الالتزام في الكنيسة

الأرشمندريت إلياس (مرقص) Wednesday August 12, 2020 269

مفهوم الكنيسة الليتورجيّة – شعب الله – حياة الشركة

للأرشمندريت إلياس مرقص

رئيس رهبنة دير مار جرجس الحرف

١- حول كلمة التزام:

نحن في الواقع نسيء استعمال كلمة «التزام» فنتكلّم على «الالتزام في الكنيسة»، بينما ينبغي أو يكفي أن نتكلّم على الحياة في الكنيسة. ليس في الكنيسة أناس ملتزمون وأناس غير ملتزمين لأنّ كلّ عضو في الكنيسة يعيش حياة الكنيسة كلّ واحد بحسب قامته. فإمّا أن نكون أعضاء حقيقيّين في الكنيسة أو لا نكون. وليس المطلوب القيام ببطولات خارقة وأعمال نادرة، فكلمة التزام التي نردّدها كثيرًا أصبحت بعبعًا أو حاجزًا يفصلنا عن الحياة في الكنيسة في ملء وارتياح ومن حيث نحن، ويقلقنا ويثبط عزيمتنا لأنّه وكأنّه يستبق الحوادث فيجعل لنا ضميرًا غير صالح وذلك بصورة اصطناعيّة إلى حدّ بعيد… إذًا نحن نبحث الآن موضوع الالتزام في الكنيسة ليس كأمر خرق يفوق الاعتياديّ بل كحياتنا اليوميّة الطبيعيّة في الكنيسة، والتي يستطيع كلّ معمَّد أن يحياها بل يجب أن يحياها بجدّ وسلام.

 ٢- موضوع هذا اللقاء في أبعاده الثلاثة:

المواضيع التي ستبحث في هذا اللقاء تدور حول أبعاد ثلاثة هي أبعاد الحياة المسيحيّة: موضوع الحياة مع المسيح وحياة الصلاة وهو البعد العموديّ، بعد الاتّصال المباشر مع الله، ثمّ موضوع الالتزام في الكنيسة في مفهومها الليتورجيّ وكحياة شركة وشعب الله، وهو البعد الأفقيّ، بعد الحياة مع الجماعة. أخيرًا موضوع الكنيسة في العالم بعامّة وفي العالم العربيّ بخاصّة وهو البعد الزمنيّ، البعد المصيريّ في التاريخ. هذه الأبعاد الثلاثة يجب أن يعيشها المسيحيّ في حياته سواء على صعيد الصلاة أو على صعيد العمل. فحين أصلّي، أصلّي أوّلًا عموديًّا بمعنى أنّ صلاتي تتّجه إلى الله وتستنزل نعمته بالنسبة إليّ وإلى حاجاتي، ثمّ أصلّي أفقيًّا بمعنى أن أصلّي مع الآخرين، بخاصّة الصلاة الجماعيّة، وأسترحم المسيح مع الآخرين كواحد معهم ومن أجل الآخرين. أخيرًا أصلّي على مستوى العمق الزمنيّ بأنّي أطلب من أجل وأتّجه وأمتد نحو نمو جماعة الله وتحقيقها ومدّ الملكوت إلى العالم. وكذلك في الحياة والعمل، أعيش وأعمل مع الجماعة، وأعيش وأعمل من أجل تحقيق الهدف والغاية من وجودي ووجود الجماعة.

  ٣- الأمر أمر اختيار أوّلًا:

