الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (١٩)

mjoa Sunday September 22, 2019 180

… ويرتحلون، الأحبَّةَ.!…

… ويرتحلون، الأحبَّةَ، مخلِّفين غصّة، في القلب، تلو الغصّة. حفنة الرّمل، في الكفّ، مهما أحكمتَ يدك إقفالاً عليها، تتراخى قبضتُك بقوّة الشّدّ وتنسلّ حُبيباتها إذ ينفرج، لديك، الإصبع عن الإصبع مرغَمًا، فإذا بك تلقاها تتناقص، بعد زمن أو زمنَين، إلى أن تَلقى راحتك صِفرًا ممّا كنت ضنينًا به وحسبت أنّ العمر مستحيل بلاه…

“قد قام ليس هو ههنا”. بين التّرجّي والوجْد، لا تبقى لك غير علامة قيامة، لفائف ومنديلاً، فترى وتؤمن أنّهم يقومون في مَن قام لكي لا يذوقوا الموت من بعد. القبور تفتّحت وقام كثير من أجساد القدّيسين الرّاقدين! تنظر غير المنظور في كيانك فتجتهد لتقبض على ما عاينته قبسًا في داخلك فما تقدر! محتوم عليك ههنا أن تبقى مشلوحًا على الرّجاء، تدفعك الأيّام دفعًا إلى فراغ الذّات. حسبك أن تقبل وأن تساهم، ولو قليلاً، في إفراغ نفسك، في ما لا تستسيغ ويوجعك ويتركك وحيدًا. فشلُ الصّليب يأتيك، أوّلاً، ثمّ بعد ذلك نصرة القيامة، حتّى ترضخ للتلاقي عن إرادة وأنت عارف، يقينًا، أنّه لا أحد، بعدُ، ميتًا في القبر!

سيرتك، على الأرض، لملمة جراح إلى أن يطالعك وجه الّذي شقّ السّماء ونزل (إش 64: 1)!

“لقد ذهبوا وهم يبكون إذ كانوا يُلقون بذارهم، لكنّهم سيرجعون فرحين، حاملين أغمارهم”! المرأة، متى وَلدت، تنسى أتعابها لأنّ حياة جديدة تكون قد شملتها لفائف النّور!

اليوم، الجمعة، الخامس من شباط، العام ألفان وأحد عشر. سرنا عبر الممرّ إلى حيث غرفة الأب الأرشمندريت الياس مرقص فوجدنا أطبّاء وممرِّضين يعدّونه ليُنزلوه إلى غرفة العناية الفائقة، مرّة أخرى. وَهَنُ جسده يزداد ورئتاه إلى تعب والتهاب متزايدَين. لم يعد البدن مطواعًا والنّفْس أسرى كما ليكتمل الإيمان تسليمًا إلى المنتهى. لا عودة بيِّنة إلى الوراء! ظلمة ما للّحم والدّم تتكثّف إلى أن ينبلج من الظّلمة نور بإذن الله!

لا ندري متى تأتي السّاعة الّتي يتوقّف فيها ما تُسلَّط عليه الآلات والأنابيب والأمصال والأدوية لكي لا يتوقّف. الصّراع قائم، الآن، بعنف، بين جسد يرتحل وإرادات تبذل وسعها لكي لا يرتحل، أو لتؤجِّل رحيله، تعبيرًا عن تمسّك شرس به، حتّى لا يحسّ الأحبَّة أنّهم قصّروا في المحبّة في شيء!

كان صاحيًا والعربة تسير إلى حيث لا نعرف. في عينيه كان تسليم ودمعة وسُحنة على قتام تحكي بعض الاختناق. رغم ذلك بارَك مَن كانوا حوله وترك مَن رغب يلثم يمينه. ماذا يجري في وجدانه وهو إلى هناك! في كل أيّامه تروّض على التّسليم وعلّمنا التّسليم. حكاه في سيرته سنة بعد سنة ما يزيد على الخمسين ربيعًا. يصلّي؟ ماذا بقي له غير الصّلاة؟! الصّلاة مركبة إيليّا شفيعِه إلى فوق، وهي الآن تحتدّ نارًا ونورًا! كان يخشى هذه السّاعة، لكنّه لهذه السّاعة أتى! هو المعلّم خطّ معالم الطّريق لمَن حمل صليبه وسار وراءه. إيقونة أضحى في النّزول إلى الموت! روح الدّعابة الّتي كان إليها كالأظافر إلى اللّحم استكانت الآن! عرف بإحساسه الأبلغ من كلّ كلام أنّه يودّعهم ويودّعونه! وأُخرج كمصارع إلى الحلبة، حلبة التّسليم، بعد عمر من التّروّض على الجهاد. وابتعدت العربة ونحن ننظر، وفي القلب مهابة ورجاء. “في يدَيك أستودع روحي”!

كلّنا ساهم هو في إيلاده إلى الحياة الرّوحيّة! الآن يصير ما علّمنا، كلمة من الكلمة! “الكلام الّذي أُكلِّمكم به هو روح وحياة”!

حَسِبنا أنّها آخر مرّة نراه قبل أن نصير إلى فوق لننظر وإيّاه وجه السّيّد والرّوحُ إلى الرّوح! لكنْ أرانا الرّبّ الإله أنّ ما له، في الأزمنة والأوقات، غير ما احتسبنا! انتعش الأب الياس من جديد! لِمَ؟! الرّبّ أدرى! لعلّه شاء بذلك تسليمًا أكمل!

