شذرات روحيّة أَتُحبُّني (يوحنّا ٢١: ١٥)

الأرشمندريت إلياس مرقص Tuesday July 21, 2020 182

الأرشمندريت إلياس مرقص

لمّا ظهر يسوع لتلاميذه للمرّة الثالثة بعدما قام من بين الأموات، وهي المرّة الأخيرة، قال لسمعان بطرس، وكأنّها وصيّته الأخيرة:

«يا سمعان بن يونا أتحبّني أكثر من هؤلاء؟». إنّها مناداة شخصيّة جدًّا. أي إنّي أُكلّمك أنتَ، يا سمعان بن يونا، أنت بكلّ هويّتك، طالبًا منك أقصى الحبّ. «أكثر من هؤلاء».

ولمّا أجاب بطرس «نعم، يا ربّ، أنت تعلم أنّي أُحبّك»، قال له ثانية: «يا سمعان بن يونا أتحبّني» (من دون أكثر من هؤلاء)، وكأنّه خفّف الطلب، واكتفى بالمحبّة.

ولمّا أجاب بطرس «نعم، يا ربّ، أنت تعلم أنّي أُحبّك»، قال له ثالثة: «يا سمعان بن يونا أتودُّني»، وكأنّه خفّف أيضًا الطلب، فاكتفى بالودِّ، راضيًا بقليل من المحبّة.

ولمّا حزن بطرس لأنّه قال له ثالثة أتحبّني، فأجاب «يا ربّ أنت تعلم كلّ شيء وأنت تعلم أنّي أُحبّك»، أي أنّ هذا شيء مفروغ منه، قال له يسوع: «متى شِخْت، فإنّك تمدّ يدك وآخر يُمنطقك ويذهب بك حيث لا تشاء، مشيرًا إلى أيّة ميتة كان مزمعًا أن يُمجّد الله بها». هل كان حبّه مفروغًا منه؟

واضحة هي المقابلة بين حبّ الله الكلّيّ، الجنونيّ، «إلى المنتهى»، للإنسان، وحبّ الإنسان لله، حبًّا جزئيًّا، متردّدًا، شبه حبّ.

ولكنّ حُبّ الله بالنتيجة، كما هو طبيعيّ، هو الذي سيغلُبُ.

هذا وكأنّ الحرب الروحيّة الصحيحة والوحيدة، هي حرب المحبّة، والسؤال الوحيد الذي يوجّهه إلينا الربّ هو أتحبّني؟

«الله محبّة» ولأنّه محبّة فهو يتوسّل إلى الإنسان، يتوسّل توسّلًا كيانيًّا مؤثّرًا، أن يحبّه، لكي يُشركه في غبطته وحياته، أن يُحبّه محبّة الشهداء.

من هنا نفهم كلّ معنى سرّ التجسّد والصليب والعنصرة، كلّ معنى القيامة وغلبتها.

فحياتنا كلّها ينبغي، إذًا، أن تدور حول السؤال: هل تحبّ الله (وتاليًا الآخرين طبعًا)، لئلّا نكون خارج الحياة. هل نحبّ الله؟

أتريد أن تبرأ؟ (أحد المخلّع يوحنّا ٥: ١٠- ١٤)

مخلّع منذ ثمانٍ وثلاثين سنة لم يستطع أن يدبّر أمره بأن يلقيه أحد في البركة حين يتحرّك الماء، لكي يشفى…

فرآه يسوع، وسأله: أتريد أن تبرأ؟ إنّها المرّة الوحيدة، في الإنجيل، حيث يسأل يسوع المريض هل يريد أن يبرأ قبل أن يشفيه. ونستنتج من ذلك أنّ السؤال وارد، وأنّ هذا المخلّع ربّما لا يريد حقيقة أن يبرأ، إذ قد اعتاد وضعه الذي أصبح بالنسبة إليه مثل طبيعة ثانية.

وهذا يوحي لنا بأنّ الكثير منّا في جهادهم الروحيّ – بل معظمنا إن لم نقل جميعنا – لا يريدون حقيقة وجزمًا وكلّيًّا أن يشفوا من أهوائهم وأنّهم يقيمون فيها (سواء كانت عدم عفّة أو غرورًا أو حبّ قنية ومال وما إلى ذلك)، ولهذا لا يتغيّرون، أو لا نتغيّر.

لكنّ يسوع يريدهم أن يشفوا، فتحنّن على المخلّع، وشفاه. إلّا أنّه، لمّا استدلّ على من الذي شفاه (بناء على طلب الكتبة والفرّيسيّين لأنّه شفي يوم السبت)، قال له يسوع: ها إنّك قد برئت فلا تعد تخطئ، لئلّا يصيبك أشرّ…

أي إن كان يخطئ… فيتحمّل (ربّما) مردود خطيئته.

فذهب وأخبر الكتبة والفرّيسيّين من شفاه في السبت. (وهناك شبه تقليد يقول إنّ هذا المخلّع هو أحد الخدّام الذي – في ما بعد – لطم يسوع أمام رئيس الكهنة فقال له يسوع لماذا تضربني؟ إن كنت قد تكلّمت رديئًا، فاشهد على الرديء، وإن حسنًا، فلماذا تضربني؟).

وهذا يرجّح أنّ هذا المخلّع لم يكن خاليًا من الخطيئة أثناء مرضه، أو كان يداري خطيئته، ويعايشها…

أليس الكثيرون منّا هم على هذه الحال يعايشون أهواءهم… فيمضي العمر ولا نشفى ولا نتغيّر؟…

لكن يبقى أنّ يسوع، رغم كلّ هذا، تحنّن عليه وأبرأه… فلا نيأسنّ إذًا، بل لنبق على الرجاء بتحنّن الله.

وقد يكون لنا الحلّ والعلاج مثال اللصّ الشكور الذي من عمق لصوصيّته صرخ: أذكرني، يا ربّ، متى جئت في ملكوتك…

 

لنتّخذ بعضنا بعضًا (رومية ١٥: ٧)

كنتُ يومًا في جبل آثوس، فقالوا لي إنّ هناك، في الجبل، رهبانًا «فلتانين» غير منتظمين يشربون ويسكرون ويتجوّلون خارجًا، فاقترح أحدٌ في اجتماع رؤساء الأديار أن يطردوهم من الجماعة، فاعترض آخر قائلًا: لا نطردهم لأنّه، من أجلهم وبسببهم، سيرحمُنا الله.

«لأنّه ليس أحدٌ منّا يعيش لِذاته ولا أحدٌ يموت لذاته» (رومية ١٤: ٧).

وقد قال بولس الرسول «لنتّحذ بعضنا بعضًا كما أنّ المسيح أيضًا اتّخذنا لمجد الله» (رومية ١٥: ٧).

فقرّر اجتماع رؤساء الأديار أن يتركوهم…

فكم يجب أن نتبنّى ونتصرّف هكذا حسب فكر المسيح.

الحقيقة إنّ رفضنا اتّخاذ مثل هذا الموقف هو ظنّنا بأنّنا أبرار… مع أنّ الآباء ينصحوننا دائمًا بأن نعرف ضعفنا وخطايانا، ونقرّ بها.

وهناك من قال إنّ المتقدّمين في الحياة الروحيّة، إذا جاء يوم ولم يشعروا أنّهم «صاروا إلى حال أسوأ»، فجهادهم الروحيّ غير سليم… فارحمنا يا ربّ، ارحمنا…

 

المرجع : مجلّة النور، العدد الثالث، ٢٠٠٨.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share