ولكن الأمر إنّما هو أمر اختيار أوّلًا[1]، أمر سير في طريق، ما دام شعار هذا اللقاء هو «أنا الطريق والحقّ والحياة». نحن غير ملتزمين في الواقع لأنّنا لم نختر، الناس إجمالًا لا يختارون: على صعيد طريق الله، الطريق المصيريّ الآخر الناس لا يختارون بل ينقادون لظروفهم السلبيّة، الأيّام تتوالى… ذلك بأنّ كلّ اختيار يؤدّي إلى التزام، والناس لا يريدون أن يلتزموا، بيني وبين نفسي لا أريد أن أتقيّد، أن أسير في خطّ معيّن، أن أرتبط بوضع نهائيّ، أريد أن أحتفظ بحرّيّتي، ولكنّ الحرّيّة هذه غير المستعملة هي حرّيّة معطّلة، زائدة، لا نفع لها للإنسان في مجال الوجود الاصيل وتحقيق الحياة، مثل هذا الإنسان المحجم وواللّا ملبي لا يؤدي دوره في الكون، لا يخرج من نفسه في سبيل ذلك في حين أنّ الكلّ مسؤول عن الكلّ، عن المجتمع والكنيسة والتاريخ، هذا الكون نحن نعطيه معناه (على ضوء المسيح)، ونحن متضامنون جميعًا في مسؤوليّة مصيره. الإنسان الذي لا ينفتح لهذه المسؤوليّة ولا يختار شيئًا ليتحمّل نصيبه منها ليس بإنسان أصيل.

٤ – الأبعاد الثلاثة في حياة المسيح:

أمّا إذا اخترنا الحياة مع المسيح، الذي هو الطريق، نجد في المسيح مثالنا الأبعاد الثلاثة في درجتها القصوى، وكأنّها شرعة حياتنا. البعد العموديّ أوّلًا: كان المسيح في حياته على الأرض يعيش دائمًا مع الآب، في حضرة الآب، من أجل طاعة الآب، ينفرد ليصلّي للآب «يهتمّ بما لأبيه». همّه أن تتمّ مشيئة أبيه لا مشيئته هو، كان في اتّصال دائم مع الآب يناجيه ويعمل ما يرضيه. هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت «أنا لست وحدي لأنّ الآب معي».

 البعد الأفقيّ ثانيًا: أتى المسيح «ليجمع أبناء الله المشتّتين إلى واحد»، «ليضمّ المتفرّقات إلى واحد». الخطيئة فرّقت بين الناس، مزّقت وحدة البشر. الناس خلقوا ليكونوا واحدًا، عائلة واحدة، أبناء الله الآب. علاقة الله مع البشر كانت دائمًا في إطار العلاقة مع جماعة، مع شعب. فآدم يمثّل الجنس البشريّ كلّه وإبراهيم اختير ليكون أبا المؤمنين، بداءة أمّة كبيرة «إسرائيل» الذي هو في الأساس اسم شخص واحد صار اسم كلّ «شعب الله»، والأنبياء إزاء عقوق الشعب المختار تنبّأوا بأنّ «بقيّة» منه ستخلص، وهذه البقيّة تصبح شعب الله الجديد. والغاية الأخيرة من مجيء الربّ يسوع هي أن يجمع كلّ الناس في جسده فتكون «رعيّة واحدة وراع واحد». والمسيح تألّم عن كلّ الناس، صلب ومات عن كلّ الناس، لأجل هذه الغاية بالضبط.

 البعد الثالث: المسيح أتى ليذهب بنا إلى الآب، لكي يأتي ملكوت الله إلى العالم، كان يتطلّع دائمًا إلى ذلك وقد علّمنا أن نصلّي إلى الآب: «ليأتِ ملكوتك» وكان يعمل دائمًا في سبيل ذلك: «أنا أعمل وأبي أيضًا يعمل». المسيح صاحب رسالة قبل كلّ شيء ويريدنا أن نكون أصحاب رسالة: «من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني» إنّه بعد المسيرة، بعد المصير… «أنا هو الطريق…».

