الأمان والاستكشاف، تمارين نفسيّة الخوف والرجاء في زمن الوباء -2-

د. مارينا رزق Friday May 22, 2020 1961

عندما يحسُّ الإنسان بالأمان يستطيع القيامَ بالاستكشاف، أي اكتشاف عالمه وما وراء هذا العالم. لكنّه إن فَقدَ هذا الشعور بالأمان، يُغْدُ القيامُ بالاستكشاف مُتعباً وصعباً.

الطفل الذي يحسّ بالأمان يستطيع أن يبتعدَ من أمِّه في الحديقة، ويذهب ليختبرَ اللعب مع الآخرين. وإن حَدَثَ ما يهدِّدُ أمانَه (مثلاً أن يشعرَ بالخوف لسببٍ ما أو أن يُحزِنَه أمر ما…) يعود إلى حِضن الأمان، وهو الأمُّ، وفي هذا الحضن يستعيدُ هدوءَه. فإن كانَتْ هذه الاستعادة كاملةً فعّالةً استطاعَ العودة للعب. يمكن أن يكون اللعب عند الطفل هو الاستكشاف. أمّا عند الكبار فالاستكشاف يكون في العمل والعلاقات مع الآخرين، في السفر والسياحة وتعلّم أشياءَ جديدة…

عندما نكون وسطَ أزمةٍ، أو وسط كارثةٍ، فلا مكانَ للاستكشاف. إنَّه وقتُ البحث عن الأمان، وقتُ إيجادِ ما يهدِّىء النفس، وقتُ العودةِ إلى ما نعرفه، وإلى ما يعطينا شعوراً بالأمان.

في المعالَجة النفسيّة تمارينُ ونصائحُ مفيدةٌ قد تساعد في البحث عن الأمان.

*المكان الآمن

كلُّ إنسانٍ يعرف ما يريحه، وإن كانت هذه المعرفة ضَبابيّةً بعضَ الشيء أحياناً. فمثلاً: إنْ كنتُ مُتعباً ألجأُ إلى مقعدي المفضّل وأغطّي جسمي بغطاءٍ ثقيل. أو عندما أكونُ مريضاً أحبّ أن أسمعَ أغانيَ معيَّنة، أو عندما يضايقني أمرٌ أحبّ التكوّر في سريري وإغماضَ عينيّ، وهكذا.

مكانُ الراحةِ بالنسبة للواحد منّا قد يكون مكاناً جغرافيّاً واضحاً (مقعد، سرير، نافذة، بيتُ العطلة…) وقد يكون سلوكاً معيّناً (الاستلقاء، سماعُ موسيقى، رؤيةُ صورٍ عائليّة، تناولُ طعامٍ ما، سلوكٌ رتيب متكرّر كاللعب بالمسبحة مثلاً أو قَضْم الأظافر…) أو قَد يكونُ أحد الأشخاص.

العودة إلى هذا المكان أو هذا السلوك تريح النفس في حالة القلق.

هناك تمرينٌ هامٌّ نبدأ به كثيراً من المعالَجات النفسيّة السلوكيّة والمعرفيّة وهو “البحثُ عن مكانٍ آمن“.

هذا تمرينٌ يصلحُ لهذا الوقت الصعب المتقلْقِل، الذي فُقِدَ فيه “المكان الآمن” جغرافيّاً، وصار واجبًا على كلّ منّا إيجاد هذا المكان داخل نفسه.

لتنفيذ هذا التمرين، يجب العودة بهدوء إلى الذات، والتفكير في مكان كنّا نشعر فيه بالأمان. قد يكون هذا المكان الآمن غرفة من غرف بيت طفولتك، وقد يكون ذراعَيْ من تحبّ، وقد يكون موقع عطلةٍ قضيتَ فيه لحظاتٍ من راحة البال…

حين يتمُّ تحديدُ هذا المكان، نقوم بتسجيل كلّ ما نتذكّره عنه، كتابةً وبالتفصيل، في ورقة نحفظها معنا.

وعندما يحتاج أحدُنا لاسترجاعِ هذا المكان الآمن يقوم بقراءة ما كَتَبَ.

من الممكن أن يتمَّ تسجيلُ النصّ صوتيّاً، وفي حالاتِ الضيْق والرغبة في العودة إلى المكان الآمن، يتمّ الاستماع إلى النصِّ المسجّل.

مثالٌ: نصّ عن مكان آمن:

مكاني الآمن هو نافذةٌ عريضةٌ في غرفة النوم في بيتنا.

أجلس وراء هذه النافذة على المخدّات القطنيّة الكبيرة ومعي قصّةٌ أقرؤها. جدرانُ النافذة عالية وخشبُها أزرقُ اللون ناعمُ الملمس.

أشمّ رائحةَ خشبِ النافذة، ورائحةَ الغطاء الصوفيّ الذي أضعه حولي، وأشمّ رائحةَ الحطب في المدفأة القديمة.

من خلال زجاج النافذة، أرى الريحَ تعصِف بأغصان الشجر وتقذفُ الأوراقَ في كلّ اتّجاه، وأراقِبُ لونَ الورق الأصفر ولونَ السماء الرماديّ.

لاخوفَ عليّ من البرد في الداخل. أشعرُ بالدِفء والاسترخاء، وأغرَقُ في قراءة القصّة التي أحبّها.

هناك شعورٌ بالخَدَرِ في أطراف أصابعي وفي عينيّ. أغمض عينيّ برفق وأدع النوم يقودني. جسمي مرتاحٌ مسترخٍ.

أنا بخير وراء نافذتي المفضّلة وفي بيتي الذي أحبّه. أحسّ بالدفء وبالأمان.

