الحياة الرهبانيّة كممتدّة إلى الآخرة، إلى الله

الأرشمندريت إلياس مرقص Monday August 17, 2020 131

الأرشمندريت إلياس مرقص

الوجه المبدئيّ

الشوق الذي وضعه الله في قلب كلّ إنسان إلى السماء الزرقاء والأفق البعيد، إلى الترتيل الصافي الملائكيّ، واستقامة القلب استقامة نقيّة لا شائبة فيها، ذلك الشوق هو ولا شكّ بزرة الأبديّة فينا، بزرة الحياة الآخرة التي خلقنا من أجلها.  يتكلّم الشاعر الفرنسيّ كلوديل في مكان ما عن طوبيّا حين يغادر قريته إلى بلاد بعيدة[1]: الأفق يجذبه فلا تستطيع أمّه ان تحتفظ به. الأفق يجذبه والله ينفخ في المزمار: حين ينفخ الله بالمزمار لا أحد يستطيع أن يردع القطيع…

ذلك الشوق الانطلاقيّ والرحيل، جميع الذين أرادوا أن يكونوا للربّ يعرفون أنّه إنّما هو بدء الحياة مع الله بل عنوانها كلّها: إذا توقّف توقّفت وتلاشت، وإذا اضطرم اضطرمت واستقامت. نعم الحياة الروحيّة المسيحيّة – والحياة الرهبانيّة بصورة خاصّة – هي شوق، هي تطلّع وانطلاق، سير حثيث إلى الآخرة، إلى الله العالم الآخر.

ولذلك تبدأ الحياة الرهبانيّة بالزهد، بالانفصال عن العالم، بترك الماضي والحاضر، وكلّ شيء، طلبًا لشيء آخر وحياة أخرى، للؤلؤة الكثيرة الثمن. تبدأ الحياة الرهبانيّة بشوق وسير، بحركة شوق ومسير هي حركة منذ لحظتها الأولى، في أصالة لحظتها الأولى ونضارتها التي لا تغشّ، حركة لا حالة، لا تمتّ إلى الحالة بصلة: «قومي… هلمّي… انسي شعبك وبيت أبيك… أين أنت يا ربّ؟ يا من تحبّه نفسي أين ترعى وأين تربض عند الظهيرة ؟… ».

إنّه خروج النفس الذي لا بدّ منه، الخروج الأساس جدًّا في تدبير الخلاص « لقد أخرجت نفسي، يقول أوغسطينوس المغبوط، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلّا ذاتها». إنّه خروج الإيمان، تحديدًا وتعريفًا، خروج إبراهيم أبي المؤمنين.

لا من أرضه وعشيرته فقط بل بالحريّ من ذاته يريد معرفة الله الحيّ من هو؟

خروج شعب الله إسرائيل والربّ يسوع والكنيسة في الكتاب المقدّس كلّه في عهديه القديم والجديد… الخروج كشرط، الانتقال من الحالة إلى الحركة من «ماذا» إلى «مَن»، كشرط للسير إلى الله، إلى حياة الله العالم الآخر، بل سنرى أنّ الحياة المسيحيّة كلّها– والحياة الرهبانيّة بنوع خاصّ– إنّما هي تلك الحركة بالضبط، ذلك الامتداد المتواصل المتلاحق، التقدّم والحنين المتزايد إلى عالم الله. ولذلك عرّف يوحنّا السلّميّ الراهب بقوله: «من هو الراهب الأمين الحكيم؟ هو الذي ما يزال إلى آخر حياته يزداد حماسًا على حماس وشوقًا على شوق واضطرامًا على اضطرام وغيرة على غيرة».

الحياة الرهبانيّة في الحقيقة لا تفهم ولا تستقيم إلّا إذا رافقتها تلك الحركة الامتداديّة على الدوام، وكانت مبدأها الدائم العميق. في الواقع كلّ توقّف أو تحجّر، كلّ نسيان أو كسل، يُخلّ بالحياة الرهبانيّة بالصميم ويعطّل وجودها، فتضحي عبئًا على الراهب ومعثرة للناس.

الحياة الرهبانيّة تعريفًا، عند القدّيس بندكتوس بصورة خاصّة، هي التماس الله والسعي إليه. مجرّد البقاء والاستمرار في الحياة الرهبانيّة مشروط بالشوق المتحرّك إلى الله بصورة غير منقطعة. الشوق هنا سنّة الحياة ووسيلة الوجود. نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط في تلك الحركة الاشتياقيّة اللانهائية نحو مصدر الوجود. العالم، هذا العالم المادّيّ المنظور والعقليّ غير المنظور على السواء، عالم متوقّف بالنتيجة وساكن لأنّه محدود منتهٍ، لا حياة له في ذاته. الله وحده لا نهاية له ولحياته، وله حياة في ذاته. فالخروج من العالم إلى الله، الخروج الكيانيّ حقًّا، التطلّع إلى الله «معطي الحياة» هو نبضة الحياة.

