العضو الحركيّ عضو في الكنيسة أوّلاً

mjoa Saturday July 25, 2020 372

من البديهيّ أنّ الحركة ليست قائمة بذاتها، بل في الكنيسة. وما كان من الواجب بحث مثل هذا الموضوع لولا بعض الضعفات أو تجارب الطريق المرافقة لكلّ سعي بشريّ، وضرورة التوعية.
فالحركة عندما انبعثت العام ١٩٤٢، إنّما انبعثت من صميم الكنيسة: ما كنّا نفكّر في تلك الانطلاقة الأولى، بعد أن «اكتشفنا» كنيستنا، إلاّ في جمال الكنيسة وحاجات الكنيسة والتجنّد لازدهار الكنيسة. ما كنّا نحسّ إلاّ بذلك، ونعيش إلاّ من أجل ذلك. نعم، إنّ دوافع ظهور الحركة كانت من صميم الكنيسة. وهذا مسجّل في قلوب من اشتركوا، بنعمة من اللَّه، في تلك الانطلاقة، مسجّل، أيًّا كانوا الآن، في تاريخ حياتهم ونسيجها.
ولم يكن هذا الشعور مجرّد شعور شباب متحمّس، شيئًا عابرًا وغير واضح تمام الوضوح، بل كان في ملء الوعي والتصميم. فأذكر هنا، ولا يسعني إلاّ أن أذكر، مطلع خطاب رئيس مركز اللاذقيّة في الذكرى الثانية لتأسيس الحركة، العام ١٩٤٤، الذي قرئ في أكثر من مركز والذي يقول، باللغة الفرنسيّة آنذاك: «وُجدت الحركة لكي يأتي يوم لا يكون فيه لوجودها مبرّر»(١). وكذلك أذكر النشيد الذي ألّفه رئيس المكتب الثقافيّ باللاذقيّة، والذي يحكي فيه عن الأيّام التي ستتخلّى فيها الحركة عن ذاتها وتغيب…
وبدافع هذا الذوبان في الكنيسة، أعطت الحركة الكنيسة كهنة وشمامسة ورهبانًا وراهبات…
أمّا تجارب الطريق التي توحي بخبث بأنّ الحركة إنّما هي جسم متميّز في الكنيسة، ومدعاة للافتخار، وما إلى ذلك، فالحركة ما سهت ولا تسهو عن أن تقاومها دائمًا. ولربّما كان مردّ هذه الضعفات، التي تؤول بالمرء إلى التباهي بحركته و«التوقّف» عندها لأنّها «عارفة» و«نشيطة» في الكنيسة فتصبح مغلقة، ربّما مردّ هذا الافتقار إلى عدد من الكهنة، في كلّ أبرشيّة، يحملون بالفعل شعار النهضة وأعباءها، ويلتفّ حولهم الشباب والشعب الكنسيّ بأجمعه برعاية المطارنة.
على كلّ حال، فالحركيّ الناضج والحقيقيّ يعرف أنّه ينبغي الوعي والانتباه تجاه التجربة، يعرف أنّه عضو في الكنيسة أوّلاً وأنّ عليه تاليًا، فضلاً عن عيشه في الكنيسة ملء حياة الكنيسة (الأسرار والقدّاس الإلهيّ والأعياد…):
١- ألاّ يتّخذ من عضويّته الحركيّة سببًا للتبجّح والتميّز، بل مسؤوليّة للخدمة والغيرة والمشاركة والبذل.
٢- أن يلتزم عمليًّا حياة الرعيّة التي ينتمي إليها: حول الكاهن وفي الجمعيّات والتعليم ووكالات الكنائس وكلّ خدمة ومسؤوليّة تُطلب منه أو يمكنه أن يؤدّيها…
٣- أن يلوذ، مع رفاقه، بمطران الأبرشيّة كأب وقائد للأبرشيّة مسؤولاً أخيرًا عنها أمام اللَّه.
