الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (٢٥)

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday November 10, 2019 36

ليس للإنسان سلطان على نفسه. بإزاء ناموس الله، يجد ناموسًا آخر في أعضائه يحاربه. ولا يحاربه فقط، بل يسبيه أيضًا إلى ناموس الخطيئة.!. بلى، للخطيئة شريعتها وقوّتها وقواعدها. مفروضة على كلّ ابن آدم، شاء أم أبى. مُسبًى إليها رغم أنفه.!. لا يستطيع إلّا أن يَخطأ.!. في الخطيئة ولدتني أمّي.!. لذا صرخ بولس الرّسول لأنّه ظنّ نفسه، من قَبلُ، بارًّا، إذ كان “أوفر غيرة في تقليدات آبائي” (غلاطية 1: 14)، على حدّ تعبيره، أقول صرخ “ويحي أنا الإنسان الشّقيّ.!. [المبيع تحت الخطيئة (رومية 7: 14)].!. مَن ينقذني من جسد هذا الموت.؟. أشكر الله بيسوعَ المسيح ربّنا.!.” (رومية 7: 24 – 25). إذًا، لا خلاص إلّا بيسوع المسيح.!. وحده له سلطان على ذاته (يوحنّا 10: 18).!. هذه الصّفة بالذّات ينقلها الرّوح القدس إلينا، سلطانَ وضعِ الذّات، بذلِ الذّات، اقتداءً بالمسيح وشهادة له لمجد الآب السّماويّ.!. فلا عَجَب إن صدح الرّسول المصطفى، بعدما عبّر عن ضعفه وعجزه وشقائه الخاصّ، كإنسان، بالقول: “أستطيع كلّ شيء في المسيح الّذي يقوّيني” (فيليبي 4: 13).!. وما بلغ الرّسول هذه الحال وعبّر عنها إلّا بعدما تمرّس في الاكتفاء وتدرّب أن يشبع وأن يجوع، وأن يحيا في البحبوحة وفي العوز (فيليبي 4: 11 – 12).!. بكلام آخر تمرّس في الفقر.!. لا الفقر كواقع، كحدث، بل الفقر كحالة داخليّة، كإخلاء للذّات، كشهادة، كانقطاع كامل عن روح العالم، كإفراغ للنّفس، كصليب، كَموت عن الذّات.!.

ما سرّ الموت عن الذّات هذا.؟. هو سرّ الحبّ.!. الحياة، والحياة الأبديّة، تخصيصًا، من الحبّ تأتي.!. في منطوق المحبّة، حياة الابنِ، ابنِ الله، من الآب تأتي.!. الآب حياة الابن، والابن، مسيحُ الرّبّ، حياتُنا (كولوسي 3: 4)؛ وبالقياس عينه، “أخي هو حياتي” (ق. سلوان الآثوسيّ).!. لذا كانت الغربة عن العالم – “ليس لابن الإنسان أين يُسند رأسه” (لوقا 9: 58) -، وقبل ذلك غربته الكاملة عن نفسه – “طعامي أن أعمل مشيئة الّذي أرسلني، وأتمِّم عمله” (يوحنّا 4: 34) – هي أيقونة الآب فيه – “مَن رآني فقد رأى الآب” (يوحنّا 14: 9)، ومن ثمّ، بالامتداد، أيقونة ابن الله وابن الإنسان فينا.!. على هذا، بوضع الذّات، بإفراغ الذّات، بإخلاء الذّات من كلّ كرامة واعتبار ذاتيَّين، باقتبال الصّورة عن ذواتنا أنّنا عبيد ليسوع، كما جعل هو نفسه عبدًا ليهوه أبيه، وعبيدٌ لكم من أجل يسوع (2 كورنثوس 4: 5)، هكذا، بالمعنى الكيانيّ العميق للكلمة، نجدنا نتملّأ من محبّة الله، من المحبّة الّتي أحبّنا هو بها. فقط، إذ ذاك، نستطيع أن يحبّ أحدنا الآخر كنفسه (الوصيّة الثّانية العظمى)، لا بمعنى أن يحبّ الواحد الآخر، كما يحبّ نفسه، بل بمعنى أن يحب الآخر باعتباره نفسَه، حياتَه، ولا حياة له، لا فقط من دونه، بل لا حياة له إلّا فيه.!. هذا هو المعنى العميق لقولة القدّيس سلوان: “أخي هو حياتي”.!. هذا هو نداء محبّة الله.!. “تعالوا إليّ… وأنا أُريحكم”.!. لا الرّاحة من شيء، فقط، بل، بالأَولى، الرّاحة فيّ.!. لا فقط أُريحكم، بل، بالأحرى، أنا راحتكم، “لأنّ الّذي دخل راحته استراح…” (عبرانيّين 4: 10).!. لا راحة إلّا في روح الله.!.

