الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (١٠)

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday July 14, 2019 85

القسوة الجحيميّة في العالم، من أين هي؟. وما دلالتها؟. الإنسان يحوّل عالم الله الفردوسيّ، في ذاته، إلى جحيم!. القسوة في العالم من حبّ الذّات، في تعامل الإنسان مع ذاته والعالم. ماذا يعني ذلك؟. يعني أن يكون الإنسان في وضع المستسلم، كأنّه ليس مِن إله غيره، لنوازع نفسه، لأهوائه، لرغباته، من غير أن يكون لديه حسّ بغيره وضوابط تلجم ما هو مؤذٍ لسواه ولعالمه ولذاته، وتطلق، ولو بشقِّ النّفس، ما هو مفيد ونافع، لغيره، وبالنّتيجة لنفسه. فإنّ التّمييز بين ما هو ضار ومؤذ وما هو مفيد ونافع يأتي من وداد وضمير صالح وإرادة. فإذا ما ارتحل الحبّ واعتلّ الضّمير، عَمِيت النّفس، وتعطّلت قوّة الإرادة في الحقّ. الإرادة، إذ ذاك، تضحى في خدمة الباطل، إرادةً في الشّرّ. وما الشّرّ؟. لفظة “شرّ” مصدرها “شرارة” ناريّة!. هذه، في سياق العلاقات، هي بذرة نار جهنّم!. الإنسان، والحال هذه، يمكن أن يكون، هنا والآن، مصدر جحيم لغيره ولعالمه. هذا لأنّه، هو عينه، يَضحى في قلق على نفسه!. ثمّ أهواء النّفس، لمَن يستسلم لها، جحيميّة الطّابع!. هذا يعني، من جهة أخرى، أنّ الإنسان قابل وقادر، “بنعمة الله”، أن يكون نعيمًا، وفردوسًا، للآخرين ولعالمه، ومن ثمّ لذاته!. أقول “بنعمة الله” لأنّه، في الحال الّتي هو فيها، مغمّس في مياه الخطيئة، أي استعداء الله في ميل قلبه، وإحاطة إرث الإثم به في عالمه!. له، في نفسه، صدى للفردوس الّذي غادره بالسّقوط في معميّات قلبه. صدًى، لأنّه لم يَفسد بالكامل؛ ولكنْ، ليست له قوّة استعادة الفردوس!. من هنا حاجته لنعمة الله.

إذًا، القسوة في العالم ثمرة استسلام الإنسان لما يكمن وراء جحيميّة نفسه، أعني أهواءه، في إلحاحها، طلبًا، في الظّاهر، لإشباع لا يُفضي، بالنّتيجة، إلّا إلى جوع كيان أكبر وإلحاح على الإثم أشدّ، ومن ثمّ إلى بثّ فراغ وجحيم متنامية في الآخرين والعالم من منطلق طلب متعة كذوب تؤجّج الجحيم وترسّخه في الذّات!. لذا كانت القسوة في العالم دليل إستسلام مَن يساهم في إحداثها، أي الإنسان، لرائحة الموت في نفسه!. يستسلم للموت فيه فتكون المحصّلة، في العالم، قتلًا!. لكنّه إن قسا على نفسه، عن محبّة، بنعمة الله، لله وخلقه، فإنّه يضحى قادرًا على أن يشيع في العالم، من حوله، وفي البعيد، وفيه، حنانًا إلهيًّا فردوسيًّا عظيمًا!. بكلام آخر، إن تقسُ على العالم تَمُتْ وتُمِتْ، وإن تقسُ على نفسك تُحْيِ وتَحْيَ!. أخوك حياتُك، لو كنتَ تَعلم، تعمل على إحيائه فتَحي!. المآل، في كلّ حال، هو هذا: إمّا المحبّة وإمّا الجحيم!.