٥ – الأبعاد الثلاثة لا تنفصل عن بعضها البعض:

لكنّ هذه الأبعاد الثلاثة التي تدور حولها مواضيع هذا اللقاء، والتي هي شرعة حياتنا وراء المسيح، لا تنفصل في الحقيقة عن بعضها البعض، بل تكمل بعضها البعض وتعاش معًا وإلّا فتبقى حياتنا الروحيّة ناقصة مبتورة أو تكون مجرّد وهم. لقد قال المسيح نفسه إنّ الوصيّتين الأوليين لتحقيق ملكوت الله هما الوصيّة الأولى، «تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ ذهنك ومن كلّ قدرتك» والثانية مثلها «تحبّ قريبك كنفسك». الثانية مثلها. والحقيقة أنّ الثانية هي المحكّ، هي المقياس الملموس لمحبّتنا. كيف نستطيع أن نحبّ الله الذي لا نراه ونحن لا نحبّ القريب الذي نراه، يقول يوحنّا الرسول. والقدّيس يوحنّا السلّميّ يقول: إن كنّا نحبّ الله ونبغض القريب فكأنّنا نركض في الحلم. الوصيّة الثانية التي تهمّ موضوعنا هي إذًا مهمّة أكثر من الأولى، بمعنى إنّها هي التي نثبت فيها حفظنا للأولى ونعبّر في الواقع عن حقيقة حفظنا الأولى. البعد الأفقيّ، الحياة مع الجماعة، هو البعد الملموس الذي يبرهن عن أصالة حياتنا مع الله: مرآتنا هو القريب، هو الآخر، وبدون هذا الآخر أبقى عائشًا في الوهم. حياتي تمرّ بالآخر. بقدر ما انفتح للآخر بقدر ما أتّسع أنا وبقدر ما أبذل بقدر ما أنا موجود. والعكس بالعكس. المسيح الذي هو «الكائن» ومصدر الحياة بذل حياته كلّها من أجل الناس. إنّه إله المحبّة الإله الثالوث والكلّ في الكلّ.. فالأبعاد الثلاثة لا تنفصل عن بعضها البعض.. فعندما لا نلتزم في الكنيسة فهذا يعني أنّنا لا نعيش في الكنيسة بالنتيجة.

٦ – الالتزام في الكنيسة:

في ما يتعلّق بموضوعنا المطلوب أوّلًا أن ننمّي فينا «حسّ الكنيسة»، الشعور بتلك الجماعة الواحدة الحاملة رسالة المسيح، بذلك التضامن العميق بين أبناء الله، بتلك المسؤوليّة المشتركة تجاه العالم. «ليس أحد يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته» بل نعيش معًا ومن أجل بعضنا البعض ومصيرنا واحد. علينا أن ننمّي شعورنا بالكنيسة والانتماء إليها والتضامن معها (لا كمؤسّسة خارجيّة شكليّة بل كمكان للروح ولسرّ المسيح، كحاملة خلاص العالم). فالكنيسة هي أمّنا وقد ولدتنا للحياة بالمعموديّة ونحن كلّنا أبناؤها شئنا أم أبينا. نحن متضامنون ومتكاملون معها مهما كانت حالها وأوضاعها فضعفها هو ضعفنا وقوّتها قوّتنا، انحطاطها انحطاطنا وتجدّدها تجدّدنا. نحن لا نخلص وحدنا بل مع الآخرين، مع الكنيسة ومع العالم لأنّ الكنيسة هي ملح الأرض، وتاليًا هي في وسط العالم منفتحة عليه ومسؤولة عنه. فإذا لم ننمِّ فينا هذا الحسّ الكنسيّ نتقلّص ونجفّ ونهلك. لأنّه بقدر ما تتّسع إليه حياتي (شعوري وصلاتي واهتمامي وخدمتي) بهذا القدر أنا موجود روحيًّا وحيّ بالله. بالنتيجة ليس سوى المحبّة، لا بالكلام والاسم بل بالفعل والحقّ، المحبّة الفاعلة والمسؤولة، الباذلة والمبذولة، ذلك بأنّنا أعضاء في جسد واحد، أعضاء بعضنا البعض كما يقول بولس الرسول. الناس كلّهم أعضاء جسد واحد. البشريّة جمعاء هي جسد المسيح، الإله المتجسّد لخلاص العالم. ولكنّ الكنيسة هي المكان التاريخيّ والروحيّ حيث تعي البشريّة كيانها الحقيقيّ العميق ودعوتها إلى الوحدة والمحبّة. الله محبّة، ثالوث متحابّ، واحد في الجوهر، ثلاثة في واحد، والناس مخلوقون على صورة الله الثالوث. المسيح أتى ليدخلنا إلى حياة الثالوث هذه التي خلقنا على صورتها ونحن مدعوّون إليها. الثالوث يبقى السرّ الأخير، السرّ الأعظم لهذا الكون. المسيح هو الكاهن الأعظم الذي أتى ليوحّد هذا الكون وقد حقّق في جسده هذه الوحدة، ورسالة الإنسان، وراء المسيح، هي العمل، بالمحبّة الفاعلة، على دخول العالم تلك الوحدة وعيشها. الإنسان المؤمن كاهن الكون يعمل بنعمة المسيح على توحيده. المسيحيّون أمّة كهنوتيّة وبهذا المعنى ملح الأرض ونور العالم. كلّ ذلك عبر المسيح الكلمة الذي به كان كلّ شيء، المسيح الكاهن الأعظم بذل نفسه من أجل حياة العالم. فحول المسيح، عبر سرّ الفداء الذي وطئ الفساد والموت، يصير الناس واحدًا. باشتراكنا في الخبزة الواحدة نصير جسدًا واحدًا وليس القدّاس الإلهيّ إلّا لنعيش هذه الوحدة ونحقّقها أكثر فأكثر وننمو فيها إلى ما لا نهاية، لنحقّق «مملكة الآب والابن والروح القدس» مملكة الثالوث المحبّة، كما نعلن في بداءة القدّاس الإلهيّ. ما تقدّم يؤكّد بإلحاح على الجماعة الكنسيّة، ولكنّ حسّ الكنيسة هذا ينمو أيضًا وبصورة خاصّة بالممارسة العمليّة، فالالتزام العمليّ في الكنيسة كفيل وحده بأن يبني الكنيسة، مع بنيانه لنا في الكنيسة، وكفيل وحده بأن تعمل الكنيسة وتشهد في العالم. ولكنّه ينطلق من الالتزام الليتورجيّ وينبع منه.

