الخطاب الذي ألقاه رئيس مركز اللاذقيّة الأخ مرسيل مرقص في الاجتماع العامّ المنعقد في ٢١ أيّار السنة ١٩٤٤

mjoa Monday August 17, 2020 301

أصدقائي الأعزاء،

ليست حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة غاية بل وسيلة وحسب، وأمّا السبب في وجودها فلكي يزول الانحطاط الدينيّ الذي أوجب هذا الوجود، وإنّه لزائل عندما نصبح نحن الأرثوذكسيّين الضعفاء ذوي روح أرثوذكسيّة تملأنا الأرثوذكسيّة. أجل، غايتنا أن نفهم الأرثوذكسيّة.

لكن يا أعزّائي «هذه ميزة الأرثوذكسيّة أنّها لا تكتسب بالتقليد ولا تقتبس من الكتب»، إنّما ينبغي أن يشعر بها المرء ويحياها. الأرثوذكسيّة كبيرة وقريبة إلينا تتسامى إلى اللانهاية وهي في آن واحد عظيمة غير متناهية الجمال. الأرثوذكسيّة روح المسيح.

الأرثوذكسيّة روح المسيح ليست ضيّقة، هي رحبة حتّى اللانهاية متفهمّة للغير محبّة. ما للأرثوذكسيّة ولتوزيع غفرانات وتكديس الاستحقاقات وكيل النعم. لا تطلب إلى المسيح أن يقيس خيراته بمقتضى صغريات أعمالنا، هي تعلم أنّ رحمته لا تقاس إلّا برحمته نفسها، لا تضبط الأرثوذكسيّة حسابات روحيّة فهي لا تقيم في عطائها وزنًا للحساب كما أنّ المسيح هو أيضًا لا يقيم في عطائه للحساب وزنًا.

الأرثوذكسيّة لا تفرض أمرها فرضًا، ليست حذافيريّة ولا متسلّطة، لا تعرف سلطانًا ولا نيرًا ولا حملًا سوى سلطان المسيح ونيره وحمله الحقيقيّة. «لفظة السلطة عندها إذا أطلقت على سيل النعم الغزير الذي هو الكنيسة ترنّ رنّة السخرية». أمّا الكنيسة بنظرها منظّمة خارجيّة بالنسبة إلى المؤمن والمسيح لإخفاء هذا وسحق ذاك بل جسم حيّ إذا تغلغل فيه المسيحيّ وجد المسيح والحياة فيه». الأرثوذكسيّة روح المسيح لا تلزم إلزامًا بل تحبّ وتستهوي لأنّ المسيح هو أيضًا لا يلزم إلزامًا بل يحبّ ويستهوي.

الأرثوذكسيّة لا تردّ الأمور إلى هياكل معيّنة ولا توحّد أشكالها. ليست متصلّبة ولا مصطنعة وما هي ببرج يقام بحجارة موحّدة الشكل، وبإزميل لا يتوانى لتخضع لشكل منسجم. هي عفويّة وسهلة. أمّا خدمها الدينيّة التي تسطع فيها عفويّتها فليست من الأبّهة في شيء ولا مسرحيّة بل حقيقة رمزيّة من نعمة وصلاة.

وكم يجب نحن علينا أن نتفهّم عفويّة صلواتنا. خذوا لكم هذه الصلاة مثلًا: «يا من في كلّ وقت وكلّ ساعة في السماء وعلى الأرض مسجود له وممجّد المسيح الإله الطويل الأناة الكثير الرحمة الجزيل التحنّن الذي يحبّ الصديقين ويرحم الخطأة الداعي الكلّ إلى الخلاص بموعد الخيرات المنتظرة. أنت يا ربّ اقبل منّا في هذه الساعة طلباتنا وسهّل حياتنا إلى العمل بوصاياك، قدّس أرواحنا، طهّر أجسادنا، قوّم أفكارنا، نجّنا يا الله من كلّ شرّ ووجع، احفظنا بملائكتك القدّيسين حتّى إذا ما كنّا بمعسكرهم محفوظين ومرشدين نصل إلى اتّحاد الإيمان وإلى معرفة مجدك الذي لا يدنى منه فإنّك مبارك إلى الأبد. آمين.»

هذا بسيط وطبيعيّ ومظهر من مظاهر الأرثوذكسيّة روح المسيح لأنّ المسيح كان بيننا هكذا بسيطًا غير متكلّف.