لِمَن عرف الأب الياس، كان كتلة حنان!. لا مطرح للّامبالاة فيه!. قسا على نفسه فوق العادة حتّى لا يَبقى أثرٌ لقسوة في تعامله مع النّاس، في قلبه!. احتواء الآخرين، للخلاص، كان هاجسًا لديه. لا كان هذا بالتّمنّي ولا بالكلام ولا بالعواطف. كان بالمجالسة، بالسّماع، بالصّلاة، بالمتابعة، بإشاعة الرّاحة في النّفوس، ببثّ روح الثّقة بالله، الجزيل الرّحمة، الكثير التّحنّن!. الخطيئة، كما شاء الأب الياس، أبدًا، أن يوحي، ليست بشيء. هذا لا من باب الاسترخاء والتّشجيع، غير المباشر، على التّمادي فيها!. كلّا، أبدًا، بل من باب عدم الاستسلام لليأس من لا إمكان تحرّر الإنسان من ربقتها عليه!. هو لا يتحرّر منها بقوّته، بل بتوبته وإصراره وصراخه إلى ربّه ونعمة الله!. ليس ربّك في وارد إحصاء خطايا العالمين ليعاقب عليها!. ربّك في وارد تحريك قلب الإنسان، وحثّه على التّوبة، وانتظاره، والاصطبار عليه، وتركه، بألم، يتألّم ممّا نجم عن شروده!. “هل مسرّةً أُسَرّ بموت الشّرّير… إلّا برجوعه عن طرقه فيحيا؟… كلّ معاصيه الّتي فعلها لا تُذكَر عليه” (حزقيال 18: 23، 22)!.

كان يحلو للأب الياس أن يردّد أنّ خطايا البشريّة برمّتها ليست أكثر من قبضة رمل ملقاة في أوقيانوس محبّة الله!. همّه كان أن يبثّ الرّجاء في النّفوس!. مهما عظمت خطيئة القادم إليه، لم يكن يبعث أحدًا على اليأس من رحمة الله، في شأنها!. مَن جاء للخطأة جاء، لا من أجل الأبرار، لأنّه ليس من أبرار!. “الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله”!. والاعتراف بالخطيئة ليس من أجل الحلّ منها وحسب، بل، بالأكثر، من أجل أن يتحرّك القلب إلى ما تحرّك إليه الابن الشّاطر، لمّا أراد أن يعود إلى أبيه: “أقوم وأعود إلى أبي وأقول له: يا أبي، أخطأت إلى السّماء وأمامك، ولست مستحقًّا، بعد، أن أُدعى لك ابنًا. اجعلني كأحد أجرائك”!. الوعي هو المطلوب!. نَخَس القلب هو المطلوب!. العودة من القلب هي المطلوبة!. الشّعور بعدم الاستحقاق هو المطلوب!. تعلّم الاتّضاع هو المطلوب!. أن يجعل الإنسان نفسه في المقام الأخير هو المطلوب!. أن يتعلّم الخاطئ أن يرأف بالخطأة كما يرأف به ربّه هو المطلوب!. أن يتعلّم كيف يخدم إخوته للخلاص كما جاءه ربّه خادمًا لخلاصه هو المطلوب!.

بين صلاة دامعة ودمعة مصلّية، طلب الأب الياس من أجل مَن كانوا يطلبون العون لديه على حرقة قلوبهم!. كم من مريض قصد الأبُ الياس عيادتَه، للافتقاد والصّلاة والتّعزية، في بيوتهم والمستشفيات!. لم يكتفِ بمَن هم معارفه!. كان يذهب ليعود مَن أمكنه، قريبًا أو بعيدًا. كان يفرح بالصّلاة من القلب على المرضى!. حتّى غير المسيحيّين، إن طلبوا!. رعيّته كانت وِسْع العالم!. وكم فوجئ العديدون من زيارته لهم، وتحرّك فيهم حسّ جميل بثَّ فيهم رجاءات لم يسبق لهم أن عرفوا بمثلها!.

لم يُبدِ البتّة قرفًا من أحد لخطيئته!. بالعكس، كان يبكي بمقدار ما يرى عِظَم وَقْع الخطيئة على مرتكبِها!. كان يعي، في قرارة نفسه، أنّ في كلّ نفس ضعفًا، فإن اجتمعت عليها حيل الأبالسة وقسوة الظّروف، فإنّها قلّما تنجو بغير نعمة الله، وليس من غير جراح!. نحيا في عالم أميره إبليس، وهو لا أحيَل، لذلك كان الأب الياس يقول قولة ربّه: “أُريد رحمة لا ذبيحة”، و”لا تدينوا لكي لا تُدانوا”، كما كان في سعي حثيث إلى النّاس، يفرح مع الفرحين منهم ويبكي مع الباكين!.