 ٧ – مفهوم الكنيسة الليتورجيّ:

ذلك بأنّ الكنيسة هي ليتورجية أساسًا ولا بدّ هنا من توضيح ذلك باختصار. خلاصة الكنيسة هي في الليتورجيا وبصورة أخصّ في الإفخارستيّا والليتورجيا هي التي تصنع الكنيسة وسنشرح ذلك في ما يلي:

أوّلًا: الكنيسة كائنة لإقامة الليتورجيا ولكيما بها تمدّ المسيح على الأرض: «اصنعوا هذا لذكري»… والدخول إلى الكنيسة بالمعموديّة غايته الاشتراك في الإفخارستيّا كما يتّضح من طقس المعموديّة وشرحه عند الآباء. ذلك بأنّه في الليتورجيا يقوم كلّ سرّ المسيح وخلاصه، «مملكة الآب والابن والروح القدس». كان المسيحيّون في أيّام الاضطهادات الدمويّة يجتمعون في الكهوف لإقامة الليتورجيا ويعرّضون حياتهم للخطر لهذه الغاية، لأنّ الكنيسة مخصّصة لإقامة الليتورجيا كما قلنا، ولأنّ الليتورجيا تؤلّف الكنيسة كما سنرى. في الليتورجيا يكمن خلاص العالم الذي يتجلّى فيها في السلام والوحدة والمشاركة وفي الليتورجيا شهادة وفعل لأنّها سرّ حياة وتقديس. بالليتورجيا يجعل الله الكلّ في الكلّ.

