عجائب يسوع

mjoa Wednesday June 3, 2020 292
  • “هل يجب ذكر عجائب الرب يسوع أمام الأطفال؟ وهل هناك نوعية عجائب مناسبة لأعمار معيّنة، في حال وجوب ذكرها أمامهم؟ وهل يخلط الطفل بين السحر والعجيبة؟”*

***

لا بد برأيي من ذكر عجائب يسوع أمام الأطفال. فإنّـها من صلب الإنجيل. صحيح إن الطفل (لا بل والراشد أيضاً) ينزع إلى الخلط بين الأعجوبة والسحر فيتصورها تعبيراً عن قوة خارقة تتلاعب بنواميس الطبيعة بغية تأكيد ذاتـها، على صورة حلم الاقتدار الكلي الذي يراود المرء في بدايات حياته ويترك بصماته على نوازعه وميوله مدى العمر. من هنا ضرورة إبراز خصائص عجائب يسوع: فهذا خير ما يساعد على التمييز بينها وبين النزعة السحرية النابعة من أهواء الإنسان والمتجذّرة في عقله الباطن:

  • إن يسوع لم يكن يصنع العجائب ليؤكد قدرته، بل رأفة ببؤس الناس كان يعبّر بـها حنان الله نحوهم:
  • “فلما نزل الى البرّ رأى جمعاً كبيراً، فتحنن عليهم وشفى مرضاهم” (متى 14:14).
  • “فتحنن يسوع عليهما (الأعميين)، ولمس أعينهما، فأبصرا من وقتهما وتبعاه” (متى 34:20)
  • فلمّا رأها الرب (أرملة نايين) تحنّن عليها، فقال لها: “لا تبكي!” (لوقا 13:7)

لم تكن عجائبه للـ”بـهورة” (بـهر الأنظار) والدعاية. من هنا إنه كان، في كثير من الأحيان، يحيط عجائبه بالكتمان. من هنا أيضاً رفضه لاستجابة طلب الفريسيين إليه باجتراح آية باهرة من السماء: “فتنهّد من أعماق نفسه وقال: “ما بال هذا الجيل يطلب آية؟ الحق أقول لكم: إنه، بالتأكيد، لن يُعطى هذا الجيل آية!” (مرقس 12:8).

  • لم يكن يسوع يبغي من خلال عجائبه أن يفرض على الناس بأن يؤمنوا به، وكأنه يحاول أن يأخذهم عنوة باقتدار سحري يسيطر على أذهانـهم ويعطّل فيهم كل مقاومة. إنما نراه على العكس يتخذ من إيمانـهم منطلقاً لعجائبه وشرطاً لها (“إيمانك خلّصك”). فعن زيارته للناصرة موطنه، كتب الانجيلي مرقس:

“ولم يمكنه أن يجري هناك شيئاً من المعجزات، سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم. وكان يتعجب من قلة إيمانـهم…” (مرقس 6: 5و6).

ذلك أن الأعجوبة لا تتخذ معناها إلا من الإيمان. والإيمان، كالحب، علاقة ذات قطبين. ولا يمكن أن تقوم إلا إذا التزم الطرفان بـها، أي إذا استجاب الانسان لمحبة الله بانفتاح إليه وثقة به. الأعجوبة إشارة حبّ يوجّهها الله، من خلال حادث غير اعتيادي (قد لا يكون خارقاً بالمعنى الدقيق، وقد يجد التعليل العلمي له تفسيراً)، إلى من كان قلبه مستعداً لتقبلها، فتزداد من جراء ذلك العلاقة بينهما رسوخاً. ليس المهم الحدث بحد ذاته، إنما المهم هو المعنى الذي يتخذه الحدث في سياق لقاء حبي قائم بين الله والإنسان. كما أن الزهرة التي يقدمها الخطيب لخطيبته ليست مهمة بحد ذاتـها، فقد تشتري الخطيبة من السوق زهرة أثمن، أو قد تقطفها من بستان لها، وقد تتسلم من أستاذ الطبيعيات زهرة لتدرسها علمياً، ولكن الزهرة التي تلقتها من الحبيب تستمد معناها الفريد من الحب الذي يجمع بينهما والتي تأتي هذه الزهرة تعبيراً عنه. كذلك فالخوارق ليست لها أية أهمية بحد ذاتـها، لأنـها لا تحمل رسالة روحية لمن كان قلبه غير مستعد للإيمان، من هنا إننا نرى يسوع يشكو أحياناً من عدم جدوى المعجزات التي كان يجترحها:

“فلو لم أعمل بينهم أعمالاً لم يأت بمثلها أحد لما كُتبت عليهم خطيئة. ولكن اليوم رأوا وهم مع ذلك يبغضوني ويبغضون أبي” (يوحنا 24:15).