وأُعيد إلى الغرفة العاديّة للمرضى. صوته كان أوضح! كان كأنّه استعاد شيئًا من الرّغبة في الحياة بيننا. لكنَّ حالته بانت غير مستقرّة. تشوّف إلى اليوم الّذي يعود فيه إلى ديره. لكنّهم، لوضعه الدّقيق، كانوا يؤخّرونه! كان أطبّاؤه يعرفون أنّ الخطر على حياته أكبر إن غادر إلى الدّير. أمّا هو فلمّا رأى الأيّام تكرّ وطال الانتظار أصرّ وتوسّل أن يصعدوه إلى هناك ولو ليوم واحد قبل أن يرتحل. تلك الأيّام، بين تحسّن حاله وصعوده إلى أورشليم الدّير، كانت كأنّها إعداد للتّسليم الكامل بين يدي مَن أحبّ، وتهيئةٌ للصّعود إلى أورشليم السّماويّة. أخيرًا، كمَن يعدو إلى مرتجى خطّ النّهاية، استنفد قواه ونفسه. البارحة عدناه في المستشفى قبل أن يخرج إلى ديره. لسانه صمت عن الكلام أو كاد. فقط عيناه كانتا تحكيان مَن يألف لغة العيون. كان فيهما صمت وتسليم. نظر الآتي من البعيد إليه وقد دنا منه. أحبّ مَن حوله فكان يغطّي رأسه وعينيه بيديه لكي لا يراه أحد يدمع لفراقه. باركنا وشدّ، وسعه، على رؤوسنا، وغادرناه. صعد إلى الدّير بعد ظهر الثّاني والعشرين من شباط 2011. وقبل ظهر الثّالث والعشرين، الأربعاء، رحل على شيء من ضيق ما بقي له من جسد، ولكنْ قرير العين أنّه بخلاف موسى، كليم الله، لم يُحرَم من الدّخول إلى أرض الميعاد، بل اقتحمها بشوقه! وبعدما كحّل عينيه بمرأى الجميع وبارك، لم يعد له ما ينتظر من أجله. “الآن أَطلق عبدك أيّها السّيّد”! وانطلق النّسر الّذي طالما سما بنا إلى أعلاء معرفة روح الله ثلاثة وخمسين عامًا!

تختنق الكلمة في صدورنا، يا أبانا، كما اختنقت المودّات الّتي شملتنا بها سنة بعد سنة، وكأنّها من الأزل وإلى الأبد، في عينيك اللّتَين لم يكن أيسر عليهما من أن يخاطبا بالدّمع في الوقفة والصّلاة أمام العليّ وفي معاناة الآخرين وآلامهم تُعرَض عليك! بتّ في نَفَسنا نسمةً عليلة تنعشنا! كنّا، أبدًا، نشعر بالطّمأنينة أنّك إلينا! لم تترك شيئًا إلاّ علّمتنا إيّاه! كنت، دائمًا، قلبًا ينعطف على كلّ قلب ويحتضن الصّغار والكبار! كلّ أنطاكية حملتها في اهتمامك صمتًا! لم تترك زاوية فيها حاجة إليك إلاّ تركت عرينك إليها لتبلسم جراح النّفوس الّتي عبثت بها صروف الدّهر! كنت سمّاعًا كبيرًا وكلمةً مقتضبة في آن! عوّدتنا، لا سيّما في سنيك الأخيرة، أن تقول الكثير بالقليل! وروح الدّعابة يتردّد في ما تقول وتفعل. هذه انسلّت في ثنايا معاناتك الدّاخليّة ودموعِك كما لتجعل أصول الحياة الرّوحيّة أيسرَ لقلوب وهنت واستهيبت ولوج المسير إلى فوق. اختلط فيك التّباله في المسيح بالفرح بالحزن بالمحبّة بالرّعاية! قلتها دائمًا مباشرة وبصورة غير مباشرة: مسيح الرّبّ أدنى إليكم وأيسر ممّا تتوقّعون! فقط اثبتوا على الرّجاء! آخر كلمة كبيرة تناهت إلينا وأنت على سرير المحطة الأخيرة: “اشكروا”! شعرتَ، يا أبانا، أنّ العليّ شاء إذلالك إلى المنتهى! كلاّ، بل إذلال ما فيك وفينا من تعلّق بالذّات حتّى نصير من الّذي سُمِّر على قصد الله وتواضعه الأقصى ولمّا يبق له من مكان يسند إليه رأسه هنا غير الصّليب وأنّةٍ صرخةٍ تنبعث من أعماق تائقة إلى الآب وما كانت إلاّ إليه: “في يديك أستودع روحي!”

صعبة قراءتك، يا أبانا الياس، لأنّك أرحب من أن يحيط أحد منّا بك وبما جال في عالم داخلك، وأصعب كتاباتك، لأنّ الكلمات المخطوطة ينقصها، أبدًا، نبض الحياة الّذي عهدناه فيك أطفالاً فشبّانًا صغارًا فرجالاً!

أَوَ ترتحل الآن وتتركنا؟! لا بل تأخذنا في صدرك إليه وتطالعه حاملاً إيّانا لديه! ذهبت؟ الله معك! عبور مبارَك! فردوس مبارَك! صلِّ لنا! ابقَ معنا! الآن أنت إلينا أبقى! اليوم فرح كبير لأنّها القيامة، قيامةُ السّيّد، تأتينا من خلالك! لكنّها تأتينا في عينيك الكبيرتَين الدّامعتَين! ما عرفنا القيامة إلاّ مصلوبة وما عرفنا الأحبَّة إلاّ تسحّ منهم الأعراق وجنباتهم تقطر دمًا وماء كما إلى السّيّد!

الله معك! لا تغادرنا! إلى الملتقى يا عين الأحبَّة! سلام عليك وعلى مَن غادرنا قبلك!

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 22 أيلول 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share