هذه كانت، بالذّات، شهادة الأب الياس.!. سِنوه في العالم، كانت سِني تعب، رغم أنّ أسباب الرّاحة كانت موفورة لديه.!. كان جائعًا.!. كيانيًّا جائع.!. إصبع الله كان فيه.!. لذا أكثر الكلام على القلب، على العمق، على الكيان، على ما هو فوق، على الدّاخل… هذا ما حرّك فيه التّوق إلى الحياة الرّهبانيّة.!. أراد أن يتعلّم ويتمرّس في ما دعا إليه المعلّم، أنْ تعلّموا منّي… وكذا في ما تمرّس فيه من آلام وأحزان، كرجل أوجاع.!. لم يكن حزن الأب الياس كأحزان العالم. هذه كفّت عنه لمّا التزم الفقر الخارجيّ، الفقرَ في ما للعالم.!. قلقه، إلّا كتجربة، لم يعد يأتي من الخارج. حزنه بات متأتّيًا ممّا يجول في دواخل نفسه، من أفكاره، من أهوائه، من صراعاته الدّاخليّة.!. هنا، على هذا الصّعيد، تعاطى الأب الياس العنف مع نفسه. شنّ حربًا لا هوادة فيها على نزعاته، لا سيّما على كبريائه، على عنفوانه، على السّبح الباطل فيه، وحتّى على كرامته… “أنتم مكرّمون، وأمّا نحن فبلا كرامة” (1 كورنثوس 4: 10).!. لا لأنّ النّاس لا يكرموننا، ثمّة مَن يكرمنا وثمّة مَن يهيننا، بل لأنّ الضّرورة موضوعة علينا أن نسلك كعبيد.!. محبّة المسيح تأسرنا.!. “أنا بولس، أسير المسيح يسوع لأجلكم…” (أفسس 3: 1).!.

كان الأب الياس يعي تمامًا أنّه ليس لنفسه.!. الرّهبنة ليست في الكنيسة وحسب، بل للكنيسة أوّلًا.!. هذا البعد الشّركويّ وعاه الأب الياس جيّدًا. في حديث له عن الرّهبنة (راجع كتاب آمنوا بالنّور لتصيروا أبناء النّور ص 217- 218) قال: “سأبوح لكم بسرّ إذا قلت إنّي شخصيًّا لم أدخل الدّير من نفسي، بل كانت هناك قوّة خفيّة تدفعني وتقودني وترتّب لي كلّ شيء، هي، بلا شكّ، القوّة المنبعثة من ضمير النّهضة الأرثوذكسيّة، قوّة منطق النّهضة الدّاخليّ”. ثمّ أردف، بالكلام على نفسه ورفقته:”لا نختبر الرّهبنة باسمنا ولحسابنا، ولا باسم حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة ولحسابها وحسب، بل باسمكم جميعًا، باسم الكرسي الأنطاكيّ المقدّس ونهضة الله فيه…”.

