الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (٢٦ )

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday November 17, 2019 213

أهل هذا البلد كلّهم متسيّسون. قلّما تجد مَن لا تهمّه السّياسة، ولو من بعيد، أو مَن ليس له وجهة نظر سياسيّة. السّبب بسيط أنّ البلد صغير وهو على تقاطع طرق إقليميّة ودوليّة، ومعيشة سكّانه مرتبطة بواقعه السّياسيّ، المتقلّب بصورة شبه دائمة، لأسباب داخليّة أو خارجيّة، أو الإثنين معًا، وفترات الاستقرار فيه قصيرة نسبيًّا، بمعدّل خمس عشرة إلى عشرين سنةً، يحدث، بعدها، اضطراب ما. هذا لا تألَفُهُ الدّولُ الكبرى أو شبه الأمبراطوريّات. فترات الاستقرار هناك أطول. والنّاس فيها ليسوا عرضة للتّقلّبات السّياسيّة شبه المتواترة. قلّة هناك، على هذا، تبالي بالسّياسة، لكنّها تبالي، بكلّ تأكيد، بأمورها المعيشيّة.

هذا الواقع، لدينا، يستدعي تحصينًا بنيويًّا في تنشئتنا، يقينا تداعيات المتغيّرات والتّناقضات السّياسيّة لجهة علاقة النّاس بعضهم بالبعض الآخر. نحتاج لأن تبقى العلاقات الإنسانيّة، في ما بيننا، سلاميّة متى اختلفت وجهات نظرنا، في هذا السّياق. هذه مشكلة صعبة بيننا. يكون النّاس متحابين، في العادة، متى التقت آراؤهم، لا سيّما السّياسيّة، ويتصادمون متى تباينت. حتّى ضمن البيت الواحد، عندك معاناة. فجأة، يقوم الرّجل على امرأته ويخاصمها، أو تقوم المرأة على رجلها وتخاصمه.!. الأمر عينه يحدث في مستوى أبناء الرّعيّة الواحدة. بعضهم، وأحيانًا العديد منهم، تجده في وضع المستنفِر سياسيًّا، لا سيّما في الأزمات. لذلك، أيّ اجتماع لأبناء الرّعيّة ينزلق الحديث فيه إلى طرح موضوع سياسيّ، ولو تلميحًا، يؤدّي بيسرٍ إلى خلاف، وقد يكون حادًّا. تشتدّ نبرة الصّوت في الحضور ويستعر الغضب ويتفلّت الكلام. هذا إذا لم ينتهِ الصّدام الكلاميّ تشابكًا بالأيدي وتبادلًا للتّهديدات.!. هذه بعامّة حال النّاس في الكنيسة، كما في خارجها. ثمّ، كلّما اشتدّت الأزمة السّياسيّة كلّما ارتفعت وتيرة الصّراع في ما بين النّاس.!. وثمّة حالات سجّلت فيها حوادث قتل الأخ لأخيه.!.

السّؤال، والحال هذه، هو: ماذا نعمل لتبقى العلاقات، في ما بيننا، هادئة سلاميّة مضبوطة، متى اختلفنا في الرّأي، لا سيّما السّياسيّ.؟. كيف يمكننا أن نتحاور بمحبّة وإيجابيّة أو حتّى أن نسمع رأيًا مخالفًا لرأينا ولا نثور.؟. عندنا في الكنيسة جواب، إذا كنّا فعلًا أبناء كنيسة.

كان الأب الياس من أبناء هذه البيئة، وكان له رأي سياسيّ، لا يعبّر عنه إلّا في حدود الخاصّة من معارفه وبهدوء. كان له في هذا الشّأن موقف راقٍ أملاه عليه الإنجيل. كان يحبّ وطنه بلا شكّ، وكانت له وجهة نظر، يدافع عنها، إذا لزم الأمر، لكنّه لا يدخل في صراع مع أحد، كما لا يؤثّر الاختلاف في وجهات النّظر بينه وبين الآخرين في محبّته لهم أو نظرته إليهم. وإذا ما شعر أنّ رأيه يُعثر سواه اعتذر أو امتنع عن الكلام لتبقى المحبّة وحدها هي الجامع بينه وبينهم.!.