٤- أن يحرص على ألاّ يكون للحركة في الأبرشيّة وجود مستقلّ ومنفصل عن راعي الأبرشيّة، أو قيادة خارج قيادته، بل أن تقرّر وتعمل دائمًا ضمن نطاق قيادة راعي الأبرشيّة، إذ ليس من سبب البتّة بالنتيجة (ما عدا الحالات الاستثنائيّة حقًّا) لقيام أيّة هوّة ما بين المطران والحركة، ولعمري إنّه لمستطاع في معظم الأحيان، إن لم نقل دائمًا، إقامة حوار مع المطران لتقويم كلّ انحراف وتبديد كلّ تباعد، والتعاون معه لتحقيق كلّ إصلاح ونهضة. وأذكر هنا، على سبيل المثال الواقعيّ، حادثة حصلت منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة: فلقد ثارت رعيّة يومًا، في إحدى الأبرشيّات، على أحد الكهنة لصلَفه واستهانته بالقدسيّات. فلم يستجب لها مطران الأبرشيّة وأصرّ على الاحتفاظ بالكاهن في الأبرشيّة، حينذاك، وأمام قيام المشكلة، رأى مجلس مركز الحركة في تلك الأبرشيّة تسطير رسالة شخصيّة للمطران، صيغت بروح الاحترام الكلّيّ والوداعة والمحبّة، كَمِن أبناء لأبيهم حقًّا، ولكنّهم بيّنوا فيها، بصراحة ووضوح، حقيقة الوضع، وقدّموها إليه في مقابلة خاصّة. فما كان منه إلاّ أن عاد للحال، وبصورة شبه تلقائيّة، وبنبل كريم، عن موقفه السابق، واستجاب لرأي الشعب، وكان كلّ ما تمّ بفعل الروح من دون شكّ.
وكم نتمنّى أن يأتي يوم تعمل «الحركة» فيه حول كلّ رئيس روحيّ، بصورة كاملة، فيكون ملهمًا لها ومرشدًا، ملتزمًا قيادة النهضة على رأس الشعب المحبّ للمسيح. فإنّنا هكذا تصوّرنا الحركة عندما ألهم اللَّه بتأسيسها.
ومهما يكن من أمر يبقَ أنّ الغصن إن لم يثبت في الكرمة يجفّ ويموت، وأنّ عضويّة الحركيّ – الغصن في الكنيسة – الكرمة عضويّة «عضويّة» لا حياة له بدونها. ولا يجوز التفريق أساسًا بين عضويّة في الحركة وعضويّة في الكنيسة: أنا عضو في الحركة لأنّي عضو في الكنيسة وبوصفي عضوًا في الكنيسة.
ويبقى أنّ الكنيسة هي أمّنا ونحن منها وفيها، فضعفاتها ومحنها محننا، فلا ندن تاليًا أو نحتقر أو نزدر من خارج أو من بعيد، بل لنتألّم لآلامها كأبناء من أبنائها عالمين أنّ كلاًّ مسؤول فيها لا مسؤوليّة المقارنة والحكم، بل مسؤوليّة العمل والبذل.
ولكن يبقى أيضًا أنّ عضويّتي في الحركة (ضمن الكنيسة) تدرّبني وتعدّني لأصير عضوًا بالغًا كاملاً في الكنيسة، عاملاً مسؤولاً في حياة الكنيسة العامّة وحاملاً أعباءها مع الآخرين، كلاًّ حسب دعوته (في المجال العائليّ أو الملّيّ أو الكهنوتيّ أو الرهبانيّ…). هناك «تدرّج» في «العضويّة» لأنّها حياة، حتّى يبلغ كلّ منّا، بحسب وضعه، إلى ملء قامة المسيح.
هذا، لأنّ «العمل» الحركيّ هو عمل «كنسيّ» على كلّ حال، يقوم برعاية الكنيسة وفي خدمتها وللاندماج فيها أكثر فأكثر…
وتبقى الحركة، في سعيها لتحيا حياة الكنيسة، وإلى جانب «الجمعيّات» الأخرى التي تحذو حذوها، تشهد الشهادة الحقّ لحياة الكنيسة.
الخلاصة أنّه على الحركيّ أن يعمل في حقل النهضة الحركيّة بكلّ قوّته، وفي الوقت عينه أن «يزهد» في الحركة من أجل الكنيسة، بل من أجل المسيح ربّ الكنيسة وحبرها ورأسها، له المجـد إلى الأبد آمين.l

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share