 ثانيًا: هناك تطابق كلّيّ بين الكنيسة والليتورجيا: في أدب الكنيسة القديم لفظة إفخارستيّا تعادل لفظة جماعة، كنيسة، إنّها تعني كنيسة. وكنيسة تعني إفخارستيّا في الاستعمال الجاريّ بخاصّة عند أغناطيوس الانطاكي ويوستينوس وديونيسيوس، وعند بولس الرسول وفي نصوص أدب القرن الأوّل هذا واضح. في أعمال الرسل ٢: ٤٤ و٢: ٤٧ عبارة «كانوا معًا» وهي تتكلم عن المؤمنين المجتمعين لكسر الخبز، هي عبارة تقنيّة تعني الجماعة الكنسيّة. كان المبدأ الأساس لحياة الكنيسة أن يكونوا معًا مجتمعين من أجل غاية واحدة وهي إقامة الإفخارستيّا، أي أنّ اجتماعهم ككنيسة هو لأجل الإفخارستيّا واجتماعهم لأجل الإفخارستيّا هو اجتماعهم للكنيسة فالإفخارستيّا هي سرّ الكنيسة.

وأخيرًا: الليتورجيا تصنع الكنيسة وقد اتّضح هذا ممّا تقدّم. الكنيسة كجماعة مسيحيّة، كوحدة الناس حول المسيح، كجسد المسيح، كجسد المسيح، تصنعها الليتورجيا، حول الخبزة الواحدة، حول الحمل المذبوح ليجمع أبناء الله المشتّتين إلى واحد، ليكون غذاء العالم. فالكنيسة إذًا تصنع الليتورجيا، هي قائمة لإقامة الليتورجيا كما رأينا والليتورجيا بدورها تصنع الكنيسة. وغاية الليتورجيا والكنيسة بالنتيجة هي «لترجة» الكون أعني جعل الكون واحدًا يسبح الله. فالمسيح محور الكون وبه قد كوّن وبه افتدي وخلص. والليتورجيا غايتها شدّ الكون إلى المسيح في وحدة سلام ومشاركة وتقديس وتسبيح، وليست الكنيسة كشعب الله سوى أداة لتحقيق قصد الله هذا. الكنيسة شعب الله تحمل رسالة تحقيق قصد الله، وقصد الله يتحقّق إلى أبعد حدّ في الليتورجيا الإفخارستيّة التي تجعل الناس والكون واحدًا مع المسيح والله الكلّ في الكلّ.

عمليًّا: هناك بعض المواقف العمليّة التي يجب أن نتبنّاها مبدئيًّا في حياتنا، لنعيش «كنسيًّا» في كلّ شيء لتأخذ حياتنا بعدها الكنسيّ وهكذا تكتمل. ويمكن هنا الإشارة فقط إلى بعض هذه المواقف من دون حصرها.

 ١ – كيفيّة الصلاة قبل كلّ شيء:

لا حاجة إلى القول بضرورة حضور الصلوات والقداديس الإلهيّة أيّام الآحاد والاعياد والمناسبات الكنسيّة المهمّة، وضرورة ممارسة الأسرار الكنسيّة والتقدّم للاعتراف والمناولة… ولكن ما أريد لفت النظر إليه هو كيفيّة الحضور والاشتراك كنسيًّا في هذه الصلوات والأسرار: الصلاة مع الآخرين ومن أجل كلّ المجتمعين. عندما أصلّي يجب ألّا أصلّي فقط من أجلي أنا، من أجل أن يرحمني الربّ ويشفيني ويوفّقني، بل من أجل الجماعة كلّها أيضًا. كلمة يا ربّ ارحم مثلًا أعنيها ليس لي فقط بل لمن هم معي، نقولها معًا من أجل الجماعة كلّها كواحد. عندما نتلو دستور الإيمان أو الصلاة الربّانيّة نتلوها كشخص واحد. عندما نقول قدّوس الله نقولها كأجواق الملائكة حول الربّ في سفر الرؤيا يردّدون ويحاورون بعضهم بعضًا: قدّوس قدّوس قدّوس. عندما نرتّل فلتكن ترتيلة واحدة وعندما نسجد فلتكن سجدة واحدة كما تنشد الكنيسة في عيد العنصرة، وكما نقول المسيح قام حقًّا قام بصوت واحد في عيد القيامة… (كلّ هذا مع الإيضاح أنّه لا يلغي البعد الشخصيّ ويجب ألّا يلغي البعد الشخصيّ بيني وبين الله).

