صورة الله في العهد القديم

mjoa Wednesday June 3, 2020 247
  • “كيفية إيصال فكرة الله في العهد القديم للأطفال؟”*

***

1 – المشكلة التي تكمن وراء السؤال هي، على ما أعتقد، أن نصوص العهد القديم، إذا ما أُخذت بحرفيتها، قد توحي في كثير من الأحيان، بأن الله ينتقم من شرور الإنسان، فيرسل إليه ويلات مدمّرة كالموت في قصة آدم وحواء، والطوفان في قصة نوح، وتدمير سادوم وعمورة في قصة إبراهيم ولوط… وهذا ما يبدو على نقيض ما كشفه لنا يسوع المسيح من أن الله محبة فكيف نتعامل إذاً مع نصوص العهد القديم المشار إليها أعلاه إذا ما طرحناها على الأولاد؟

2 – المهم برأيي، وبشكل رئيسي، أن يفهم المرشدون أولاً الموضوع فهماً صحيحاً سليماً. عند ذاك لا تعوزهم الوسائل التي تساعدهم على إفهامه للأولاد. فالقضية هي قبل كل شيء قضية وعي لاهوتي صحيح لدى المرشد قبل أن تكون مسألة تربوية. المهم أن يعي المرشد حق الوعي أن كتاب الله إنما هو كلام إلهيّ معبّر عنه بكلام إنسانيّ. فالله يخاطب الإنسان (يخاطب بالطبع عقله وقلبه وليس أذنيه) والإنسان يلتقط من هذا الخطاب ما استطاع عقله وقلبه. والله، لأنه يحترم الإنسان إلى أبعد حدّ، لا يملي عليه كلمات جاهزة، بل يتركه ينقل الكلام الإلهي كما استطاع هو أن يستوعبه ويفهمه، هكذا فقد يختلط الكلام الإلهي بتأويلات تعكس مفاهيم الانسان ومواقفه وتختلف عما قصد الله أن يقوله. هذا ما يجري في العلاقات بين الناس. فقط يوجّه لي صديقي كلمات فيها بعض القسوة، لأنه حريص على مصلحتي ويحاول تنبيهي لئلا أتمادى في أخطاء تؤذيني وقد تدمرني. وقد تؤلمه قسوة الكلمات التي اضطر إلى توجيهها إليّ، بقدر ما تؤلمني أنا إن لم يكن أكثر، ولكنني بسبب ضعف فهمي وعمى قلبي وعدم صفاء نيتي، قد أؤوّل هذا الكلام على أنه انتقام مني وعدوان عليّ يجازيني صديقي بهما على أخطائي لأنني، بارتكابي إياها، خالفت رأيه وتمردت على إرادته. ولكن الصديق لا ييأس إذا كان حقيقة يحبني، بل يعيد الكرة المرة تلو المرة محاولاً أن يوصل إليّ حقيقة ما قصده. إلى أن يأتي يوم ينفتح فيه عقلي وقلبي فعلاً إليه، فأفهمه على حقيقته، وتتحول علاقتي به في ضوء هذا الفهم الجديد وأصبح قادراً على التعبير عن نوايا صديقي بطريقة ليس فيها تشويه لهذه النوايا.

 

3 – هذا ما حصل في علاقة الله بهذا الشعب الذي كان أقرب الشعوب إليه في فترة طويلة من التاريخ. فقد تحدث إليه مراراً وعبّر له عن حبه بالأقوال والأفعال. وبسبب حبه له حذره بشدة من مغبة الابتعاد عنه سعياً وراء إرضاء شهواته. لأنه في هذا الابتعاد سيراً في طريق الدمار والموت، فلا حياة للإنسان إلا إذا بقي على صلة وثيقة بالله، كما أن لا حياة للغصن إلا إذا بقي متصلاً بالشجرة التي منها يستمد النسغ المحيي. أما إذا شاء الإنسان أن ينفصل عن الله ليسير في دروب أهوائه، فإنه يكون بمثابة الغصن الذي انفصل عن الشجرة طمعاً بالاستقلال، أو بمثابة السائر في الصحراء الذي ابتعد عن النبع وتوغل في الرمال سعياً وراء سراب فتنه. ما أراد الله أن يقوله لشعبه هو ما معناه: إنك إذا ابتعدت عني مائت لا محالة، لا لأنني أنا أميتك، فإن موتك طعنة لي في الصميم، بل لأن هذه هي طبيعة الأشياء التي تقضي أن ييبس الغصن إذا ما انسلخ عن الشجرة وأن يهلك المسافر عطشاً إذا ما أدار الظهر للنبع وتوغل في الرمال القاحلة. ولكن الرسالة الإلهية لم تُفهم على تمام حقيقتها مع أنها كانت موجهة إلى الذين كانوا في موقع القربى. فقد ألصق الإنسان بالله ما يجده في نفسه هو من قسوة القلب. ولأنه يحب الانتقام نسب إلى الله هذه المزية، فجعل من الويلات التي أنذر الله الإنسان بأنه سوف يجرها على نفسه إذا ما ابتعد عنه (والتي يشير إليها، على سبيل المثال، الموت الذي لحق بآدم وحواء بعد المعصية، والطوفان الذي أغرق الناس في عهد نوح، وتدمير سادوم وعمورة…)، جعل الإنسان من هذه الويلات التي سبّبها هو دون سواه لنفسه، ضربات توعده الله بها ليُحكم عليه سلطانه ثم وجهها إليه ليقتصّ من تمرّده وعصيانه.