  • لقد كانت عجائب يسوع علامات يقدمها للناس ليشير من خلال أعمال محدودة (فالأعاجيب لم تطل سوى قسم من الناس) ومؤقتة (فالمريض الذي يشفى اليوم سوف يمرض ويموت غداً) إلى ما أعدّه الله في حبه للإنسان من تحرير شامل للبشرية من كل بؤس ومرض وألم وقهر وموت. تجديد الكون هذا وتحريره هو جوهر “ملكوت الله” الذي بشّر به يسوع معلناً أنه قادم وقد بدأ. وقد كانت العجائب مجرد إشارات إلى قدومه، من خلال إنجازات جزئية تبشر بتحقيقه الكامل وتستبق هذا التحقيق. كانت بمثابة نوافذ يتراءى من خلالها بـهاء عالم القيامة.
  • بالحقيق ليست العجائب، كما يتصورها كثيرون، انتهاكات لنواميس الطبيعة بل كشف واستباق لما سوف تؤول إليه الطبيعة إذا ما تحققت يوماً، بفعل القيامة، كل الطاقات الإلهية الكامنة فيها. فكما أن الكائنات الأولى التي بدأت تخرج من الماء وتنتقل على الأرض كانت نشازاً بالنسبة لفصائل الأسماك الموجودة حينذاك ولكنها كانت تنذر بظهور نمط جديد من الكائنات الحية، تحرر من العنصر المائي، هو نمط الزواحف، وكما أن الزواحف الأولى التي بدأت تطير خالفت المألوف من أمثالها فمهدت لظهور شكل جديد من أشكال الحياة تمكن من التغلب على الجاذبية، كذلك فالعجائب هي بمثابة إنباء بنمط جديد من الوجود لن يتجلى إلا في نـهاية الأزمنة. وكما أن ظهور الخلايا الحية الأولى لم يكن انتهاكاً لنواميس المادة الجامدة بل توظيفاً لهذه النواميس على مستوى أرقى من التكثيف والتركيز سمح بظهور شكل من الوجود يتمتع بذاتية واستقلال ومبادرة واستمرارية وقدرة على تخليد ذاته، كذلك تستبق العجائب وتكشف وجهاً مستقبلياً أُخروياً للطبيعة تتوجه بموجبه نواميسها بحيث لا تسحق الإنسان فيما بعد ولا تؤذيه.

 

ما أوردناه أعلاه لا يصلح بالطبع لأن يقال للأولاد بالصيغة التي ذكرناه بـها. ما قصدنا هو أن يستفيد المرشدون من هذه الملاحظات ليتفهموا هذا الموضوع الشائك بشكل أفضل ثم ينقلوه للأولاد بالطريقة التي يرونـها مناسبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أجيب عنه في 6/4/1985 في حلقة تدريب لمرشدي الطفولة في أبرشية طرابلس الأرثوذكسية.

 

  • مراجع عن معنى عجائب يسوع: وإليهم بعض المراجع التي يجدر أن يعودوا إليها إذا ما شاؤوا الاستزادة:
  • Charles-Harold Dodd: Le Fondateur du Christianisme, Seuil, 1972, pp.35-39.
  • Jacques Guillet: Jésus devant sa vie et sa mort (1971), Aubier-Montaigne, Paris, 1978, pp.68-73.
  • Elisabeth Germain: En quel Dieu croyons-nous?, Desclé de Brouwer-Bellarmin, 1975, p.67 & 92-93.
  • Etienne Charpentier: Des Evangiles à l’Evangile (1978), Le Centurion, Paris, 1979, pp.17-19.
  • Etienne Charpentier: Pour lire le nouveau testament, Cerf, Paris, 1983, p.65.
  • Christian Charbanis: Dieu existe. Oui…, Stock, Paris 1979, p.83.
  • Joseph de Baciocchi: Jésus-Christ dans le débat des homes, Centurion, Paris, 1975, pp. 138-139.
  • Augustin George: Pour lire l’Evangile selon Saint Luc, “Cahiers Evangile”, n°5, Cerf, Paris, Oct. 1973, p.22.
  • Collectif: Les Miracles de l’Evangile, “Cahiers Evangile”, n°8, Mai 1974, Cerf, Paris.
  • France Quéré: Les Femmes de L’Evangile, Seuil, Paris, 1982, p.107.
  • Michel Quesnel: Comment lire un Evangile. Saint Marc, Seuil, Paris, 1984, p.102.
  • Jean Delorme: Lecture de L’Evangile selon Saint Marc, “Cahiers Evangile”, n°1-2, Nov. 1972, Cerf, p.74.
  • M. Roguet: Initiation à L’Evangile, “Livre de Vie”, Seuil, 1973, pp. 190-192.
  • Michel Dansereau: Freud et L’Athéisme, Desclée, 1971, pp. 165-166, note 48.
  • كوستي بندلي: الدين بين الإيمان والسحر: خواطر حول قصة “دايم دايم” لمارون عبود، “النور”، السنة 37، العددان 6 و 7، آب وأيلول 1981، ص165-171.
0 Shares
0 Shares
Tweet
Share