الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (١٨)

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday September 15, 2019 161

الكيان المخلوق والكون من واحد!. هذا مشغول بدقّة مذهلة، وذاك بدقّة أعظم، بما لا يُقاس!. ولكن، كان الكون أوّلًا ليكون في خدمة الخلاص، حضنًا يحتضن الكيان الّذي على شبه الله، ويغذّيه ويُنميه!. هذه لم تعد نظرة فلسفيّة ولا موقفًا لاهوتيًّا فقط بل تؤكّده العلوم الدّقيقة كالفيزياء وعلم النّجوم وعلم الكون وسواه، اليوم وكلّ يوم، هذه الأيّام!.

مباركة هي مملكة الآب والابن والرّوح القدس الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدّاهرين آمين.

في البدء خلق الله عنصر الهيدروجين١ ، والهيدروجين كان حارَّا، ولا أحرّ، وكان الهيدروجين صغيرًا ولا أصغر!. كلّ شيء كان فيه، وفي غيره لم يكن شيء ممّا كُوِّن!. هذا قاله الله في البدء، وهو الكائن قبل البدء. وقال الله: لتكن الخليقة، فكان الكون وكلّ ما في الكون، بدءًا. وصارت الحياة، بأمر الله، نورَ الكون، والنّور يُضيء في الظّلمة، والظّلمة لم تُدركه، والظّلمة تخدمه. سبعة وتسعون في المئة من الكون مادّة وطاقة مظلمة!. هذا صار في البدء من الله!.

وقبل البدء كان الله، والله محبّة. فقال الله: ليكن نور، فكان نور، وكان النّور صلاةً!. فصارت الصّلاة حياةً والحياةُ حارّة، ولا أحرّ. كما من حياة الله، نارًا ونورًا!. والحياة قوام الخليقة، والخليقة بمثابة جسد لها. لذا كان الكون. بلى، الكون، في كلّ وسعه، كان من أجل الحياة، من أجل الإنسان. من أجل مشروع الخلاص. من أجل تألّه الإنسان. “أنا قلت إنّكم آلهة”!. هذا ليس تشبيهًا بل إقرارُ واقعٍ آتٍ منذ الآن!. لذا كان الكون. والكون كان من أجل الكينونة. والكينونة كانت الصّلاة. والصّلاة صارت إنسانًا، حلّ في الكون، ليتمجّد الله به!. هذا صار منذ البدء عند الله!.

لا يصلّي الإنسان إلّا ليصير صلاةً!. لا يكون الفعل إلّا من أجل الكينونة!. نحن نحبّ لنصير محبّة، على شبه الله، لأنّ الله محبّة!. الله لا يصلّي لأنّه ملء الصّلاة وملء الكيان، وفوق الملء وفوق الكيان!. وهو كيان صلاة لأنّه محبّة!. على هذا النّحو شاء الله أن يصير الإنسان على شبه الله!. ابن الإنسان صلّى لأنّه ابن الإنسان!. وقد صلّى ليعلّم الإنسان الصّلاة، فيصير الإنسان، على هذا النّحو، صلاةً!. “علِّمنا أن نصلّي”!. قال: “متى صلّيتم…”، ولم يقل: “إذا صلّيتم…”!. هذا لأنّ كلّ شيء كان من أجل الصّلاة، ومن دونها ليس شيء كائنًا إلى الأبد!. الصّلاة هي الحضن الحامل بذرة الحياة الأبديّة، وبلاها موت!. كلّ شيء في الكون جسدها ومن دونها لا قيمة لجسد!. والجسد الفيزيائيّ كائن، هنا والآن، لكي تتكمّل الصّلاة فينا، وبعد أن تتكمّل، لا تعود هناك حاجة لجسد فيزيائيّ، وتاليًا، لكون فيزيائيّ!. يحلّ محلّه، على قولة بولس الرّسول، جسد روحانيّ!. “خذوا كلوا، هذا هو جسدي”؛ هذا هو كياني!. “إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان فليست لكم حياة فيكم”!. “ثمّ رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، [هذا يعني كونًا جديدًا ذا نواميس جديدة]، لأنّ السّماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجَد في ما بعد” (رؤيا 21: 1)!.