ولكنّ الحياة بالطبع لا تتوقّف، لا تستطيع أن تتوقّف. هل لاحظتم مرّة المياه الحيّة؟ مياه شلّال مثلًا؟ هل شخصتم إليه شخوصًا متّصلًا بتساؤل وإعجاب كيف تتدفّق المياه فيه بتواصل غزير غريب لا يحتمل الانقطاع؟ من أين هذه المياه كلّها! ما هذا الجري التلقائيّ الجديد في كلّ لحظة والذي لا ينتهي! إنّها المياه الحيّة، صورة الحياة.. هكذا نحن.. إنّ عدم جريان المياه فينا هو موت، يمتّ إلى عالم الموت. في حين أنّ جريان الحياة غير المنقطع يمتّ فينا إلى عالم الابديّة.. في كتاب «المعزّي» قطع رائعة تصف الملائكة متطلعين إلى الله « بدون ميلان » يتلقّون من هناك على الدوام اندفاق النور. التطلّع إلى الله من هنا بدون ميلان ولا فتور هو حياة الملائكة، حياة الآخرة. حركة الحبّ التي تلصقنا بالله وتلحقنا به وبينبوع حياته بدون انفصال هي الآخرة. الحياة المسيحيّة تاليًا والحياة الرهبانيّة بصورة خاصّة ليست فقط ممتدّة إلى الآخرة بل تدخلنا إلى الآخرة منذ الآن، إلى حد ما، تجعلنا نساهم حياة الآخرة بصورة سرّيّة منذ الآن ونتذوّق طعمها.

   أوَ لم تكن هذه رغبة الله بل قصده من خلق الإنسان لمّا خلقه على صورته ومثاله؟ أعني أنّ الأمر الذي نتكلّم عليه ليس بعيدًا خياليًّا بل هو قريب، مسجّل في طبيعة الإنسان، يدعى الإنسان إليه في كلّ حين. الله بخلقه إيّانا على صورته أعطانا صفاته بالذات ومن جملتها صفة الخلود. عندما أعيش صفات الله التي خُلقت على صورتها: الاستقامة والفضيلة، أو النقاوة والغبطة أو اللاهوى وعدم الفساد والرحمة والوداعة..  فإنّي أعيش الله. وكذلك عندما أعيش الخلود فإنّي أعيش الله. الله، العالم الآخر، الآخرة، هو فيّ في الأصل. الأمر داخليّ وليس زمنيًّا خارجيًّا. الله فيّ. في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدوديّة الله. ولكنّ الله غير محدود «فعلًا» أمّا نحن فبالمصير. ألوهتنا أن نتحوّل، أن نصير الله على الدوام. لكوننا نتغيّر – نصير – يعطينا أجنحة على حدّ قول غريغوريوس النزينزيّ، وهذا مصدر كياننا.  الخلق ما زال جاريًا بالنسبة إلينا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كلّ لحظة من الله. «أبي حتّى الآن يعمل». ودعوة الربّ يسوع «اتبعني» فسّرها بعض الآباء: اتبعني، إلحقني إلى ما لا نهاية.. كن معي حيث أكون أنا.. أليس هذا قصد الله في مجيء الربّ يسوع إلينا؟ ألم يصر هذا ممكنًا بعد أن قام يسوع من بين الأموات وأقامنا معه؟ فيكفي أن نتبعه. «اجذبني وراءك فنجري»[2].

ثمّ ليس في هذا اللحاق، في ذلك التغيير وتلك الصيرورة الدائمة عدم تركيز وعدم استقرار، بل الاستقرار  هو بالضبط في متابعة المسير ودوام الصيرورة. كما انّ طيران الطائرة هو بالضبط في متابعة الطيران وعدم التوقّف. إن ثبتنا في المسير رسخنا وأقمنا في الحياة وفي الآخرة. «يا ليته كان لي جناحان كالحمامة فأطير واستريح ». متابعة الشوق والاندفاع نحو الربّ ليست حركة هوس أو هروب أو قلق، بل هي في فعلها بالذات حركة استقرار وتأصّل وراحة. ليست حركة سطحيّة سريعة بل مع اندفاع النفس بالذات تعمّق  وتطابق ذاتيّ. الخروج هنا دخول في آن واحد. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب. هو تطابق مع الروح. لقاء حيّ مع الربّ، مع روح الربّ الذي فينا، إقامة حيّة في الربّ وفي الآخرة ملكوت الله.

