الخدمة والكيان

الأب إلياس مرقص Monday August 17, 2020 106

الأب إلياس مرقص

الموضوع العامّ لهذه المحاضرات هو «الخدمة»، وسوف يُبحث بالتتالي من الوجه الأنطولوجيّ (الخدمة والكيان)، والنفسيّ (الخدمة وتفتّح الشخصيّة)، والروحيّ (الخدمة والحياة الروحيّة والليتورجيّة)، والاجتماعيّ (الخدمة والمجتمع)، والعمليّ (كيف نخدم اليوم).

غاية المحاضرة الأولى هذه «الخدمة والكيان» توضيح العلاقة العميقة بين الكيان والخدمة، لكي نضع على قدر الإمكان أساسًا أنطولوجيًّا، صالحًا للدراسات الأخرى. المقصود إذًا هو أن نتبيّن ونحدّد العلاقة الكائنة بين الخدمة والكيان، بين الحياة والخدمة: هل نعيش لنخدم؟ هل نخدم لنعيش؟ أضروريّ أن نخدِم لنوجد حقًّا؟ هل يُنَمِّي عمل الخدمة الكيان؟ أيجب أن نخدم أبدًا؟…

بعبارة أخرى: هل الخدمة وجه أساس للكيان، وإلى أي حدّ؟

لعلّه يجب هنا، من أجل إزالة كلّ التباس، أن نوضح أوّلًا ماذا نعني بكلمة «الخدمة»: الخدمة هي عمل شيء ما لأحد، شيء إيجابيّ، بروح التأهّب والتضحية، بروح التعهّد. فالخدمة إذًا تبحث هنا، بصفة كونها عملًا، خدمة ملموسة، إلى جانب كونها، إذا أردتم، تعبيرًا عن المحبّة التي تظل شرطًا واجبًا للخدمة «الصالحة» ولا تنفصل عنها.

ويجب أيضًا أن أعتذر عن الأسلوب المجرّد لهذا العرض والذي هو تاليًا عسير نوعًا ما، لكنّ طبيعة الموضوع هي التي تستوجب ذلك: إنّه بالحريّ يتطلّب انتباهًا وحسن التفات.

مخطّط العرض: سنحاول أوّلًا أن نتبيّن في ضوء الإعلان الإلهيّ مكان الخدمة في حياة الله: أعني من جهة كونه ثالوثًا، وفي أمر الخلق، والفداء، وعمل الروح القدس الدائم في العالم، كيما نستنتج من ذلك دور الخدمة وأهمّيّتها في حياة الإنسان (إذ هو على صورة الله)؛ وعند ذاك سنرى أنّ الخدمة هي أوّلًا مظهر من مظاهر كيان الإنسان، ثمّ إنّها طريق له نحو الكيان، واخيرًا أنّ عليه أن يتخطّاها في الكيان.

 ١ – « الخدمة والكيان » في الله، مصدر الكيان.

أ – في الثالوث: جليّ أنّه في الحياة التي بين الثالوث ليست خدمة بحصر المعنى، ليست خدمة ملموسة عمليّة، تعبّر عن الحبّ أو تساهم في إنشاء حبّ أقوى، لأنّ هنا، في الثالوث، كلّ شيء مُعطى، كامل، شفّاف، كلّيّ. الخدمة في الثالوث، اذا أمكن التكلّم هنا على الخدمة، تأخذ مظهرها الأخير: حبّ، حضور كامل، انفتاح متبادل كلّيّ، (périchorèse)، اتّحاد أقصى، إلى درجة التطابق (من دون ضياع الشخصيّة).

وممّا سبق نستطيع أن نستنتج أنّ الاستعداد للخدمة، الميل الطبيعيّ للخدمة، لهو عند الشخص أصلًا بُعد جماعيّ. الشخص تحديدًا، في الأصل ومنذ البدء، متّجه نحو الآخر، كماله في حضوره للآخر، في امحائه من أجل الآخر، امحاءً متواضعًا ومحبًّا. في الثالوث كلّ شخص موجود بكلّيّته في الآخر، ممتدّ نحوه ومشدود إليه؛ وهذا الانفتاح الكامل وجهٌ بل عنصر من عناصر كيانه. فهنا يبدو أنّ الكيان والخدمة يتطابقان.