من جهة أخرى، لا شكّ أنّ قومًا حاولوا جرّ الرّبّ يسوع إلى اتّخاذ موقف سياسيّ من الدّولة الرّومانيّة في زمانه. لكنّه إذ عرف قصدهم اجتنب فخّهم وأوقعهم في الحيرة. سألوه: أيجوز أن تعطى جزية لقيصر.؟. نعطي أو لا نعطي.؟. هذا السّؤال، في المناخ العامّ، يومذاك، لا فقط كان له بُعدٌ يمتّ إلى الشّريعة بصلة، بل إلى السّياسة أيضًا.!. فبمَ أجابهم.؟. قال: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.!. هذا جواب لكلّ زمان ولكلّ مكان، في الحقيقة. كيف نوفّق، والحال هذه، ما بين علاقتنا بالله وموقفنا وعلاقتنا بالعالم وسلطات هذا الدّهر وسياسات المتسلّطين.؟.

لا شكّ أنّه إذا استقامت علاقتنا بالله، فإنّها، إذ ذاك، تستقيم في كلّ مستوًى من مستويات مقاربتنا للعالم.!. أمّا الاختلال في العلاقة بالنّاس فمؤشّر اختلال في علاقتنا بالله، لا شكّ في ذلك. فإذا ما أحبّ أحد ربّه حقًّا فلا يمكنه إلّا أن يكون محبًّا لقريبه، لأنّ المحبّة الحقّ، أو في الحقّ، تتأنّى وترفق، وهي لا تقبِّح ولا تحتدّ ولا تظن السّوء وتحتمل كلّ شيء (1 كورنثوس 13)، تحت أيّ ظرف.!. أمّا مَن احتدّ وأبغض أخاه وقاطعه، أو ضَمَر له السّوء، فلا يمكنه أن يكون محبًّا لله.!. بالعكس يعتبره الكلام الإلهيّ، كما في رسالة يوحنّا الأولى، الإصحاح الرّابع، قاتلَ نفس.!.

فإذا ما كان مَن أعتبره أخًا في الإيمان مبغضًا لي لأنّي من غير رأيه في السّياسة، أو حتّى غيرها من ميادين الحياة، فإنّ محبّتي له تقضي بأن أسعى لأن أُبيّن لأخي، برفق ولَطَف، أنّ هذا ليس من الله، وأن أُساعده، بما أستلهمه من الله، على وضع الكلام الإلهيّ موضع التّنفيذ لديه. هذه فرصة ثمينة لإصلاح أحدنا الآخر بدل أن تكون مناسبة للدّخول في صراعات في ما بيننا.!.

كيف نفعل ذلك.؟. كيف أحفظ المحبّة لأخي ولو اختلفت معه في الرّأي، لا سيّما السّياسيّ.؟. هذا بالنّسبة للأب الياس كان شأنًا تمرّس عليه، بالصّمت، بالصّلاة، بالصّبر، وبالاتّضاع.!. كثيرون ممّن كانوا يأتون إلى الأب الياس كانوا يأتون من خلفيّات سياسيّة متباينة، فكان يحتضنهم بمحبّة واحدة لا زغل فيها.!. وكانوا هم، من ناحيتهم، يرتاحون إلى رحابته وانفتاحه، ولا يشعر أحد أنّ ما للسّياسة يؤثّر في علاقته به. المهمّ لدى الأب الياس كان أن يعين المُقبلين إليه على أن يكونوا بَشَرَ ضميرٍ حيّ. همّه كان أن يأتي بالآخرين إلى المسيح وأن تكون علاقتهم به علاقة حيّة. إثر ذلك، كلّ شيء آخر ينتظم لأنّ روح محبّة الله وروح الأمانة له تطردان الزّغل إلى خارج، فتنتظم، إذ ذاك، كلّ علاقة لهم، بعضهم بالبعض الآخر. طبعًا، الأمر بحاجة إلى صحوٍ وجهد ووقت، لكنْ، متى عرف المرء أساس الأمانة في العلاقة بالله، وهو المحبّة في الرّوح والحقّ، فإنّ نموّه في محبّة الله يصير مرهونًا بنموّه في محبّة الإخوة، الأقربين والأبعدين، كائنة ما كانت أحوالهم ومواقفهم.!.