موسى كان مقيمًا في نقرة الصخرة حين رأى قفا الله، أي حين كان جاريًا وراءه حسب تفسير غريغوريوس النيصصيّ. مقيمًا وجاريًا في آن واحد. هذا هو الاستقرار الحيّ الذي للحياة. يوجد استقرار للموت واستقرار للحياة..  شيوخ سفر الرؤيا الأربعة والعشرون كانوا في الوقت عينه جالسين على عروشهم متوجّين بالأكاليل وخارّين إلى الأرض ساجدين للجالس على العرش وللخروف طارحين عنهم الأكاليل. هذا هو الاستقرار الحيّ، استقرار الأبديّة. متناقضات يحلّها الجالس على العرش الذي يجمع الأضداد. به وحده، في شخصه، نتجاوزها. بالذهاب في الحياة الروحيّة معه إلى مداها الأقصى الذي لا حدّ له، نلقى حياته، نباشر حياة الأخرة على الأرض. وسنرى أنّ هذا الاطلاق وحده من شأنه أن يحلّ مشاكل الأرض.  قال الأنبا يوسف إلى الأنبا لوقا: «لا تستطيع أن تكون راهبًا إن لم تكن بجملتك نارًا مضطرمة». عندما نبدأ بفهم ذلك نبدأ أن نصير مسيحيّين ورهبانًا، وحينذاك تتّخذ حياتنا معنى في ذاتها وفي الأرض..

الوجه العلميّ

« ولكن كيف التطبيق؟ أليس هذا الأمر بعيدًا ومتعذّرًا على الإنسان؟» الجواب: عدم الكمال هنا شرط من شروط التحقيق.. نحن ننطلق من بؤسنا بالضبط ونبقى فيه.. لا يشترط نجاحنا أمام الله، بل يمكن القول بالعكس إنّ النجاح هو في عدم النجاح.. نعم في هذا الطريق ينبغي التكرار ثمّ التكرار، في امتداد لا نهاية له. هكذا تفهم متطلّبات الحياة الرهبانيّة وواجباتها وجهادها، وتتّخذ معناها الكامل: فليست وظيفة الراهب أن يطبّق أكبر كمّيّة من الناموس (مخالفة وصيّة واحدة من الناموس تعادل مخالفة الناموس كلّه)، بل على الراهب أن يصير بجملته شوقًا.. وحسب.

على ضوء ذلك نستطيع أن ننظر إلى الرهبانيّة نظرة صحيحة، لا جزئيّة ومشوّهة، وسنستعرض سريعًا في ما يلي بعض النقاط:

١- أوّلًا المجيء إلى الدير: شرطه ألّا يكون سلبًا، خوفًا، هربًا، استعفاء.. وألّا يكون «حياديًّا»: «للإقامة» لدخول إطار اجتماعيّ، للعيش بحدّ ذاته أو طريقة العيش، بل على أساس الرغبة في الله من كلّ القلب. مع العلم بأنّ هذه الرغبة فينا تستيقظ أوّلًا.. تبدأ صغيرة ثمّ تزيد أكثر فأكثر بقدر انغرافنا واستيعابنا. هذا هو وجه الحركة والشوق أمّا وجه الثبات والاستقرار فهو المكوث في الدير إلى نهاية الحياة.

٢- وتتأثّر بذلك طريقة فهمنا للنذور الرهبانيّة:

الفقر: يجب ألّا ننظر إليه كوضع معيّن من التمتّع ببعض الخيرات والامتناع عن غيرها.. بل كعمليّة تفقير وإفقار. إفقار داخليّ.. مطّرد.. كلّ تعزية بشريّة نفقدها أو نحرم منها تحلّ محلّها تعزية إلهيّة.. عطش وجوع إلى التفقير.. إلى الله. إنّها الزاوية الإيجابيّة بل المحوريّة.

– الأسقف ديادوك يعرّف الفضائل على هذه الطريقة: عدم البخل هو الاهتمام بعدم الامتلاك.. عدم الغضب هو رغبة كبيرة في الوداعة… التواضع هو نسيان الفضل الذاتيّ.. إنّه تعريف إيجابيّ يرى الفضيلة الحقيقيّة كحركة داخليّة، كحياة.

