الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (١٦ )

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday September 1, 2019 17

خرج الأب الياس من اللّاذقيّة وهو يروم أن يصير إنسانًا جديدًا!.

طبعًا، كان قد بدأ مسيره، في هذا الاتّجاه، قبل ذلك، فكانت له خبراته، وكانت له نجاحات وإخفاقات. الغالب أنّه فتح عينيه، في عائلته، على مسيح الرّبّ. كان حاضرًا هناك. لا ما يشير إلى العكس في سيرته. جوّ اللّاذقيّة وجوّ البيت كانا مؤاتيين. الكنيسة، في حضورها في نفوس أكثر النّاس هناك، كادت تكون، يومذاك، مُعطًى تلقائيًّا. جوّ المدارس الكاثوليكيّة ساعد. النّشاطات الشّبابيّة فيها استوعبت العديد من ناشئة العائلات الأرثوذكسيّة، لكنّها فتحت العين على إمكان إنشاء ما يشبه حركة الشّبيبة الطّالبيّة الكاثوليكيّة أرثوذكسيًّا. الأب الياس عبّ الكثير من الثّقافة الفرنسيّة. لغته الفرنسيّة كانت دون هنّة. كذلك أخذ الكثير من مدارس “الفرير” الّتي رادها. وبالفعل، كان هو أحد الأوائل الّذين تداعوا لإنشاء حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة في الأربعينات من القرن العشرين.

الأب الياس، أصلًا، قرّاء، ومن طبعه ألّا يخوض في أمر إلّا ليملكه. قابليّته الفكريّة وحسّه الخلّاق وتوقه إلى المعرفة، لا سيّما في ما يثير اهتمامه، أهّله لذلك. مطالعته في الأدب الآبائيّ والنّسكيّ الأرثوذكسيّ ما لبثت أن أخذت بمجامع قلبه. شيئًا فشيئًا تبرعمت في وجدانه فكرة التّكريس. وقليلًا قليلًا، في سرّه، استبانت الحياة الرّهبانيّة، عبر ما اجتمع لديه من اطّلاع، على خِلابةٍ استهوته لأنّها كانت دعوة إلى التّماميّة في الحياة المسيحيّة، ما يوافق تطلّعه وتشوّفه للّأمور، في العمق. الأب الياس، في الواقع، كان اجتماعيًّا، دمثًا، مرحًا، لطيف المعشر، لكنّه كان يحتفظ لنفسه بفسحة حميمة من التّأمّلات الخاصّة، ما جعله، في آن، مقبِلًا على الصّحبة واهتمامات الدّنيا باعتدال، لكنّه مُدبِر عنها، أيضًا، في خلوة قلبه. شيء ما أخذ يختمر في نفسه من حيث لا يدري به أحد، إلى أن تبلور وآتته الظّروف بعد سنين من الانتظار، فجمع نفسه وبعضَ ضروريّاته، قاطعًا نفسه عمّا تبقّى، وخرج إلى دير الحرف، في عزّ ما يشتهيه العاديّون في موسم الحصاد الدّهريّ.

الحقّ أنّ الأب الياس لم يطلّق النّاس ولا الأماكن الّتي عرفها، في ما فعل، في سيرته السّابقة، بخلاف أكثر مَن يطلبون حياة التّوحّد في التّراث. بالعكس، بقي يفرح بصحبه ومعارفه، لكنّ توقه كان إلى هناك، إلى البعيد، إلى الملء، إلى الملكوت، إلى الإنسان الجديد… العاديّات في اللّاذقيّة لمّا تكفه، لكنّها كانت تضيّق عليه، لذا لمّا يشأ أن تنتهي حكايته فيها. كان بإمكانه أن يتزوّج وأن تكون له عائلة. عديدات كنّ اللّواتي جعلن نظرهنّ عليه. هذا ما كان ليملأ الفراغ الكيانيّ لديه. أراد أن يمتدّ إلى قدّام، بالكامل، إلى المنتهى، لذا انطلق رغم أنّه بقي يفرح ويرتاح إلى علاقته بالوجوه والأماكن الّتي غادرها. بقيت علاقته باللّاذقيّة هي هي بعامّة، لكنّها باتت مُملَّحَةً مُطعَّمَةً بنكهة الوداد الإلهيّ، أخويّةً على أعمق بكثير ممّا كانت عليه.