و«حالة» الثالوث هذه تفيض منه إذا جاز القول، لكيما توضحه وتعلنه لنا، فيظهر وجه الخدمة العمليّ المحسوس، وجه الخدمة «التضحية» أو «الذبيحة» في علاقة الثالوث مع العالم: في الخلق والفداء اللذين هما نوع من انعكاس « للمشاركة التي بين الثالوث » في مجال تدبير الله للكون والارض.

ب – في الخلق: نرى في عمليّة الخلق علامة لانفتاح الله، دلالة جليّة وتعبيرًا عن استعداده الكيانيّ «للخدمة»، «لكيانه» الخادم: الله في خلقه للعالم يوجد «الآخر» ويضعه تجاهه. يأتي به من العدم إلى الوجود ويضعه إزاءه ليخدمه ؛ ليتعهّده، ليحمله ويقتاده إلى الغبطة، ليعمل كلّ شيء في سبيله. تاليًا الخلق في حدّ ذاته، خدمة وذبيحة. وهذا يظهر بخاصًّة في خلق الإنسان: حرًّا و«على صورة الله»، «مستقلًّا» إذا جاز القول، معرِّضًا الله، بل بالحريّ الله نفسه هو الذي يعرّض ذاته بالخلق لكلّ خيبات الأمل (عدم أمانة الإنسان وخياناته وجحوده)، هو الذي يهيئ صليبه منذ الآن. فالخلق يعني التعهّد، و«شرف» الله مرهون به، فيرتب عليه أن «يخدم» الإنسان حتّى النهاية، أن يتّخذه، « ويتألّم » من أجله ويُصلب. بالقدر الذي يستطيع فيه الإنسان أن يكفر بالله، الله، منذ البدء، مستعدّ لأن يكفر بذاته من أجل الإنسان.

استنتاج: يمكن القول إنّ «كيان» الله نفسه مرتبط في الخلق، في الخدمة وبذل الذات.

فهل هذا الارتباط «ضروريّ»، أنطولوجيّ؟ هل هو منذ البدء؟: «في البدء خلق الله السماء والأرض» يقول الكتاب. ومن هنا يخال أنّ الله مرتبط منذ البدء. غير أنّه في الوقت عينه متعالٍ على الكلّ، ويكفي ذاته بذاته، ولكنّه هو الذي يتنازل لأن يكون مرتبطًا، هو الذي يريد أن يكون كذلك. وهذا سيكون أوضح في عمليّة الفداء.

ج – في الفداء: ابن الإنسان يقول عن نفسه إنّه «آت ليخدم»، ويزيد موضحًا بأن «ليس ليُخدم»: أليس في هذا الإيضاح نيّة في التحديد؟ حياة المسيح كلّها على الأرض تظهره خادمًا مطياعًا، «في ما لأبيه»، من أجل خلاص الناس: تعليم، شفاء، غسل أرجل، صلب: الله في خدمة الإنسان.

ويوضح بولس الرسول بصورة رائعة «روح» هذا كلّه، مظهره «الكيانيّ» إذا شئتم: «ليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع: الذي إذ هو في صورة الله لم يكن يعتدّ مساواته لله اختلاسًا، لكنّه أخلى ذاته آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه البشر وموجودًا كبشر في الهيئة فوضع نفسه وصار يطيع حتّى الموت» (فيليبّي ٢: ٥ – ١١). الله، في يسوع المسيح، يتجرّد من لاهوته، «ينزل» من ذاته، يتعرّى. يتّخذ وضع المخلوق، المتعرّض لكلّ ضعفات الطبيعة البشريّة، للتقلّبات الجويّة، للجهل[1]. إنّه هو الذي يريد ذلك، هو الذي بسلطانه يتخلّى عن كلّ سلطان، وعن كلّ مجد، ويغسل أرجل تلاميذه. ويظهر الصليب بصورة واضحة في الإنجيل كامتداد لغسل الأرجل.