– كذلك العفّة ليست فقط عدم الارتباط بحالة الزواج.. أو المحافظة على طهارة الجسد.. بل اتّجاه الحسّ الداخليّ دائمًا إلى الله، حركة التصاق من كلّ القلب والذهن والنفس.. حبّ خليلة نشيد الأنشاد.

– كذلك الطاعة: فهي لا تفهم من زاوية تسلسل المراتب والمسؤوليّات.. أو كخضوع فارغ أجوف.. بل كانسحاق وقبول، كحركة طاعة وتواضع، حركة آمين كلّ الكيان.. على مثال الربّ يسوع أمام الآب.

النذور تاليًا ليست «حالة» رهبانيّة بل هي طريقنا إلى الله، أجنحتنا، وسيلة تقبّلنا لحياة الله.

– هذا وجه الحركة في النذور. أمّا وجه الاستقرار ففي الصبر، النذر الرابع، الصبر الجميل الذي يثبّت الراهب ويقيمه في الله.

٣– أمّا التقشّف ذاته وأعمال النسك فليست فرائض لها قيمة بحدّ ذاتها، إنّما جوهرها «التوبة» و«الاهتداء» أي تغيير اتّجاه المرء، تنقية النيّة، تطهير الداخل العميق: حيث الله. التطهير من أجل لقاء الختن. أعمال النسك أعمال يقظة: في نصف الليل نقوم: «ها هو الختن يأتي..» فالسهر والصوم والتضرّع والسجدات والصمت كلّها متّجهة إلى شخص الربّ، تناديه، تناجيه، تنتظر نوره… وتتقبّله. أعمال النسك قيمتها بالنتيجة بالحبّ الذي فيها، بالتواضع الذي به نؤدّيها. وعندما بالتوبة العميقة نتقبّل رحمة الله فكأنّنا نتقبّل كلّ الملكوت.

٤– أمّا الصلاة فقيمتها ليست بكلماتها… المهمّ بالنتيجة أن يكون الشخص، أن يكون الله أمامنا، يصرف النظر عن ماهيّة الكلام..

الصلاة الحقيقيّة تدخل رأسًا إلى عالم الله. عنوانها «لتستقم صلاتي كالبخور أمامك».. فنصلّي وكأنّنا في الأبديّة. هذا ويوصون بالصلاة الدائمة لكي بالضبط نبقى في حضرة الربّ. إنّ عراك الصلاة مرير أحيانًا.. فكثيرًا ما يجب اللحاق بمعنى الكلمات. عدم النظر إلى الوراء ينطبق أيضًا على الصلاة وإلّا لا نصلح لملكوت الله. الملائكة في سفر الرؤيا يسبّحون «قدّوس قدّوس قدّوس» ليلًا ونهارًا.. ولكن يجب القول على كلّ حال إنّ هذا لا يتمّ إلّا «بصلاة القلب». لا بالانفعال والصراخ والعواطف.. ولا بالعقل والأفكار تلاحق بعضها بعضًا.. بل في أبعد من ذلك بهدوء القلب وسكونه وثباته. بلقاء داخليّ مع الروح، في ملكوت الرحمة والتسبيح.. الصلاة حلاوة أيضًا وتذوّق وتمتّع، الصلاة راحة واستقرار: سلام يفوق كلّ عقل.

٥- ثمّ إنّ الاستمرار في الجهاد في الطريق الروحيّة يعبّر عن حركة الخلود.. في حالات الضجر والارتخاء، حالات فقدان الهمّة للصلاة ولا شيء، متابعة الجهاد حركة من الموت إلى الخلود.. الآباء كانوا يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم..

روح الذبيحة حتّى النهاية، روح المسيح المصلوب.. تؤدّي وحدها إلى القيامة. على ضوء ذلك نفهم ضرورة التجارب التي تكلّم عليها أنطونيوس الكبير: «لولا التجارب لما أمكن أن يخلص إنسان». إنّها طريق للخلاص. لذلك ينبغي الفرح بالتجارب.. لا التعثّر بها والاضطراب لها بل تجاوزها إلى الامام.. فبتجاوز أنفسنا بالضبط ننال الحياة من فوق..