كان الأب الياس يبحث عن كيان نفسه في الصّلاة. هذا، لديه، كان المُثمَّن الّذي لا يُثمَّن!. الإنسان مشروع صلاة، أو لا يكون!. لذا، ترك كلّ شيء من أجل الصّلاة، ليتعاطى الصّلاة، ليصير صلاةً!. كلّ تعب الأب الياس كان من أجل أن يصير رجل صلاة، في إنسان القلب الخفيّ، كيانَ صلاة، كينونةً على شبه كيان الله، محبّةً في صلاة!.

كان دائمًا، في أحاديثه، يشير إلى ما له علاقة بالكيان، إلى الكيانيّ، إلى ما هو من الأعماق… “تعبنا اللّيل كلّه ولم نُصب شيئًا”!. “ألقوا شباككم في العمق”!. “على كلمتك ألقي شبكتي”!. “فأصابوا سمكًا كثيرًا”!.

اكتشف الأب الياس اللّؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثّمن: الصّلاة!. فباع كلّ شيء آخر له واشترى تلك اللّؤلؤة!. تعالوا، افرحوا معي لأنّي وجدتُ درهمي الضّائع!. كَنَسَتِ البيت كلّه وعرقت وتعبت!. أخيرًا وجدته!.

كان الأب الياس يحبّ ذاك القول من نشيد الأنشاد ويردّده: “في اللّيل على فراشي طلبتُ مَن تحبّه نفسي، طلبته فما وجدتُه. أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق وفي الشّوارع، أطلب مَن تحبّه نفسي. طلبته فما وجدته. وجدني الحرس الطّائف في المدينة فقلت: أرأيتم مَن تحبّه نفسي؟ فما جاوزتُهم إلّا قليلًا حتّى وجدت مَن تحبّه نفسي فأمسكته ولم أُرخِه حتّى أدخلته بيت أمّي وحجرة مَن حبلت بي. أحلّفكنّ، يا بنات أورشليم، بالظّباء وبأيائل الحقل ألّا تيقظن ولا تنبّهن الحبيب حتّى يشاء” (3: 1- 5)!.

الصّلاة، في الحقيقة، هي يسوع عينه!. هذا، في نهاية المطاف، تكتشفه بعد أن تنطلق!. تكتشفه، وضعًا، لا قولًا، وإلّا لا معنى لا للصّلاة ولا للمسير ولا قيمة!. لستُ أطلب ما لكم بل إيّاكم!. طلبته فما وجدته!. هذا لأنّي محتاج أوّلًا لأن تحترّ نفسي فيّ، لأن يصير مَن أطلبه حبيبَ نفسي!. الإنسان قلب!. ما ليس للقلب ليس من طبيعة الإنسان!. بعد ذلك، يمكنني أن أطلبه بإصرار، في اللّيل، في النّهار، في المدينة، في الأسواق، في الشّوارع، في كلّ مكان!. وأردّد: “مَن تحبّه نفسي…”، كمَن يستحثّ نفسه بتواترٍ عطِشٍ إلى الارتواء ولا يملّ!.

الشّوق إلى الحبيب يؤجّج التّوق إلى إيجاده!. في سعيي، أعبر بالحرس، رموز الشّريعة. الشّريعة إن هي سوى لحراسة الطّريق إلى الحبيب وليست الحبيب إيّاه!. لا بدّ لي من أن أعبر بالحرس، بالشّريعة، لأتجاوزها وإلّا لا أكون مهيّأً لأن أجد الحبيب!. أكون لصًّا ومختلِسًا!. الشّريعة هي من أجل أن أعرف أنّ الخطيئة خاطئة جدًّا، لا من أجل أن أعرف الحبيب، مَن تحبّه نفسي!. أعرف الحبيب متى أعطاني ذاته!. هكذا، لا بدّ من الشّريعة أوّلًا وإلّا لا آتي إلى معرفة ما عرفني السّيّد الإله أوّلًا من أجله!.

ولكن، لا مناص، بعد لقاء الحرس، من أن أتجاوزهم، لا كثيرًا بل قليلًا، عند خروجي من باب المدينة، بعد الحرس، هكذا في العتمة، في الخلوة، في الفلاة!. ساعتذاك فقط أجد مَن تحبّه نفسي. يكون في انتظاري. أنا لحبيبي وحبيبي لي!. فأمسكته، بجوارحي، بكياني!. كنت بكلّيتي متّقدًا إليه!. فلم أُرخِه، وكيف أرخيه؟!. هذه هي المنية والمنى، هذا هو بؤبؤ العين والنّور والصّبح وكوكب الصّبح!.