استنتاج: يسوع يخدم حتّى الموت… إنّه الكائن المستعدّ لأن يتخلّى عن الكيان فيما لو أمكن ذلك لكيما يخدم.

   د – في عمل الروح القدس الدائم، الذي هو ثمرة الفداء، تستمرّ خدمة المسيح، خدمة الله، أبدًا، «بصورة خفيّة» متنكّرة تقريبًا. الروح القدس الملهم، المعزّي والمحيي من الداخل، نفخةً حميميّة تعتنق نفسنا، لمحوٌ بصمت ومجهول في أغلب الأحيان. فهل يجب أن نرى في هذا الامّحاء الفاعل نوعًا من «منتهى الكيان»؟ لهذا الامّحاء، في كلّ الأحوال، ميزة كيانيّة فريدة ولا شكّ. وهنا تبدو «الخدمة» أو تظهر كأنّها كلّ «الكيان».

   استنتاج: يبدو الروح القدس وكأنّه ليس موجودًا إلّا ليخدم – وذلك حتّى درجة عدم الكيان (ظاهريًّا) إن أمكن. إنّه الكيان ينسحب ليخلو المكان للخدمة فقط.

٢ – الخدمة والكيان في الإنسان:

أ – الإنسان المشترك في كيان الله، يشترك أيضًا «بالخدمة» التي لاحظناها في الله.

في التوراة عبارة «خادم يهوه» (أو عبد يهوه) لقب شرف، يُعطى لمن يشارك في تتميم قصد الله: فموسى وداود وإبراهيم ويشوع… هم خدّام لله. العذراء هي «أمة الربّ». في التوراة الخطيئة تساوي رفض الخدمة. والمسيح الإنسان هو «الخادم الامين» على الوجه الأكمل… فالإنسان إذًا مشارك لله في الخلق إذا جاز القول. الإنسان بعد المسيح ومع المسيح يصنع خلاص العالم، يصنع التاريخ.

ب – الطابع العامّ لهذه الخدمة: نوع من التوتَّر.

رأينا أعلاه أنّ الإنسان، في حياته على الأرض، مدعوّ ليخدم، ليشارك الله، ليكون على صورته. لكنّنا نشاهد أنّ الإنسان، في حياة الخدمة التي هي حياته، متوتّر بشكل ملحوظ. توتّر جليّ جدًّا، نوع من حمّى، يميّز خدمته، ويتأثّر به وجوده وكيانه. إنّه توتّر «خارجيّ» أوّلًا، إذا جاز القول: الإنسان في عمله «ممدود» في اتّجاه معيّن، نحو «أخرويّة» بعيدة، لخدمته هدف بعيد. لكنّه أيضًا توتّر داخليّ، نوع من واجب ملحّ مفروض علينا ضميريًّا، وعلى إنجازه سوف نُدان. تذكّروا الدينونة في متّى الإصحاح ٢٥: «كنت جائعًا، كنت مريضًا، عريانًا، محبوسًا…»، وأيضًا القدّيس بولس الرسول والبشارة المفروضة عليه كضرورة: «ويل لي إن لم أبشّر» (١ كو ٩: ١٦).

ج – هل هذا التوتّر ملازم للكيان (أم للخدمة)؟

السؤال الذي يُطرح هنا هو معرفة ما إذا كان التوتّر المرافق للخدمة ملازمًا لها من الداخل وبصورة نهائيّة، وتاليًا إذا كان ملازمًا للكيان، أو على العكس ظرفيًّا ونسبيًّا. نستطيع أن نجيب فورًا بكلام المسيح لتلاميذه: «لا أعود أدعوكم عبيدًا بل أحياء». تاليًا يبدو بالنتيجة –  بل حتّى منذ هذه الحياة (لأنّنا مبدئيًّا نعيش الحياة المنشودة منذ هذه الدنيا)- أنّ توتّر الخدّام يجب أن يزول: «لا أعود أدعوكم عبيدًا»، وهذا ما يعيدنا إلى سؤالنا الرئيس الذي هو معرفة ما إذا كانت الخدمة ذاتها مدعوّة لأن تستمرّ في حياة الإنسان أم لا، إذا كانت وجهًا أساسيًّا أم غير أساسيّ للكيان.