بمَ على كلّ مؤمن أن ينمو.؟. بالتّمرّس في التّمييز بين أخيه ورأيه، بين أخيه وموقفه، بين أخيه وعمله. أمّا أخي فلا أسمحنّ لنفسي، بوعيي واقتبالي له واحتضاني إيّاه، لأنّ أخي هو حياتي، كما قال القدّيس سلوان الآثوسيّ، أجل حياتي، هذا في المسيح، أقول لا أسمحنّ لنفسي بأن تنفر منه أو تعاديه أو تلغيه، مهما بدا لي رأيه منفِّرًا وموقفه لولبيًّا.!. أخي ليس رأيًا ولا موقفًا.!. أخي من روح المسيح، وروح الله وحده هو الّذي يجمعني إليه، لا رأيه ولا رأيي، حتّى لو تلاقيا.!.

مَن منّا على حقّ ومَن ليس على حقّ في موقفه.؟. هذا يتعذّر تحديده، في أكثر الأحيان، لأنّ معيار الحقّ الإلهيّ لا ينطبق على السّياسة.!. السّياسة شأن نسبيّ وفيها الكثير من الباطنيّة. قد أكون أنا على حقّ في بعض ما أقول، وقد يكون أخي على حقّ في بعض ما يقول، وقد يكون كِلانا على حقّ، وقد يكون كِلانا في الضّلال، ولو ظنّ نفسه على حقّ.!. الأمر الوحيد الأكيد أنّي أكون في الحقّ متى أحببت أخي، بغضّ النّظر عن رأيه وموقفه وحالته وما يأتيني منه وما لا يأتيني.!. أُحبّه هكذا لذاته كما أحبّني ربّي لذاتي.!. متى وعيت ذلك وتبنّيت ذلك وسعيت إلى ذلك واستعنت بالله على ذلك، فإنّي، إذ ذاك، أكون لا على حقّ فقط بل في الحقّ.!.

أمّا ما يعانيه أخي وما أعانيه أنا، فعلى كلّ منّا أن يعين أخاه عليه، بالصّلاة من أجل بعضنا البعض، بحَمْل أثقال بعضنا البعض، بتبنّي بعضنا البعض، بتنبيه بعضنا البعض، حيث أمكن، وبالتزام الصّمت حيث بدا ذلك متعذَّرًا، وكذا بالصّوم من أجل بعضنا البعض. وإن كنّا جادّين في سعينا لبنيان بعضنا البعض، فبالبكاء من أجل أحدنا الآخر والابتهال لأجله لدى الله… بهذه الأمور وغيرها ممّا توحي لنا به محبّتنا لله، إذا كانت حقيقيّة، ومحبّتنا لإخوتنا، إذا كانت أصيلة، أقول بأمور كهذه نسلك في المحبّة الحقّ فتتكمّل فينا، إذ ذاك، محبّة الله، وتصير خلافاتنا مجالًا لترسيخ وتمتين وحدتنا في المسيح.!.

إذًا، نميّز بين أخينا ومواقفه وأخينا وآرائه وأخينا وأعماله. فإن أحببناه حقًّا بمحبّة المسيح فإنّنا، بذلك، نجدنا نُعينه على نفسه، وكلّ نفسٍ أمّارة بالسّوء، وهي بحاجة إلى تنبيه وحتّى زجر بمحبّة، عند اللّزوم.!. على هذا، إذا ما تسنّى لي أن أقول لأخي كلمة، إنْ أحببتُ أخي حقًّا، وأن يقول لي أخي كلمة، إنْ أحبّني، فإنّ هذه الكلمة ربّما تكون التّالية وأكثر:

أَحبَّ واعمل ما تشاء.!. اعمل كلّ شيء بضمير صالح في المسيح.!. من غير رضى المسيح، في الضّمير، لا تعمل شيئًا.!. قبل أن تدّعي أنّك تُخرج القشّة من عين أخيك، أخرج أنت أوّلًا الخشبة من عينك.!. لا تبرِّر نفسك في شيء، يعرف الله قلبك.!. أنا وأنت نتبرَّر فقط، في عين الله، إن عرف الواحد منّا خطيئته وقصوره في المحبّة وتاب عنهما.!. احذر أن تكون عثرة لغيرك.!. متى رأيت أخاك في الغضب لديك فاجتهد أن تسكِّن ردّة الفعل العاصفة بقلبك حياله بذِكر الله.!. متى رأيته محتدًّا في الكلام فاحتدّ، مقابله، ضدّ أفكارك، في حفظ الصّمت.!. قد يقول فكرٌ فيك: إذا فعلتُ ذلك سيحسبني ضعيفًا أو يظنّ نفسه على حقّ، أو يحسَب السّاحة له بالكامل.!. قلْ لنفسك إذ ذاك: القويّ عند الله هو مَن يستوعب أخاه في ضعفه.!. وإن ألفيتَ نفسك أضعف من أن تحتوي أخاك، فاصرخ ربَّك: أعنّي يا ربّ، فيُعِنْكَ للحال.!.