 

بناء على ما سبق، أذكّركم بأنّ وقتَ الأزمة هو وقتُ العودةِ إلى القديم والمريح في حياتنا. وقتُ مشاهدةِ المسلسلات والأفلام التي نعرفها ونحبّها، ومشاهدة الصور القديمة، واستذكارُ أيّام الطفولة والمراهقة، وقتُ سماعِ الأغاني المحبّبة التي ترتبط بفترات نحبّها، وقتُ قراءة القصص الصعبة التي تنتهي بخير أو التي نعرف بدايتها ونهايتها…

 

*إيقاعُ الحياةِ الآمن

ما يجب العودة إليه بسرعة هو إيقاعُ الحياة اليوميّة.

إيقاعُ اليوم هو أكثرُ من مجرّد تنفيذٍ لأمور نحتاج تنفيذَها كالنوم والأكل والعمل والتنقّل. إنّه طقسٌ نمرّ من خلاله عبر الزمن ونجعلُ الزمن خاصّاً بنا، نُلوّنُه بأَلوانٍ تخصّ شخصيّتنا. فإيقاعُ الشخصِ المتعجِّل غير إيقاع الشخص الهادئ، وإيقاعُ المفكّرِ المتأمّل غير إيقاع الخائف. إيقاعُ يومِ العمل غير إيقاع يوم العطلة…

يتعرّض هذا الإيقاع للاضطراب في حالة الأزمة والرضِّ النفسيّ، وباضطرابه نفقد التمييزَ بين بدء اليوم ونهايته، بين وقت النوم ووقت اليقظة، بين وقت التعب ووقت الراحة…  وهذا أمرٌ متوقّع، وهو يسبب اضطراب النفس وفقد الهدوء. كلّما أسرعنا في إدراكِ هذه الحقيقة، وعرفنا قيمة إيقاع اليوم والأسبوع والسنة، استطعنا استرجاع إيقاعٍ متناغمٍ مع الحياة اليوميّة ومع راحة النفس.

أهمُ ما يجبُ استرجاعه من طقوسنا اليوميّة هو وقت النوم وهو عادةً أكثر طقوسنا اضطراباً في حال الأزمة، إذ قد يضطرب النوم حتّى الانقطاع الكامل أو قد تزيد ساعاته حتّى يحتلّ معظم اليوم. واسترجاع النوم، كما اعتدنا عليه، يعيد الراحة والطمأنينة.

من النصائح المفيدة بخصوص النوم (بشكل مختصر):

تناولُ الطعامِ باكراً في المساء، وليس قبل النوم مباشرةً.

الابتعادُ عن المصادر الضوئيّة وبخاصّةٍ الشاشات كالكومبيوتر والتلفزيون والتلفون المحمول.

تركُ السريرِ في حالة عدم النوم، كشفُ السريرِ وتعرُّض الإنسانِ لبعض البرودة، القراءة على ضوء خافتٍ

استغلالُ دورةِ النوم الطبيعيّة (دورة النوم الكاملة تستغرق 90 دقيقة) فور الاحساس بالنعاس يداعبُ الأجفانَ أو حسب التعبير الفرنسي: الإحساس برمل في العينين.

تلي تنظيمَ النوم أهميةً تنظيمُ وقت الطعام والعودة إلى نظام الوجبات المحدَّدة والجماعيّة ما أمكن.

ومن أساليب استرجاع نُظُمِ الحياة اليوميّة، فحص تلك الطقوس الطارئة على حياتنا وإدخالها في إيقاع حياتنا اليوميّ.

مثلاً: طقوسُ التعقيمِ والتنظيفِ الإضافيّة بسبب الوباء الحاليّ هي طقوسٌ أضيفتْ إلى حياتنا اليوميّة كي نَقِيَ أنفسَنا من الفيروس. هذه الطقوس تتطلّب جهداً في تذكّرها، وربّما نحسّ بأنّها عبء ثقيل على حياتنا، وعلى قلوبنا لأنّها تذكّرنا بالوباء والمرض والموت. لكنّ الحقيقة أنَّه بالإمكان إدراجُ هذه الطقوس داخل حياتنا اليوميّة بسهولة، من خلال تسهيل القيام بها، كأن نرتِّبَ الأدوات اللازمة مساءً للقيام بالتعقيم عند الاستيقاظ، والقيام بالتعقيم بالترتيب نفسه يوميّاً حتّى لا ننسى أيّ مكان. أو الاستعداد لتنظيف ما نُحضِره من الخارج (مثلاً تحضير منشفة خاصّة لوضع العلب والأكياس وخلافه قبل تعقيمها)…

ومتى أعدنا توزيعَ طقوس اليوم يعُدِ الإحساس بالطمأنينة الذي غادرنا قبلاً إلى الظهور.

وهذا يذّكرنا بحالتِنا عند الانتقال إلى بيت جديد، إذ نقضي أيّاماً بل أسابيع نتحرّك فيها بعد جهد وتفكير، كي ننتقلَ من المقعد إلى المطبخ ومن غرفة الجلوس إلى غرفة النوم… ثمّ يأتي يومٌ تنطبع فيه خارطة البيت في وجداننا فنتحرّك فيه دون تفكير.

 

الأزمةُ تقلقِلُ إيقاعَ العمرِ ومن الضروري إيجادُ إيقاعٍ يناسبُ الوضعَ الحالي، والدخول فيه من جديد حتى نشعُرَ بالأمان ويزولَ عنّا القلق والاضطراب.

د. مارينا رزق

460 Shares
460 Shares
Tweet
Share460