   ولكن قبل كلّ شيء لماذا التوتّر في حياة الخدمة؟

الخدمة عند الإنسان هل هي مجرّد تعبير، ترجمة عن الحبّ، أو هي أيضًا، وبالحريّ، وسيلة، طريق لامتلاك الحبّ؟ بعبارات أخرى هل هي فقط مظهر للكيان، أو هي أيضًا طريق نحو الكيان، نحو مزيد من الكيان؟ أليس في ذلك سبب التوتّر: نوع من حركة جدليّة بين الكيان والخدمة؟ أعني الاستعداد للخدمة المنبثق من الكيان من جهة، وتحقيق الشخصيّة مع حركة النموّ حتّى قامة الله من جهة أخرى؟ وإذا كانت الخدمة طريقًا نحو الكيان، فهلّا يجب أن يتخطّاها المرء يومًا ما في الكيان؟

سوف نحاول أن نرى كيف أنّ الخدمة عند الإنسان هي أوّلًا تعبير عن الكيان ثمّ طريق نحو الكيان، وأخيرًا كيف ينبغي أن يتخطّاها المرء في الكيان.

د – الخدمة كمظهر للكيان أو تعبير عنه:

الخدمة هي شيء مسجّل أصلًا ومحفور في طبيعتنا. لنتذكّر البُعد الجماعيّ للشخص في الثالوث الأقدس، والذي هو واضح أيضًا أنّه بعد من أبعاد الإنسان. فالإنسان يعيش تجاه الآخر، نستطيع ان نقول «لأجل» الآخر؛ حياته عمليًّا تمرّ عبر الآخر. ولقد وعد الله في المزمور بالحياة الأبديّة، وتاليًا بالحياة الصحيحة، بالحياة الحقيقيّة، للإخوة الساكنين معًا، أي المتعاضدين والحاملين بعضهم بعضًا، الخادمين بعضهم البعض. وعلى الصعيد النفسيّ: الإنسان عندما يرفضه الناس في شيخوخته أو عجزه يتألّم في «كيانه المتّجه لخدمة الآخرين»، وهذا الألم غالبًا ما يجعله يقول: «إنّهم يرفضونني، إنّي عاجز، لا أنفع لشيء». إنّه يشعر بألم الفراغ.

على الصعيد الاقتصاديّ يظهر أكثر فأكثر أنّ الاقتصاد البدائيّ لم يكن قائمًا مثل الآن على نفسيّة تعتمد حساب التوفير. يُقال إنّ البحّاثة العصريّين في خصائص الشعوب متّفقون فقط على نقطة واحدة سلبيّة: هي غياب باعث الكسب، غياب مبدأ العمل المأجور، انعدام مبدأ بذل المجهود الأدنى، وأخيرًا انعدام كلّ مؤسّسة منفصلة ومتميّزة، قائمة على أسباب اقتصاديّة وحسب، بل يبدو أنّ الدعوة إلى العمل وتقسيمه في جزر Trobriand مستندان إلى نظام معقّد قائم على تبادل الهدايا (هذا الحدث لاحظه Malinovsty). وقد عُمّم هذا النظام علميًّا في مفهوم «الهديّة»، وهو مفهوم يحدّد الكنه النفسيّ للاقتصاد البدائيّ حيث «الهديّة» تؤلّف القاعدة الأساسيّة للاقتصاد البدائيّ في مجمله. (ولقد قيل إنّ التبادل غير الاعتياديّ للهدايا في عيد الميلاد في أميركا الرأسماليّة إنّما هو نوع من «طقس» سنويّ، من عودة إلى النفسيّة البدائيّة للهبة، بغية التعويض وإبطال نفسيّة الكسب المعمول بها طوال السنة).