على أنّ الأب الياس يوضح، في مكان آخر (ص 219)، أنّ الرّهبنة موجّهة لله، أوّلًا وآخرًا، فإذا ما شاء لها الله أن تقوم بخدمة محسوسة للكنيسة، فخدمتها تكون لا هدفًا بل نتيجة، فيضًا من حياة… ويختم بأنّ الرّاهب يكرّس نفسه لله لأنّ هذا إنّما هو حقّ، وهو يكرّس نفسه، بالدّرجة الأولى، لا ليخدم الكنيسة والمجتمع بل ليكون في الحقّ (ص 220).!. بلى، كلّ مسيحيّ مكرّس للرّبّ، لكنّ الرّاهب يذهب بهذا التّكريس إلى أبعد حدوده.!.

في الشّهادة، ما هو أوجع من بذل الدّم: بذل النّفس.!. بذل الدّم يأتي كنتيجة.!. بذل النّفس أن تحطّم أناك العتيق، أن تجلد نفسك، كلّ يوم، لا لأنّك تحبّ الألم بل لأنّك تكره الآلام (الأهواء) الّتي فيك، ولسان حالك قولة المزموريّ: “سأقتفي أعدائي فأدركهم، ولا أرجعن حتّى أفنيهم… لأنّك حزّمتني بالقوّة من أجل القتال” (مزمور 17: 37، 39).!. وما المحصّلة.؟. هذه عبّر عنها خير تعبير الشّيخ يوسف الهدوئيّ (+1959)، في رسالته الثّانية والأربعين (راجع كتابنا بالعربيّة سيرة ورسائل الشّيخ يوسف الهدوئيّ الآثوسيّ. 2001): “هذا… هو فنّ الفنون وعِلم العلوم: أن تجلدي [إلى راهبة] نفسك إلى أن تقتنعي بأن تَدعي النّورَ ظلمةً والظّلمةَ نورًا، إلى أن يغادرك كلّ ظنّ بأنّك على حقّ، إلى أن تُزالَ منك كلّ عجرفة، إلى أن تستحيلي مخبولة وأنت تتمتّعين بفهم كامل، إلى أن تبصري كلّ أحد ولا يبصرك أحدٌ البتّة. فإنّ مَن تروحن يفحص كلّ شيء ولا يُفحَص من أحد. يرى كلّ شيء. عيناه مثبّتتان فوق ولا مَن يعاينه”.!.

دموع الأب الياس كانت أيقونة المسيح المصلوب فيه. حكت جراحه وحكت أفراحه. حكت موته عن نفسه وحكت قيامته. حكت حربه على إنسانه العتيق وحكت حبّه لكلّ إنسان. حكت حرصه على التّواري وحكت حرصه على تقديم النّاس. حكت حزنه على خطيئيّته وحكت فرحه بهداية الآخرين. بكى مع الباكين، وفرح مع الفرحين. كان ينبغي له أن ينقص ولله أن يزيد، فيه وفي النّاس. هكذا أضحت شهادته استشهادًا يوميًّا ليَحيا ويُحيي…

حاجة عالمنا، اليوم، هي إلى الإنسان البار. الأبرار، لأجلهم، يَصفح ربُّك عن خطايا الأكثرين، ويَسلم البلد في الأزمات الكبرى.!. في سفر التّكوين، كان ربّك مستعدًا بخمسة أبرار أن يصفح عن سدوم وعمورة.!. في نبوءة إرميا، صار يكتفي بواحد ليصفح عن أورشليم: “طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتّشوا في ساحاتها هل تجدون إنسانًا أو يوجد عامل بالعدل (بالبرّ)، طالب الحقّ، فأصفح عنها” (إرميا 5: 1).!.

حاجتنا، اليوم، إلى البارّ، هي كحاجة المتصحّر إلى نقطة الماء. وحدهم الأبرار ينقذوننا.!.

… لتستمرّ القصّة.!.

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 10 تشرين الثّاني 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share