لا يستسلمنّ أحد لخطيئته بسبب شعوره بالضّعف لأنّ قوّة الله في الضّعف تُكمَل، ولا بسبب الشّعور بالمهانة لأنّ الكرامة من عند ربِّك وحده تأتي، ولا من باب الانتقام من أخيك كأنّه عدوّك، لأنّ عدوّك فيك، خطيئتك، وليس في أخيك.!. مَن هم الّذين يتصارعون على هذا الصّعيد.؟. المتشابهون.!. وإذا كان لا بدّ لك من الرّدّ والانتقام فرُدَّ على مَن يزرع السّجسَ وانتقم ممَّن يُهيج فيك السّخط والخصام، إبليس، عدوّ الله وعدوّك.!. هذا مَن يزرع فيك هوى الخطيئة للأذى والموت، في كلّ حين، لأنّه يريدك أن تلعق دمك وتأكل لحم نفسك.!. ليس أخوك هو عدوّك، بل حياتَك.!. عدوّتك هي الحيّة القديمة الّتي تربّصت بآدم وحوّاء شرًّا، وهي المقاوِمة لله وأحكامِه والمضلِّلة للنّاس، الّتي تفرح بالإثم ولا تفرح بالخير، ولا تحبّ الحياة لأحد بل الموت.!. “كلّ مبغضيّ، [قالت حكمة الله]، يحبّون الموت” (أمثال 8: 36).!.

ما همّ ما يقوله هذا الفريق أو ذاك من أهل السّياسة. ليس في السّياسة، إلّا ما ندَر، برٌّ وأبرار.!. كلٌّ فيها يطلب ما لنفسه وسلطانه ومكاسبه، إن كنت لا تدري.!. الشّعارات البرّاقة جلّها كلام في الهواء.!. أمّا أنت، فإن كنت للمسيح حقًّا، فاطلب ما للمسيح في كلّ شيء: أحبّ قريبك كنفسك.!. قيصر تعامله بإكرام وتعطيه ما له عليك لأنّ سيّدك أوصاك بإكرامه وإيفائه حقّه. لكنْ، لا تبِعْ مسيحَك وأخاك وضميرك، إن كانْ لك ضمير، لترضيه.!. حيثما كنتَ، لست خادمًا لأحد ولا لفكرة ولا لموقف سياسيّ.!. أنت سيّدٌ من فوق وشاهدٌ لمسيحك.!. اشهدْ له إنْ استطعتَ، وسنحت لك الفرصة، وإلّا حسْبُكَ الامتناع عن الموبقات حتّى الموت.!. ليست لنا ههنا مدينة باقية بل نطلب الآتية (بولس).!. لا تتحمّس لما لا ينفع لئلّا يكون شعورك بالإحباط عظيمًا.!. الأمل بالنّاس يُخزي.!. هذه آبار مشقَّقة لا تضبط ماء.!.

دَفَعَ الأب الياس دمه ثمنًا ليترقّى في النّعمة والمحبّة.!. أما تتعب أنت من أجل ذلك.؟.!. هذه كانت سياسته بإزاء الجميع أنْ أحبّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك وقريبك كنفسك.!. هذا عمل على ترجمته في كلّ سيرته، وهذا علّمنا إيّاه: كنْ مراضيًا لخصمك سريعًا، ما دمت معه في الطّريق، أي ضميرَك في المسيح (متّى 5: 25).!. حياة الإنسان ضمير، لا سيّما في الأزمات والتّجارب.!. فمَن فرَّط بضميره في المسيح، مهما كانت الأسباب والموجبات، مات قبل أن يموت في الجسد.!. إيّاك والباطل، مهما كان مغريًا.!. لا تُقرِّب لربّك ذبيحة معيوبة ولا كاذبة.!. هذا احفظه، يا بنيّ، لتأمَن غادرات الدّهر، فلا تندم عليها، في ما بعد، عبثًا.!.

… لتستمرّ القصّة.!.

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 17 تشرين الثّاني 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share