ولكن، ما “الإنسان الجديد” الّذي صار بؤبؤ العين الدّاخليّة بالنّسبة للأب الياس؟. في هاجسه، في همّه اليوميّ، في سعيه الدّؤوب إلى وجه ربّه؟. “الإنسان الجديد” فيه صار الخارج، أبدًا، من ذاته، أو بكلام أدقّ، من ذاتيّته، سالًكًا في الموت كلّ يوم، من جهة ما لنفسه، ملتمسًا ما لربّه، في كلّ آن، ليصير ربّه لديه الكلّ في الكلّ!. أما هذه هي معموديّة الدّم في المسرى، المنبثقة من معموديّة الماء والرّوح؟. أليس “أنّنا كلّ مَن اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدُفنّا معه بالمعموديّة للموت، حتّى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة” (رومية 6: 3- 4)؟. اعتمدنا… دُفنّا… اقتداء بالرّبّ يسوع، لنسلك في مسيرٍ قياميّ، من قيامة مسيح الرّبّ، في جِدّة الحياة، في الإنسان الجديد!.

أيكفي أن يتبحّر المرء في تأمّلاته في ما للصّليب ليتمثّله؟. بل الحاجة إلى العنف، إلى بذل الدّم… العنف لأنّ عنف السّيّد في امتصاص عنف إبليس عليه في النّاس، كان أقوى وأجدى!. عنفهم أتى من إثم وعنفه أتى من حبّ كبير!. في نهاية المطاف، كان عنفهم قد رسّخهم في روح جهنّم، أمّا عنفه فقد أنجز انسكاب روحه على العالمين!. “أعطِ دمًا وخذ روحًا”!.

على هذا، جاء الأب الياس إلى دير الحرف ليتعاطى الموت، كلّ يوم!. أما كانت هذه كلمة الرّسول بولس إلى أهل كورنثوس: “إنّي بافتخاركم الّذي لي في يسوع المسيح ربّنا، أموت كلّ يوم” (1 كورنثوس 15: 31)؟.

وعى الأب الياس ضرورة الخوض في الموت اليوميّ وضرورة السّلوك في عنف الإرادة في ما لنفسه!. “أقمع جسدي وأستعبده” (1 كورنثوس 9: 27)، على حدّ تعبير الرّسول!. لكنّ جسده، أعني كيانه كلّه، ما كان ليخضع له بيُسر وتمامًا!. خبر ما عبّر عنه الرّسول المصطفى بالقول: “لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه إيّاه أفعل” (رومية 7: 15)!. هذا أنمى فيه الحسّ العميق بجسامة خطيئة آدم العتيق وقسوتها، وجوديًّا، فصار يعرف، في آن، ضِعته، والمعنى الكيانيّ لقول الرّسول إنّه، أي الرّبّ يسوع، جاء ليخلّص الخطأة الّذين هو أوّلهم. كذلك أخذ يعرف أنّه لا إمكان أن تستقيم قناة المجاهد من دون شخص الرّبّ يسوع عينه!.

خبر الأب الياس الموت في جسده وخبر عجزه بإزائه. إذ ذاك، دخل في شركة وجدانيّة والرّسول الّذي صرخ: “ويحي أنا الإنسان الشّقيّ! مَن ينقذني من جسد هذا الموت؟. أشكر الله بيسوع المسيح ربّنا” (رومية 7: 24- 25)!. ساعتذاك، أخذ يدرك، كيانيًّا، أنّ وعي الإنسان لعجزه بإزاء جسد الموت وأنّ مقاومته للموت الّذي فيه، في كلّ حال، لازمان لاستدعاء المخلّص ليكون للإنسان خلاص!.