٦- أمّا التسبيح الرهبانيّ (الكنسيّ): فالأدوار الليتورجيّة الثلاثة تنتهي وتتوّج بالاتّحاد بالربّ: المناولة في القدّاس الإلهيّ في الدور اليوميّ، ويوم الأحد في الدور الأسبوعيّ، وعيد الفصح في الدور السنويّ.. الليتورجيا كلّها حركة انتظار وترقّب واستقبال للربّ القائم من الأموات.. ولمجيئه الثاني المجيد.. الخبرة الليتورجيّة تجعل الإيمان «ذهوليًّا»، خروجًا من الذات نحو الربّ: «ادخل إلى بيتك واسجد في هيكل قدسك». وهذا يتحقّق بصورة خاصّة في تيّار الفصح.. المسيح فصحنا «عبورنا»، الفصح العظيم الأقدس، يصعد فينا وينمو… ونصعد إليه وفيه إلى الآب.. الحياة الروحيّة حركة فصحيّة نحو الله والآخرة. ولذلك فالليتورجيا نموذج منظّم لكلّ حياتنا الرهبانيّة.. يجب التيقّظ لحضور الله أمامنا في الصلاة الليتورجيّة وفي كلّ شيء ما دام دافعنا التماس الله.. يجب إنماء الشعور بجوّ القداسة الإلهيّة، بعالم الله السامي غير المقترب إليه.. والتعجّب والتهليل..

أين تكون قضيّة العالم في كلّ ذلك ؟ ما الرهبانيّة هذه بالنسبة إلى العالم؟

الرهبانيّة هذه المتطلّعة إلى الآخرة تمثّل أوّلًا ضرورة ما يشدّ العالم إلى مبدأ حياته ومبتغاه الأخير. لا شكّ في وجوب التبشير في العالم ونقل التراث للآخرين للاستمرار في طلب الملكوت والتعجيل بمجيئه.. ولكنّ الضرورة الأولى هي الانصباب الكلّيّ على حركة التطلّع إلى الربّ والملكوت. إنّها الضرورة الكيانيّة المبدئيّة «الوجوديّة».

أمام تجربة تكيّف المسيحيّين الزائد وانسجامهم مع العالم، الرهبانيّة التأمّليّة تؤكد على إطلاقيّة الانفصال عن العالم. كلّ شيء هو من أجل العالم ولخلاصه، ولكنّ هناك سرًّا يتمّ بالضبط بالانفصال عن العالم، سرًّا لا يأخذ مداه – لخير العالم – إلّا بالانفصال وإطلاقيّته.. وإلّا نبقى، ويبقى العالم حيث هو.. من دون منفذ إلى الحياة اللّانهائيّة..

العالم بشّر بالربّ بالكلام كفاية وما يزال يبشّر. فهناك شهادة أخرى يحتاج إليها.. العالم لا يحتاج إلى حجج وأفكار وكلمات بقدر ما يحتاج إلى صلاة، إلى حياة صلاة، صلاة كلّيّة مطلقة مجّانيّة، إلى حبّ مطلق.. العالم لا يفهم الرهبانيّة (شبه الرهبانيّة) المقتصرة على شكل «مؤسّسة» تماثله وتزاحمه. فلعلّه يفهمها في جوهرها هذا الحياتيّ المطلق الذي هو، من حيث لا يدري، يصبو إليه..

تكلّمنا على سرّ يتمّ بإطلاقيّة الحركة إلى الله ولكنّنا لا نعرف أيّ سرّ هذا. إن لم نذهب إلى النهاية لا نعرف.. فمثالنا يبقى الربّ يسوع: بعد كرازته على الأرض اجتاز وداعة الصمت ونهائيّة الصليب.. فجذب العالم وراءه في صعوده إلى الآب..

هكذا وفي الختام هناك تيّار من الخليقة إلى الله.. تيّار منذ الخلق يوجّه الخليقة إلى الخالق.. ثمّ منذ الفداء، وراء المسيح، نحو الآب.. هذا التيار يجب أن ندخل فيه حقًّا.

كلّ حركة الحبّ التي في المسيح نحو الآب، كلّ حركة الحبّ التي في الكتاب المقدّس والكنيسة، يجب أن تكون حركة حياتنا.. نحن نبتغي وجه الربّ.. من وسط بؤسنا وبؤس العالم نبتغيه. « إيّاك انتظرت كلّ النهار»، وعبره نبتغي وجه الآب. بالروح القدس نسمع بكلّ جوارح كياننا الصوت القائل تعال إلى الآب..

المرجع : مجلّة النور، العدد السادس، آب، ١٩٦٥.

 

[1] انظر سفر طوبيّا ٥: ٢٣ – ٢٧

 

[2] طبعًا هذا مشترط بجهاد حثيث مطّرد ولكنّه يتمّ في الربّ الذي غلب.. يتمّ انطلاقًا من غلبة الربّ.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share