الإنسان إذًا، أصلًا، «بحاجة» إلى أن يخدم. أساسًا رفض الخدمة خطيئة اجتماعيّة: يقول القدّيس بولس «من لا يشتغل يجب ألّا يأكل». وبالعكس كريم للإنسان أن يخدم؛ بالخدمة ترتبط كرامة داخليّة عميقة (لنتذكّر يسوع المسيح غاسلًا أرجل تلاميذه). ثمّ في الخدمة فرح حقيقيّ (مظهر الإرغام «والعبوديّة» في الخدمة يتأتّى من الخطيئة ومن انعكاس القيم الذي ينتج منه). هذا الفرح، هذه الكرامة، هذه الحاجة إلى الخدمة، تُظهر الخدمة كتعبير عن كياننا. كلام المسيح إلى تلاميذه يؤكّد هذا بشكل بليغ: «من أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا، ومن أراد أن يكون فيكم أوّلًا فليكن لكم عبدًا على حذوِ ابن الإنسان » (متّى ٢٠: ٢٦). نحن «مرسلون» لنخدم: «كما أرسلني الآب، كذلك أرسلكم أنا». والخدمة، من جهة أخرى، تعكس وحدة الجسد الواحد، تُظهر أنّنا أعضاء في جسد واحد. إنّها التعبير عن الكيان المنفتح، المتّجه نحو الآخر والمتّحد معه، الناسي ذاته فيه، التعبير عن البعد الجماعيّ للشخص.

هذا الاستعداد للخدمة المسجّل في كياننا هو «استعداد»، وتاليًا يجب أن يُستثمر، وأن يُستعاد إلى حدّ ما أيضًا (بسبب أنانيّة الخطيئة التي طمسته). لذلك الخدمة هي أيضًا طريق نحو الكيان.

  ه – الخدمة كطريق نحو الكيان:

الإنسان في سيرٍ نحو الكيان لأن ليس له حياة في ذاته، من ذاته؛ حياته ليست كاملة، تامّة، فهو يتقبّل الحياة باستمرار، إنّه مشدود نحو الحياة، مدعوّ إلى النموّ، ولكن، «الذات» حمل ثقيل، عبء، إنّها تشكّل حاجزًا بيننا وبين الله، بيننا وبين ملء الحياة. غير أنّ الذات، بواسطة الخدمة تنفتح، «وتنزل من ذاتها»، تُخلي مكانًا. بالخدمة تستقيم الذات وتوجد بأصالة. إرادة التسلّط الجانحة التي نكتشفها فينا، إنّما هي في الحقيقة حاجة وضرورة فينا لتحقيق الذات. إنّها تظهر أوّلًا كمستبدّة لكنّها إذا رُوحنت تتحوّل إلى ضرورة لتخطّي الذات. وبتخطّي الذات نحقّق أنفسنا. هذا هو طريق الخدمة، الطريق نحو الكيان.

لا حاجة إلى القول إنّ، في هذه الطريق، المظهرَ الصراعيّ، النسكيّ، النضاليّ، مظهرٌ أساس. إنّه مظهر الصليب: الصليب عند الإنسان مرتبط بالكيان. وهذا ينتج بشكل بليغ من حدث غسل الأرجل الذي يولجنا إلى الصلب، والذي فيه يدعونا المسيح بشكل صريح إلى أن نتشبّه به (مشهد غسل الأرجل إنّما هو مشهد تصويريّ لانسحاق الله الذي يخلّصنا، إنّه سرّ الله الموضوع في متناولنا إذا جاز القول في هذا المثال المتواضع الذي انطلاقًا منه ينفتح الأفق الإلهيّ). فإنّ غسل الأرجل يُدخل إلى الحديث بعد العشاء السرّيّ، إلى «الوصيّة الجديدة» التي أبانها يسوع أوّلًا بمثله على العشاء، ثمّ كمّلها مباشرة بعد ذلك على الصليب. وإصرار يسوع المؤثّر في خطابه الوداعيّ ينجم عن كونه يريدنا أن نحيا، وعن كون الحياة  تنساب بالضبط من الصليب، حيث تأخذ الخدمة من دون شرط أو حدّ شكلها الأسمى الأخير.

فإذًا لكي نحيا يجب أن نخدم. هذا هو الطريق لكيما نكون. ولأنّ الله كائن يستطيع أن يخلي ذاته حتّى اتّخاذ ما لنا. لأنّه كيان وفيض لامتناهٍ من الكيان يستطيع أن يخرج من ذاته ويفرغها (يقول الكتاب). أمّا نحن فلأنّنا لسنا «كيان»، يجب علينا أن نتفرّغ من «ذواتنا»، أي من شبه الكيان الذي لنا. وإذا ما، في نوع من السرّ، تفرّغنا من ذواتنا اقتداءً بيسوع، ولجنا الكينونة. إنّه الطريق العكسيّ لطريق الله: طريق العودة، وراء يسوع، «رئيس إيماننا».