ليس الجهاد والعنف والتّعب من أجل نيل الخلاص كمكافأة. الخلاص نعمة لا مكافأة، والنّعمة لا تأتي كثمرة لأتعابنا!. ليست النّعمة منّا ولا من تعبنا، بل هي ثمرة محبّة الله المُسبَغَة علينا بالمجّان!. أمّا الجهاد والعنف والتّعب، في التّحليل الأخير، فمن أجل أن يعي الإنسان عجزه الكيانيّ بإزاء الموت الّذي فيه!. كلّ إنسان يحكي البشريّة برمّتها. هذه سيرة العباد، ولكن ليس الجميع يعونها، فمَن وعاها اتّضع!. الاتّضاع من الوعي العميق للضِّعة الّتي ألقتنا فيها سقطة آدم!. والاتّضاع، وحده، يستدعي روح الله!. “من الأعماق صرخت إليك، يا ربّ، فيا ربّ، استمع صوتي” (مزمور)!. هذه هي لجّة الاتّضاع الّتي تنادي لجّة الله المحبّة!. هم يسمعون في وجع قلوبهم وهو يسمعهم في روح محبّته وينجّيهم!.

هذا ما حدا بالأب الياس إلى التّسآل مرّة بعد مرّة: “أيتغيّر الإنسان؟”. لم يكن جوابه، بعامّة، واضحًا، أو كان جزئيًّا، وبقي مثار جدل عندما كان يطرحه على الآخرين. خبرته كانت إلى تكامل ولمّا تكن، بعد، قد نجزت!. في وعيه المتنامي للموت في كيانه، وفي تعبه بغير هوادة، وفي شعوره العميق بعجزه من غير إلهه، فاضت دموعه وتركّزت صلاته!. وإذ كان يسير من موت إراديّ إلى موت إراديّ آخر، كلّ يوم، كان يصعد، انحداريًّا، من انكسار ذاتيّ إلى انكسار ذاتيّ آخر، من توارٍ إلى توارٍ أبعد!. هذا أعانه فيه وهنُ جسده ومرضُه، فزاده شعورًا بالضّعف فوق الضّعف، وألفى نفسه مسمَّرًا على ما فيه، من موت فوق موت، لا حول له ولا قوّة إلّا بربّه!. كلّ هذا دفعه دفعًا إلى الرّجاء، وزاده اتّكاء على اتّكاء على السّيّد، وتسليمًا له فوق تسليم!.

الموت الّذي اقتبله، في سني عبوره، عن إرادة، تكمّل أخيرًا بالموات الآتي في جسده، عن غير إرادة. هذا بلّغه ذروة الشّعور بضعف الطّبيعة البشريّة وضعفه، وهذا أتى به إلى التّواضع الّذي طالما تكلّم عليه ولمّا يدركه تمامًا!. لِمَ لم يدركه؟. لأنّ التّواضع الكامل لا يأتي إلّا بالتّسليم الكامل وهذا لا يكون إلّا بالموت!. كان لا بدّ من الموت، منذ السّقوط، لأنّه لا نياحة، في العمق، من دونه!. عندما سأل الأرشمندريت صفروني (سخاروف) القدّيس سلوان، في احتضاره: “أستموت، يا أبانا؟”، أجاب: “لم أبلغ، بعد، الاتّضاع”!.

في اليوم الأخير، قبل رقاد الأب الياس، ترك الطّبّ وكلّ عون له منه، ودخل في التّسليم الكامل، هكذا عريانًا من كلّ عون بشريّ. أصرّ أن يصعد إلى ديره. عرف أنّه سيموت. أعدّ نفسه. اغتسل وجلس في فراشه إلى أن جاءه السّيّد في القدسات فساهمها وأطبق عينيه وارتحل!. “الآن تطلق عبدك، أيّها السّيّد، حسب قولك بسلام”!. في تلك اللّحظة، أسلم نفسه بالكامل: “في يديك أستودع روحي”!. كان قد بلغ الاتّضاع المُشتهى!.

لا يتغيّر الإنسان إلّا بالموت… ساعتذاك، يغادر الأرض… إنسانًا جديدًا.!..

لتستمرّ القصّة!…

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 1 أيلول 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share