هذا بالنسبة إلى الصلاة مع الآخرين، أمّا بالنسبة إلى الصلاة من أجل الآخرين فصلاة الكنيسة تشمل كلّ الناس، كما هو بيّن في الطلبات الكنسيّة الشاملة للحاضرين والغائبين والرؤساء والحكّام والإكليروس والشعب والمرضى والمسافرين والأسرى والمضنيّين… واعتدال الأهوية وخصب ثمار الأرض… فهذه الصلاة ذات الطابع الشامل والكونيّ الجميل جدًّا يجب ألّا نمرّ بها روتينيًّا بل أن نعنيها بحرارة وإلحاح لأنّها التعبير عن وحدة الكنيسة الجسد الواحد الذي يساعد أعضاؤه بعضهم بعضًا ويتبنّى الكون، ولأنّها «بدء» الالتزام العمليّ إذ التزمنا بالذبيحة إذا عشناها. فلنبدأ ولنصلِّ حقيقة من أجل الآخرين ونحملهم في صلاتنا لكيما نترجم صلاتنا وننقلها إلى أعمال. هذا ونصلّي من أجل الجميع الذين لا يعرفون أو لا يستطيعون أو لا يريدون أن يصلّوا، لأنّ سرّ الشفاعة نشعر به أحيانًا أنّه قوّة حقيقيّة فاعلة وواقع ملموس. كيف لا يكون هكذا والناس ذوو مصير مشترك شئنا أم أبينا.

أمّا بالنسبة إلى القدّاس الإلهيّ بنوع خاصّ حيث تلتئم الكنيسة حول الحمل المذبوح وتتألّف والذي تنبع منه كلّ أسرار الكنيسة وبركات الله لأنّ القدّاس الإلهيّ خلاصة كلّ تدبير المسيح الخلاصيّ والمكان الأوّل لحياة الكنيسة واتّحاد الله بالبشر، فينبغي ان نوليه اهتمامًا خاصًّا وعناية فائقة. يجب أن يؤدّى القدّاس الإلهيّ بوعي حادّ وإيمان مضطرم وتسليم كامل في جوّ من الخشوع والهدوء والانسجام. يجب أن نكون في القدّاس الإلهيّ حقيقة جماعة واحدة ملتئمة ومتراصّة وملتحمة حول الحمل. وأن ندخل حقيقة في خلاص الله الذي نستحضره في القدّاس الالهيّ ونقدّم ذواتنا فعلًا مع الذبيحة الحيّة الإلهيّة لنتقبّل عوضها موهبة الروح القدس عنصرة حيّة متكرّرة. يجب أن نعي حقًّا كلّ ما نقوله ونرتّله ونتمّمه في القدّاس الإلهيّ. ونقصي كلّ عنصر غريب، كلّ تشويش وكلّ إهمال ولامبالاة، وعندئذٍ نحسّ بكوننا حقيقة جماعة واحدة تتقدّس بتقبّل الروح، نحسّ بكوننا كنيسة مقدّسة ويهتزّ المكان الذي نحن فيه مجتمعون (أنظر أعمال ٣: ٢٣ – ٣١). إيمان واحد ونيّة واحدة حول ربّ واحد، المخلّص الفادي الذي يفدي الكون كلّه. كذلك في إقامة بقيّة الأسرار الكنسيّة في العمادات والأكاليل وغيرها إذ يجب أن تتمّ كنسيًّا أي بين الجماعة وبمشاركتها وفي الرعيّة التي ننتمي إليها، فتكون حدثًا كنسيًّا كما هي في الأصل. وأيضًا الأعياد والمناسبات الكنسيّة المختلفة يجب أن تعاش كنسيًّا بنيّة واحدة وروح واحد. وهكذا تبنى الكنيسة وتنمو وتشهد لربّها يومًا بعد يوم.