 

4 – ولكن قصة الله من شعبه قصة محاولات متكررة يقوم بها الله للإفصاح عن حقيقة مقاصده ونواياه النابعة من حبه للإنسان، ولتصحيح ما ألحقه الإنسان بهذه النوايا من تشويه عن قصد أو غير قصد. من هنا أن صورة الإله المنتقم ليست الوحيدة في العقد القديم. فهناك صور أخرى تدفع إلى تجاوزها وتصحيحها. تلك الصور تعبّر عن تقدم في العلاقة بالله وعن فهم أفضل لحقيقته، منها ما نراه في النبي هوشع من تشبيه مذهل لموقف الله من شعبه بموقف رجل خانته امرأته وهجرته لتعاشر العديد من الرجال سعياً وراء المال والترف ولكنه بقي مع ذلك على حبه لها برغم مرير المعاناة التي تسببت بها له وفتح لها بيته وقلبه عندما عادت تلتمسه بعد أن زالت مفاتنها ونبذها عشاقها**. ومنها ما ورد في قصة داود حين تمرد عليه ابنه ابشالوم وطرده ذليلاً من ملكه واستولى على كل ما لديه وحتى على نسائه، ولكن داود، بعد ما قُتل ابشالوم هذا في معركة بينه وبين القوات التي بقيت أمينة لأبيه، استرسل في الحزن وتمنى لو مات هو بدلاً عن ولده المتمرد. علماً بأن داود هذا قال عنه الكتاب أن قلبه شبيه بقلب الله***. ومنها ما قرأناه في النبي حزقيال على لسان الله:

“قل لهم حيّ أنا يقول السيد الرب ليست مرضاتي بموت الشرير لكن بعودة المنافق عن طريقه فيحيا. فعودوا عودوا عن طريقكم الشريرة فلمَ تموتون يا آل إسرائيل؟” (حزقيال 11:33، راجع أيضاً 23:18).

 

  • – هذه الكشوفات اكتملت في يسوع المسيح، عندما شاء الله أن يزيل إلى أبعد حد الحواجز بينه وبيننا وأن يكلمنا بابنه الوحيد الذي هو صورة كاملة عنه. هذه الصورة حلّت في إنسان كان، وللمرة الأولى والوحيدة في التاريخ، شفافاً لها إلى أبعد حدّ، وذلك عبر جهاد دام طيلة حياته وبلغ ذروته وتتويجه في الصليب. هذا ما سمح ليسوع بأن يكشف لنا حقيقة الله دون إشكال أو التباس أو تشويه. فعرفنا منه أن “الله محبة” (1 يوحنا 16:4) وأن التشبه به يقتضي محبة الأعداء أنفسهم لأنه هو “يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويرسل مطره على الأبرار والأثمة” (متى 45:5).

 

6– بيسوع المسيح ظهرت لنا صورة الله بحقيقتها الناصعة: “من رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 9:14). لذا أصبح لدينا مفتاح يسمح لنا بفهم العهد القديم على حقيقته. فالغامض والمبهم والمحاط بالتناقض والإشكال والالتباس في هذا الكتاب تستقيم قراءته وتنجلي إذا ما سلطنا عليه النور الذي أفاضه علينا المسيح:

“ولكن غُشِّيَ على بصائرهم، فإن ذلك القناع لا يزال إلى اليوم غير مكشوف عندما يُقرأ العهد القديم، ولا ينزعه إلا المسيح. أجل، إلى اليوم عند قراءة كتاب موسى لا يزال القناع على قلوبهم، ولا ينزع هذا القناع إلا بعد الاهتداء إلى الرب…” (2كورنثوس 14:3 و15).

 

يقول المثل الشعبي: “القارئ يرحم الكاتب”. ذلك أن القارئ الذي عرف فكر صاحب الرسالة ومقصده يتسنى له أن يفهم مضمون الرسالة على حقيقته رغم ما لحق هذه الرسالة من التباس وتشويه ناتج عن سوء فهم الكاتب وغموض تعبيره ورداءة خطه. هذا، شرط أن نقرأ العهد القديم في ضوء المسيح لا أن  نتصرّف كما نفعل في كثير من الأحيان ، فنتصور المسيح بموجب مفاهيم العهد القديم التي لم تكتمل ولم تتوضح بعد****.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أجيب عنه في 24/3/1989 في حلقة تدريب لمرشدي الطفولة في أبرشية طرابلس الأرثوذكسية.

**Cf Dominique Barthélemy: Dieu et son image. Ebauche d’une théologie biblique, “Fois vivante”, Cerf, 1973, pp.157-160.

***Cf. Op. Cit., pp.139-141.

****من أجل قراءة للعهد القديم في ضوء المسيح، راجع على سبيل المثل:

– كوستي بندلي: هل يقتل الله في سبيل التأديب؟، “النور”، السنة 43،!987، العددان 9 و10، ص 327-339.

– كوستي بندلي: كيف نفهم قصة آدم وحواء؟ 1- “النور” السنة 44، 1988، العدد 9، ص323 – 328، 2- “النور”، السنة 44، 1988، العدد 10، ص351-359، 3 – “النور”، السنة 45،                          1989، العدد 1، ص 8-13 وص 40، 4- “النور”، السنة 45، العددان 3و4، ص 105-144، 5 – “النور”، السنة 45، 1989، العددان 5 و6، ص 155 – 161

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share