أخيرًا، أدخلتُه بيت أمّي وحجرة مَن حبلت بي!. حشاي وكياني الدّاخليّ في حجرة قلبي الدّاخليّة!. بعد ذلك، يا بنات أورشليم، يا عذارى العروس وصحبتها، أحلّفكنّ باسم الله الّذي قطعت له وعدًا كما قطع هو لي عهدًا، بالظّباء، بأيائل الحقل، بعذارى الخَلْق، ألّا تُحدثن نأمةً، حركةً، مهما كانت طفيفةً، فيستيقظنّ الحبيب!. دعنه يرتاح فيّ، في السّكون، لأنّي لست أرتاح إلّا إليه، فيه!. يستكين!. يغفو!. أنام وقلبي مستيقظ من أجل الحبيب ليستيقظ فيّ وهو غافٍ!. إن كان ينام فهو يرتاح، لأنّ راحته روح وحياة!. بعد ذلك، ليكن لي بحسب قولك!. كما يشاء وإلى ما يشاء!. لتكن مشيئتك!. في يديك أستودع روحي!.

ماذا جرى في الحجرة الكيانيّة للأب الياس؟. هذا سرّ الله فيه!. لكنّه كان ينضح، أبدًا، من رطب الصّلاة، وجعلنا الرّبّ الإله، على مدى سنين، في تناضح روحيّ!. أليس هذا شأنَ مَن يتوادّون في مسيح الرّبّ؟!. النّور لا تعرفه إلّا إذا كنتَ فيه لكنّك تعرف أنّه كائن لأنّك ترى كلّ شيء مضيئًا به!.

لا يهدأ القلب حتّى يستقرّ الحبيب فيه!.

كلّ شيء، لدى الأب الياس، كان في كفّة، والصّلاة في كفّة أخرى!. كان يحبّ أن يصلّي، وكان، في العين، يتجلّى فيما يصلّي. يصير إنسانًا آخر، إنسانًا جديدًا، غير ما تعرفه!. هذا ملكوته الدّاخليّ، يُطلّ عليك منه، ويحلو له أن يفعل، ولا يحلو له أيّ شيء آخر، كما تحلو الصّلاة له!. كان يصلّي من أجل النّاس ويبحث عنهم ليصلّي من أجلهم!. كان كيانه يتّسع كلّ يوم التماسَ أن يصير أوسع من الكون في اتّساعه!. الأرحب من السّموات!. متى سمع عنهم وأنّهم في حاجة أو ألم أو ضنك!. لا أطيب لديه من أن يغرف ممّا بثّه روح الله فيه ليسكبه على الأحبّة، والعباد كلّهم، لدى رجال الله، مشاريع أحبّة!.

إذا ما سمع عن أحد، حتّى لو كانت معرفته به طفيفة، أنّه مريض، مثلًا، تذكّر لعازر!. الّذي تحبّه مريض!. هذا ليس من اجتماعيّات النّاس!. هذا من مودّات ربّك!. مَن تجده بعد بحث طويل، الحقيقة أنّه هو الّذي يكون قد بحث عنك فيك ووجدك، وأنّه هو الّذي يعلّمك أن تبحث عنه في نفسك والأحبّة، لأنّه لا أطيب من أن تضع يدك في الصّلاة على أحد!. فإنّك متى وضعت يدك عليه وجدته!. كان ضائعًا فوُجد!. ليس بغير الحبّ إيجاد ولا بغير الصّلاة استعادة!. إن كان لأحد مئة خروف وضلّ واحد منها، أفما يترك التّسعة والتّسعين من أجل الواحد؟!. ومتى وجده فإنّه يفرح به أكثر من التّسعة والتّسعين الّتي لم تضلّ!. جِدوا بعضكم البعض بالمحبّة لئلّا يضلّ أحد عن الصّلاة!.