 ٢ – كيفيّة الخدمة والعمل:

في حياتنا العمليّة أيضًا وتعاملنا مع الآخرين يجب أن تكون لنا مواقف مبدئيّة كنسيّة نتبنّاها ونسلك على ضوئها، ولأنّنا في الواقع لا نلتزم بمثل هذه المواقف فالكنيسة لا تبنى بل تستطيع القول إنّها تهدم. وصيّة الربّ بألّا تدينوا لئلّا تدانوا من يلتفت إليها عمليًّا؟ إذا أُخذ أحد بزلّة فليصلح الروحيّون هذا بروح الوداعة من يحرص على تطبيقها؟ نحن في الواقع ندين من الصبح إلى المساء و«نشطب» على بعضنا بعضًا وننهش بعضنا بعضًا… فالموقف الإنجيليّ البديهيّ، الموقف الكنسيّ، هو أن «نقبل بعضنا بعضًا» (رو ١٥: ٧) وأن نصالح بعضنا بعضًا بروح الوداعة والمحبّة، وأن نساعد بعضنا بعضًا وأن نحافظ على وحدة الفكر والرأي ورباط السلام. وهذا الإصلاح الأخويّ وهذا التساند المتبادل مجاله واسع ومختلف يشمل كلّ الصعد: النموّ النفسيّ والروحيّ والتحصيل الدراسيّ والفضائليّ والتضامن المعاشيّ، ولا حاجة إلى الدخول في أيّ تفصيل في هذا الصدد، لأنّ الحياة هي تعلّمنا مجالات التآزر الجماعيّ. كان من بديهيّات الكنيسة الأولى، كان من علامات وجودها ككنيسة، المشاركة التامّة بين المؤمنين فهل كثير على الكنيسة الآن (ليس فقط الرسميّة بل على المؤمنين جميعهم) أن يؤمّنوا مثلًا تعليم أبنائهم جميعًا وتخصيص الموهوبين منهم وتدارك كلّ بؤس وفقر بين العائلات، ومعالجة النزاعات الزوجيّة وحلّها بروح الإنجيل والعناية بالنواحي التربويّة والاجتماعيّة والوطنيّة… ومساعدة الرعيّة في خدماتها المتنوّعة عدا التساند الروحيّ البحت لتكون الكنيسة جسدًا ناميًا بلا عيب أمام الله… مع العلم بأن ليس الالتزام في هذه المجالات المختلفة: الحقل العائليّ والرعويّ والاجتماعيّ والسياسيّ والرعاية الكهنوتيّة للنفوس وحياة الشركة الرهبانيّة والتوحّد والصلاة من أجل الكنيسة ليس كلّ هذا سوى تعبير عن كيان الكنيسة الجماعيّ، عن وجود الكنيسة.

وإذا ما اقتنعنا بهذا كلّه وسلكنا طريق الالتزام بحسب مواهبنا، وبروح طاعة الله ومحبّته وخدمة كنيسته التي هي جسده فعلينا أن نفعل هذا بروح الفداء الذي هو روح المسيح. المسيح الفادي الذي أتى ليخدم لا ليُخدم وليموت عن الجماعة، هو عنواننا وشرعتنا وسرّ نجاحنا، بدون روح الشهادة والفداء لا يستقيم عمل إلى النهاية ولا تعيش كنيسة «كن أمينًا حتّى الموت فأعطيك إكليل الحياة»، «من يصبر إلى المنتهى يخلص»، وعندما حاول بطرس أن يبعد المسيح عن الصليب أجاب الربّ «إذهب عنّي يا شيطان»… فإن كنّا نريد أن نتكلّم على الالتزام سواء في الحياة الشخصيّة أو في الجماعة، فهذا هو الالتزام بل هذه هي الحياة المسيحيّة والربّ هو الملهم وهو المعين فليكن اسمه مباركًا إلى الأبد آمين.

__________________

هذا الموضوع ألقي في حلقة الطلّاب الثانويّين لحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة في ديك المحدي شانفيل، تمّوز، ١٩٧٤.

 

المرجع : مجلّة النور، العددان الثالث والرابع، ١٩٧٥.

[1]   راجع كامل مقال الأب إلياس مرقص في مجلّة النور، العام ١٩٦٥ العدد ٤، ص. ١٠٤.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share