لِمَ قال “الجامعة”: لا جديد تحت الشّمس؟. لِمَ “كلّ الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن”؟. لِمَ “الأعوج لا يمكن أن يُقوَّم، والنّقص لا يمكن أن يُجبَر”؟. أصحيح أنّ الكلّ باطل وقبضُ الرّيح (الجامعة1)؟. هذا إن دلّ على قسوة النّاس، وبالقسوة شِحّ في ماء كلّ الخلق، فقولة ربّك، أيضًا، هي: “هاءنذا أُفيض لكم روحي. أعلّمكم كلماتي” (أمثال 1: 23)!. وربّك حنان كلّه!. الله محبّة!. فمَن سكن فيه روح الله سكن فيه حنان الله، فتجري من بطنه أنهار ماء حيّ!. البحر، في الخارج، إيقونة البحر الّذي في الدّاخل، فمتى امتلأ بحر القلب من ماء روح الله، امتلأت بحار الأرض قاطبة مياه بما يوافق خلْق الله حتّى يخرج الماءُ من الصّخرة ولا يقضي أحد في الصّحراء عطشًا!.

نبحث عن الإنسان الجديد، إنسان القلب الخفيّ!. لذا خرج الأب الياس من مصر وسار في الصّحراء ما يزيد على الخمسين عامًا التماس الأرض الّتي تفيض، بالرّوح، لبنًا وعسلًا!. قلّة لم يسقها الأب الياس كأس ماء بارد!. كان يذهب إليها!. رجال الرّوح، في زمانه، كانوا قلّة عندنا!. وعندما كان يأتي مَن يأتي إليه كان يسهر عليه!. أذكر، في ما أذكر، صديقًا اسمه سيمون خوري، أُصيب بالإرهاق الشّديد من جرّاء عمله. بقي سحابة أسبوعين في الدّير، والأب الياس ساهر عليه، ليل نهار، حتّى تعافى!. يذهب النّاس كلّ في سبيله، وتُنتسى البركات في أزمنة الضّيق!. ولكنْ، إن سكت هؤلاء فحجارة الدّير تصرخ!.

الحنان، اليوم، بالأكثر، في غربة!. يعرف الأكثرون، في زمن الشّحّ، التّهذيب، والتّهذيبُ، حيث لا حنان، اصطناعُ لطف!. أمّا فيض القلب باللّطْف والحنان فقلّما تلقاه!. كلّ مياه الأرض لا تروي عَطِشًا واحدًا إلى الحنان، وكلّ خيراتها لا يُشبع جائعًا واحدًا إلى اللّطَّف!. ربّك جاء غريبًا ومات غريبًا!. ترك الأب الياس كلّ شيء وتبع ذاك الغريب، لأنّه رأى فيه، في سرّه، اللّؤلؤة الكثيرة الثّمن!. نجح، فشل، تعثّر في مشيته؟. ما همّ!. المهمّ أنّه ثبت إلى المنتهى باسطًا نفسه لمَن عرفوه، ولم يعرفوه، علامة تُحتذى، واستودع روحَه مسيحَه، الّذي استودع، أوّلًا، أباه روحه، ومَن يثبت إلى المنتهى، هذا يخلص!.

ليست القداسة فضائل، تزيد أو تنقص، بل أن يكون عنوان مسيرك بالرّوح ودم الشّهادة: “ليكن لي بحسب قولك”!. هذا، ربّاه، إن قصّرتُ فيه، وأنا مقصِّر، فأنت أَكمِل؛ وقبل أن تردّني إلى التّراب ردّني إليك!. على هذا، أخذ الأب الياس ما كلّفه به ربّه وأعطاه وسلّم الوديعة وعبَر…

لتستمرّ القصّة…

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 14 تمّوز 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share