منذ بعض الوقت، ظهر الأب الياس لأحد الرّهبان في النّوم وقال له: قم صلِّ من أجل مَن تحبّ!. كان مَن يحبّ واحدًا من الإخوة الكهنة!. قام وصلّى وصلّى!. لا بدّ أن يكون فلان في ضيق!. في اليوم التّالي، اتّصل هاتفيًّا ببيت مَن يحبّ، فردّت زوجة الكاهن: ماذا بك؟. كيف عرفتَ؟!. عرفتُ ماذا؟!. صديقكَ كان في المستشفى!. ماءٌ داخل غشاء القلب!. كان بحاجة إلى جراحة!. حدث ذلك قبل يومين من الفصح!. بقي الكاهن في المستشفى يضرب أخماسًا بأسداس!. نخسته الصّلاة!. يا أبانا الياس!. كيف تتركني هنا ولي خدمة تنتظرني؟!. أما تُعينني؟!. في صباح اليوم التّالي، جاءه الطّبيب وكشف عليه!. استغرب!. شيء جديد حصل بخلاف فحوصات الأمس!. نشف الماء داخل غشاء القلب، فعاد الكاهن مُعافًى تمامًا!. بإمكانك أن تخرج!. لا لزوم لبقائك!. خرج بعد الظّهر!. كان فصحُ اليوم التّالي في انتظاره!. تبارك الله!.

هذا ما كان عليه الأب الياس في تمخّضاته، في سرّ قلبه، في ارتجاجاته، في استكاناته!. والآن بات في الاستكانة الكاملة!. فلا غرو إن كانت صلاته رقراقة في حياته!. مَن لم يذق صلاة الرّجل ومفاعيلها، وما ينقله في الصّلاة، لا يعلم ولا يعرف شيئًا من كينونة قلبه!. أخيرًا، تخرّج من جامعة البرّيّة، بعدما وجد مَن تحبّه نفسه!. لم يعد يُرخِه، بل لم يرخه ربّه!. في ذلك اليوم، كلّ الأب الياس صار عينين كبيرتين تلمع فيهما دموعه!. كان آتيًا من هناك، متشوِّفًا إلى ما هناك، مقدِّمًا ما جمعه من هناك… صائرًا إلى هناك!. انفجارًا ضوئيًّا جديدًا!. بارك الرّبّ بكم!. أحببتكم وأحبّكم!. إلى أن نلتقي!. الله معكم!.

… لتستمرّ القصّة!.

١- الهيدروجين رمزه (H ) ورقمه الذّرّيّ (1). كلّ شيء، في بداية الكون، كان هيدروجين مضغوطًا، وكانت الخليقة على أصغر ما تكون، لذا كانت الحرارة مرتفعة إلى أبعد الحدود. ثمّ في لحظة حصل الانفجار الكبير!. هذا لم يكن انفجارًا غاشمًا، بل أخرج الخليقة الكونيّة، على كلمة الله، إلى حيّز الوجود على أدقّ ما يمكن أن يكون هذا الوجود، وعلى نحوٍ يفوق كلّ تصوّر!. هكذا حصل ما يعرّف عنه العلماء اليوم بـ”الانفجار الكبير Big Bang “، ويجري رصده، بتفاصيله، بدقّة كبيرة من خلال قراءة ما يصلنا من أنوار وانفجارات حصلت منذ اللّحظات الأولى لهذا الانفجار، وهي تبلغنا بعد سيرها عبر الكون، لأكثر من 12 مليار سنة ضوئيّة. وهي تبلغنا، هذه الأيّام، كلّ يوم، بمزيد من المعطيات بشأن تاريخ نشوء الكون، بحيث تجتمع المعلومات لدينا، كما لم تجتمع في أيّ يوم من تاريخ البشريّة. هذا كلّه يحدث منذ أواخر القرن الماضي، وبخاصّة خلال القرن الحادي والعشرين إلى اليوم وتزيد. هذا من حيث إنّ موقع الأرض في الكون، وهذا الزّمن، بالذّات، باتا يُتيحان للعلماء أن يتعرّفوا، كلّ يوم، وبشكل متنامٍ ودقيق، بما أوتوا من آلات قياسيّة، إلى تاريخ نشوء الكون بنسبة مئة في المئة!. لماذا تصل كلّ هذه المعلومات إلينا في هذا الوقت بالذّات؟!. أما لهذا مغزاه العميق في تدبير الله؟!.

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 15 أيلول 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share