، أو شكرًا وتسليمًا إلخ… فيتعلّم المرء من خلالها كيف يصلّي”. ويلفت إلى المزامير كتاريخ ونبوءات في المسيح، لكنّه يؤكّد، إلى ذلك، تلاوتها على الصّعيد الشّخصيّ، “كأنّنا نحن واضعوها”، على حدّ تعبيره. “نتلوها من خلال المسيح ومعه، كما أنّ المسيح يتلوها من خلالنا ومعنا”. هنا يسترسل في إيضاح كيفيّة ذلك، فيبدي أنّ هذا الأمر يحصل لأنّ يسوع تبنّى بشريّتنا ولبسها. وهناك، من أعماق ضعفنا، يتضرّع إلى الآب من أجلنا ومعنا وعنّا. هكذا نجدنا متّحدين به في نوع من تداخل سرّيّ كيانيّ، فيصلّي الرّوحُ فينا بطراوة وقوّة فلا تعود صلاتنا نكرة جافّة. ويلاحظ الأب الياس أنّ الرّاهب الّذي يصلّي المزامير دائمًا، في التزام الحياة الرّوحيّة، تعكس له وجهَ وواقعَ الجهاد الدّائم وكيف أنّ الإيمان، بالنّتيجة، وكذا الاتّكال على الله والرّجوعَ الدّائم إليه، يغلب!. “لن يعتريني الخوف”، قال المرنّم، “لأنّي عليك أتوكّل” (المزمور 55: 3)!.

ويستكمل الأب الياس مقاربته للمزامير بأنّها، أخيرًا، أداة الصّلاة، على صعيد الكنيسة جمعاء، كجسم واحد في المسيح، تستنجد معًا، وتستغفر، وتتضرّع، وتشكر، وتتهلّل بصوت واحد معه فتقوى وتعيش!.

مرّات لفتنا الأب الياس إلى أنّ الصّلوات، في الشّركة، طيلة خمسين عامًا، لم تتوقّف إلّا يومًا واحدًا، عندما مرض كلّ أهل الدّير ولازموا الفراش. وإذا حدث أن وُجد، خارج الدّير، في مهمّة، فإنّه كان يتلو الصّلوات غيبًا، مستعينًا بالسّواعي الصّغير، لما هو متغيّر، متى تيسّر، لعبد الله شقير. كم من مرّة فعلنا ذلك سويّة، في السّيّارة، ونحن مسافران!. هذا كان يتعاطاه الأب الياس دون تكلّف، وقوفًا أو قعودًا، أو حتّى فيما كنّا نمشي على سطح صالون الكنيسة المارونيّة الملاصقة للدّير. حتّى في الفناء الخارجيّ، لجهة حرج الدّير، كنّا نصلّي صلاة النّوم الصّغرى، ونحن وقوف، في عتمة المساء وهدوئه، أمام سماء صافية ونجوم تتلألأ وقمر مشعّ وصرّار يئزّ، أو نبقى جُلّسًا منشغلةٌ أيدينا بتنقية الفول واللّوبياء والثّوم، وما سوى ذلك من نتاج زراعيّ!. الهمّ عند الأب الياس لم يتوقّف، على نحو صارم، عند حدود الشّكل الخارجيّ الّذي تؤدّى به الصّلاة. كان مرنًا وسهلًا. لكنّه كان يؤكّد الشّكل الداخليّ للصّلاة، بقوّة، في وِقفة القلب لدى الله. وفي نهاية المطاف، سعى الأب الياس، في ما لنفسه، وفي ما للآخرين، أن يحفظوا هاجس الصّلاة القلبيّة الدّائمة. “صلّوا في كلّ حين. صلّوا ولا تملّوا”!.

هذا، وأكثر ما يلفت المؤمن الحسّاس في نظره الأب الياس واقفًا إلى الجهة اليسرى من كنيسة القدّيس جاورجيوس، أنّ الصّلاة لديه كانت تترقرق يسيرًا، في هدوئه وصمته، بخاصّة، وعيناه إلى تحت أو إلى فوق، وفي كلّ حال، إلى الإيقونسطاس، حائدًا عن عيون المصلّين. تلك كانت زاوية الشّيوخ، الأب الياس، والأب أنطون، والأب أغابيوس. كان يتابع الخدمة بانتباه، كلَّ كلمة، حاضرَ الذّهن، ولكن في حركة صلاة في القلب أوّلًا. اعتاد أن يقرا النّصوص بروحه. لذلك، كثيرًا ما كان، في آخر مائدة الغداء أو العشاء، يطالعنا بالمعاني الرّوحيّة الّتي كانت تتفتّق لديه من معاينته الدّاخليّة للفظة هنا، أو لقولة هناك، أو لنصّ هنالك، ما كان يُخرج الخدمة من السّياق الرّصفيّ إلى السّياق المعبّر عن حركة الرّوح في القلب فيها!. أكثر الأوقات، في العبادة، كنتَ تلقى الأب الياس واقفًا. ومتى ضرب مطّانيّة، ضربها حتّى لامس الأرض بأصابعه. كان، في العادة، أوّل القادمين إلى الكنيسة. حتّى في سنيه المتقدّمة. وصباحًا، متى تثقّلت أتعاب اليوم الفائت على الإخوة، كان هو مَن يدقّ النّاقوس، ويبدأ، أحيانًا، الخدمة لوحده. وإذا بوركتَ، تسنّى لك أن ترى صلاته تتلألأ في بعض دموعه المنسابة بصمت من زاوية عينيه، التماعاتٍ تحدّث عن نورانيّة تترقرق في نفسه. كان الأب الياس رجل صلاة بامتياز!.

عَصَر الأب الياس نفسَه عَصْرًا!. يتوارى متى أمكن التّواري. يصمت، وهو القادر على الكلام والعارف بفهم وعلم بما يُقال، حتّى لا يُقال فيه إنّه من العارفين!. درى، إلى حدّ بعيد، كيف يلجم نفسه، ويمسك بعنان نفسه. تارة يسكت وعينه إلى داخل نفسه، وطورًا يضحك ويمزح، كما بحماقة، حتّى يصرف الحاضرين عمّا لنفسه بيسير الكلام والتّصرّف. كان واضحًا، مرّات، أنّه يشدّ على نفسه أكثر من العادة، وأنّ نَفْسَه توجعه، مرّة كبرياؤه ومرّة تفهُ الآخرين أو ظلمتهم أو قسوتهم، وفي كلّ حال أوهانُهم!. كان ساعيًا أبدًا لأن يحوِّل نظره في غير اتّجاه!. همّه كان ألّا يغيب عن وجه المعلّم، أو، بالأحرى، ألّا يغيب وجه المعلّم عنه!. “لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين. أنظر إلى نفسي وخلِّصها”!.

هكذا استمرّ الأب الياس يضحك ويلعب ويلعب على الكلام ويمدّ رجليه ليُعثر حركة القادمين إليه، أو يشدّهم صوبه، وهو يسلّم عليهم، حتّى ليوقعهم، فيما كانت عينه الدّاخليّة في غير مكان، في غربة، في توق، في شوق، في تنهّد، في تلمّس لما هو من هناك، إلى الآتي من هناك، إلى المنتهى…

لتستمرّ القصّة…

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 7 تمّوز 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share