اقتداؤنا بيسوع لا يقتصر إذًا على أن يكون مجرّد اقتداء، موازاة خارجيّة. إنّه تمثّل وتحوّل إلى يسوع، تحوّل مطّرد، متزايد، مسيرة داخليّة للكيان كلّه نحو ملكوت الله الحقيقيّ. من طريق الخدمة المتواضعة، والنسك اليوميّ، نسك غسل الأرجل، بروح المسيح والاتّحاد معه نرتضي بأنّ «ما ينبغي أن يموت فينا يموت»، أمّا نحن فنقوم إلى الحياة.

كتاب تعاليم الرسل يدعو هذا بحقّ «طريق الحياة». ويدعوه غريغوريوس النزينزيّ وسيلة التألّه: «تشبّهوا بصلاح الله. ما هو إلهيّ عند الإنسان هو أن يعمل الصلاح. لقد أعطي لنا أن نكون آلهة من دون جهد، فلا تضيعوا فرصة التألّه هذه». كأس الماء البارد المقدّم لنبيّ ينال «أجر نبيّ» يقول الإنجيل. أي أنّ ذاك الذي يقدّمه يصير على نحو ما نبيًّا. ولكن لكي تكون الخدمة طريقًا نحو الكيان يجب أن تتمّ بتواضع، أي يجب أن يقوم بها المرء حقيقة «كخادم»، كعبد. يجب أن يحسّ المرء بضعة الإنسان الحقيقيّة، بوضعه الوضيع. عندما نرى صدور كتب بعنوان «المجد والقداسة والخلاعة شيء واحد» ونفكّر بكلّ ما يكتشفه التحليل النفسيّ من آثام «وأوساخ» في الإنسان، هذا يساعدنا على أن نحسّ حقيقة بذلك الوضع الوضيع، يساعدنا على أن «نتّخذه» في خدمتنا لكيما نتخطّاه من الداخل.

ويجب أن يخدم المرء أيضًا حبًّا بالله، أي طلبًا لله، وليس لأجل الأجر على غرار عمّال الساعة الأولى. وهنا أفتكر بمريم المجدليّة التي أتت تطلّب مجانًا جسد المسيح لكي تكفّنه. وأفتكر بهذا على ضوء متّى ٢٥: « كنت أنا جائعًا، عطشان… ». أي لأنّ المسيح كان شخصيًّا وراء كلّ مخدوم، فمريم المجدليّة عندما طلبت أن تكفّن جسدًا ميتًا وجدت المسيح. «من يطلب يجد» أو «من يخدم يجد»، من يطلب أن يخدم الإنسان يجد الله. هناك ارتباط بين الخدمة ووجود الله أي الكينونة.  ويجب أن يخدم المرء أيضًا بإخلاص وأمانة، بشكل كلّيّ، حتّى النهاية: لأنّه لا يمكن خدمة «سيّدين». الخدمة بإخلاص وأمانة تقود إلى توحيد الذات، إلى تحقيقها. لا أذكر أيّة قدّيسة كانت تقول «أودّ أن أكون قد قمت بواجبي». فالخدمة إذًا تعبير عن الحبّ، لكنها أيضًا طريق نحو اكتساب الحب، اكتساب الكيان.

 و – الخدمة متخطّّاة في الكيان:

السؤال الاخير الذي يُطرح أمامنا هو التالي: الخدمة وتوتّر الخدمة هل سيستمرّان أبدًا؟ هل ترتبط الخدمة دومًا بالكيان، هل هي وجه أساس للكيان؟

الجواب عن هذا السؤال عسير حقًّا. يمكن القول بدون شكّ إنّه، ضمن النطاق الذي تكون الخدمة فيه تعبيرًا عن الحبّ (مظهرًا له أو طريقًا إليه) وطالما أنّه يوجد ضرورة لهذا التعبير، تبقى الخدمة ضروريّة. ولكن في احتمال أخير ألا تكون الخدمة متخطّاة ومبتلعة من الحبّ ذاته – الذي سيكون الكلّ في الكلّ؟ قال المسيح لتلاميذه: «لا أعود أدعوكم عبيدًا بل أحبّاء». يخال إذًا أنّ الخدمة كخدمة، يجب أن تُتخطّى في النهاية (وحتّى منذ الآن في موقفنا الداخليّ) تُتخطّى في المحبّة، بل في العبادة، نهاية كلّ نشاط للإنسان وغاية حياته. خدمتنا لله تساوي عبادته. كلمة عبد لها الأصل ذاته الذي تشتقّ منه كلمة عَبَدَ وعابِد. يقول أحد الأناشيد الكنسيّة: «نخدم الله فنسود ونملك». هذا يعني أنّ عبادة الله هي الملك والسيادة (هي أن أكون)، وهكذا تصبّ الخدمة في الكيان، وتبتلع منه.

لقد قلنا إنّ الخدمة يجب أن تُتخطّى، من الداخل، منذ هذه الدنيا. مفهوم «اللعب» قد يوضح هنا ما نريد قوله. الخدمة مرتبطة باللعب. ليس اللعب بالمعنى الصبيانيّ، ولكن بمعنى الانسلاخ، الجوّ الحرّ والسهل، البشاشة، كوننا أولاد الله، أبناء حياة. الأولاد يخدمون وهم يلعبون، يلعبون لعبة الخدمة. الخدمة عندهم لعب، مصدر للفرح. هكذا يجب أن نخدم، في موقف الحياة الأبديّة، في تخطٍّ مستمرّ للذات، تستمرّ حياتنا، حتّى في المآسي، منتعشة ومهوّاة «باللعب» بالثقة التي لأبناء الله. الإنسان ليس إله ذاته، ولذلك يستطيع أن يخدم وأن يعيش وهو يلعب كما في الجنّة. كان آدم يشتغل في الجنّة بفلاحة البستان وحراثته. وكان يصنع ذلك في التمتّع بالله، في اللعب. كانت الخدمة متخطّاة في العبادة. وفقط بعد أن أراد الإنسان أن يكون الهًا لذاته وفد عليه عرق الجبين، الحمّى والتوتّر.

الخدمة في ضوء ذلك، تتضمّن نوعًا من التسامي فوق الذات. قيام المرء بالخدمة كقيامه باللعب هو قيامة بها خارجًا من ذاته، متجاوزًا ذاته، متساميًا، غير حاسب لنفسه حسابًا، حرًّا، معتقًا من ذاته. هذا هو معنى قول المسيح لتلاميذه: «احسبوا أنفسكم عبيدًا بطّالين»، أي كأنّكم لم تخدموا، لكون الخدمة ما عادت خدمة، بل أضحت متخطّاة، متجاوزة في محبّة الله. والإنسان يستطيع أن يتجاوز ذاته على هذا النحو لأنّه أعظم من ذاته: إنّه على صورة الله، ولذلك هو أعظم من ذاته.

قال المعلّم إكهارت: «هناك حيث ينتهي المخلوق، يبدأ كيان الله»، وما يطلبه من تلميذه هو أن «اخرج من ذاتك على قدر ما أنت مخلوق، ودع الله يكون إلهًا فيك». عندما ينفصل المرء هكذا عن ذاته، ويخلوها، ويفرغها، تظهر إذ ذاك حقيقة تتجاوز كلّ حقيقة وجوديّة؛ تظهر قوّة تغيّر الإنسان وتحرّره من ثقل متطلّبات الأنا، فيصبح خادم حقيقة أخرى. وعند ذاك تُتخطّى الخدمة في العبادة، في نصيب مريم «الذي لم ينزع منها»، في الكيان.

وهنا يجب أن نضيف، وهذا أمر أساس، أنّ هذا كلّه لا يمكن أن يحدث بواسطة مطلق سعي بشريّ: إنّه عمل الروح القدس؛ فيجيب علينا فقط أن ندعه بعمل، أن نستسلم له بإخلاص، والخدمة تتحوّل إلى كيان.

 استنتاجات:  في ما يلي بعض الاستنتاجات العمليّة أو بالحريّ التوجيهات العامّة الناتجة مما سبق.

١ – على الصعيد النفسيّ:

إذا لم تكن الخدمة وجهًا أساسيًّا (أبديًّا) للكيان، فهذا يؤكّد ملاءمة موقف التجرّد في الخدمة: ينبغي القيام بالخدمة بصورة مرحة، كما في اللعب (مع بذل الذات بصورة كاملة وعميقة)، بدون حمّى أو انفعال وهوى؛ ينبغي تجنّب خطر العمل لأجل العمل، وفي مستوى هذا الدهر وحسب.

   ٢ – على الصعيد الاجتماعيّ والتاريخيّ:

لا نقتصرنّ في الخدمة على البعد الأفقيّ. بدون البعد العموديّ (بُعد العبادة) تبقى الخدمة خالية من المعنى بالنتيجة. صحيح أنّ الأخرويّة «أفقيّة»، واقعة في نهاية الأزمنة، ولكن ما يجعلها أخرويّة، تُوجِّه موقفنا الداخليّ العميق، منذ الآن، هو بالضبط البعد العموديّ. يجب أن نصنع التاريخ، لكن لا يمكن صنعه جيّدًا إلّا إذا كنّا غير غارقين فيه بصورة كلّيّة، إذا كنّا «غرباء» عنه نوعًا ما.

   ٣ – على الصعيد الروحيّ:

قلت سابقًا إنّنا لسنا نحن الذين نعمل، في آخر المطاف، بل الروح القدس، فينبغي ألّا يغرب هذا عن بالنا أبدًا.

٤ – كلمة أخيرة بخصوص دور الخدمة كطريق نحو وحدة المسيحيّين أو بالحريّ نحو وحدة الناس أجمعين.

لأنّه في الأيّام الحاضرة وأخرويًّا (ولعلّ هذا شيء واحد) كلّ شيء يتّجه نحو وحدة الناس، أو كلّ شيء ينبغي أن يتّجه إليها رغم العداوات المتنوّعة، وعلى المسيحيّين أن يؤدّوا شهادة ملموسة في هذا المجال. هناك واقعيّة أكيدة في شهادة الخدمة المطلوبة منّا، كما أنّ هناك واقعيّة أكيدة في اتّحادنا بالله. إذ ما هو الحبّ الذي لا يتجسّد، الذي لا يصلب؟ إنّها شهادة حقيقة حبّنا الفعليّ ينتظرها العالم، الحبّ العامل، المصلوب، غير المفهوم والمشعّ: شهادة غسل الارجل، يمكن القول، مع المغالاة قليلًا، إنّ مشهد غسل الأرجل في إنجيل يوحنّا إنّما هو نوع من تمهيد لتضرّع المسيح اللاحق: «ليكونوا واحدًا كما نحن واحد». فلعلّ غسل أرجل الواحد للآخر، على الصعيد العمليّ، يجب أن يكون سابقًا للوحدة؟ أليس هو المدخل الوحيد المعقول في المنطق الغريب للمسيح الإله؟ لعلّ هذا هو الدخول من الباب!

وفي الختام نلخّص ونقول: الخدمة، التي هي مظهر للكيان وإذا جاز القول تجسّد للكيان أو حركة للكيان، تقود إلى تفتّح الإنسان، وإلى المحبّة والوحدة بين الناس، وتاليًا إلى كيان أوفر وإلى حقيقة وأصالة أعظم في الكيان؛ وإذ تصل الخدمة هكذا إلى نوع من «ملء» الكيان (الذي هو فقط «حالةٌ» من الملء)، تصبح عندئذٍ متخطّاة في العبادة، في العبادة الواثقة «والمستسلمة» لينبوع الكيان، في الروح القدس، بحيث إنّ الكيان يبقى عند الناس، في جوهره، حركة وتوقًا لا نهاية لهما نحو الله.

 

المرجع: مجلّة النور، ١٩٧٣.

[1]  دون الخطيئة.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share