الأرثوذكسيّة متواضعة. هي احتفظت بخاصّة بصورة المسيح الوديع والمتواضع، حمل الله الذي حمل خطايا العالم والذي جاء ليخدم لا ليخدم، الذي احتمل الإهانة والعار غير متذمّر فقابلهما بالمحبّة. ولذلك فالقداسة التي تبحث عنها الكنيسة ظهرت لها بخاصّة بصورة التواضع وبأقصى درجة من نكران الذات. ما حفظته الروح الأرثوذكسيّة هو كيان رجال الله والذين لا مأوى لهم والمتبالهون في المسيح الذين أنكروا العقل البشريّ وقبلوا مظهر البله حتّى يقاسوا طوعًا الإهانة والاحتقار محبّة بالمسيح. الأرثوذكسيّة متواضعة ومن يعرف صلاة التوبة التالية يعلم ذلك:

«أيّها الربّ وسيّد حياتي أعتقني من روح البطالة والفضول وحبّ الرئاسة والكلام البطّال، وانعم عليّ أنا عبدك الخاطئ، بروح العفّة واتّضاع الفكر والصبر والمحبّة، نعم يا ملكي وإلهي هب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وألّا أدين إخوتي فإنّك مبارك إلى الأبد. آمين»

الأرثوذكسيّة متواضعة لأنّ المسيح قال: طوبى للمتواضعين وكان وديعًا ومتواضع القلب. الأرثوذكسيّة لا تنعزل ولا تعتصم في برجها العاجيّ. ليست منفصلة عن العالم المسيحيّ بأسره بحاجز حكم مطلق ينبغي الاعتراف به قبل كلّ شيء. يمكنها أن تتبادل مع العالم المسيحيّ بأسره الصلات بكلّ حرّيّة وإخلاص. وهي باقية أبدًا ذاتها. تساهم بالمؤتمرات المسكونيّة لاتّحاد الكنائس ولا تضع آمالها في جهود البشر وغيرة أعضائها التبشيريّة لتحقيق هذا الاتّحاد، بل في قوّة الروح الساكن فيها الذي يهدي الشعوب إلى الوحدة تلك التي لا وجود لها إلّا في الأرثوذكسيّة. اليوم تبحث الشعوب عن الأرثوذكسيّة من حيث لا تدري ولكنّ الشعوب سيجدونها لأنّه مكتوب اطلبوا تجدوا.

لا بغضاء في الأرثوذكسيّة. الأرثوذكسيّة الحقّ لا تعصّب فيها لأنّ التعصّب حقير دنيء ينبعث من الأسفل. أمّا الأرثوذكسيّة فرحبة سامية تنبعث من فوق. قال المطران بنديليمون أحد أساقفة اليونان في زيارته للحركة في بيروت: «عليكم أبدًا بفصل الأشخاص عن أعمالهم، أحبّوا الأشخاص واكرهوا سيّئاتهم. عندما تعودون مريضًا تشعرون بروح العطف والمحبّة نحو المريض وبكراهية نحو المرض. أمّا السيّد المسيح عندما زار الإنسانيّة المتألّمة وقد أضناها المرض فأبغض المرض وأحبّ الإنسانيّة».

الكنيسة الأرثوذكسيّة هي كلّ هذا وأكثر من هذا بكثير. وكما قال عنها أحد القسس البروتستانت في مجلّة إيرينيكون اللاتينيّة: «إنّها كنيسة لا يستبدّ كهنتها بشعبها[1] وليست تدّعي إصدار الأوامر لحملة السيف وحسب، ولكنّها حتّى في الأخلاق توحي ولا تفرض. هي كنيسة تحترم الدولة ومملكتها ليست مطلقًا من هذا العالم وليس رؤساؤها أمراء بل بالحريّ ملائكة يحرسون وليس مؤمنوها رعايا مسوسين بل بالحريّ أعضاء عاملين».

بهذه الكنيسة نسألكم أن تساهموا أيّها الأصدقاء الأعزّاء. ندعوكم إلى أن تشتركوا في مجرى الحياة هذا بهذا الموج الزاخر بالنعم. تفهّموا طقوسكم الجميلة الملهمة. اغترفوا من معين أسراركم المقدّسة عيشوا ديانتكم. بهذا الثمن وحسب نتمكّن من أن نوصل رسالتنا الكبرى الواقعة على عاتقنا إلى الغاية المحمودة. بعد رقاد أربعة قرون بل أربعة قرون من الموت الظاهريّ يجدر بنا أن نأتي باليقظة والحرارة والحياة. وليس من الأمر السهل إعطاء اليقظة بعد أربعة قرون من الجمود. هل يكون ذلك في مقدورنا إن لم نكن نحن أحياء. إنّما نحن بحاجة إلى «عنصرة» جديدة لكلّ منّا حتّى إذا ما كنّا جهلاء تتبدّد جهالتنا وإذا ما كنّا ضعفاء يتحوّل ضعفنا إلى قوّة، أم جبناء يصبح جبننا شجاعة وحرارة وحماسة. وكما جاء في إنجيل اليوم نبصر بعد عمى ونؤمن بعد يأس، سنجثو ونعبد ثمّ ننتقل إلى العمل ونحن أقوياء بأنفسنا وبالله لمجده تعالى.

في هذا العمل الذي يتطلّب الكثير من الإيمان والكثير من المثابرة لسنا منفردين. ها إنّ المسيحيّة الأرثوذكسيّة جمعاء تتحرّك اليوم، وها إنّها بأجمعها تنتعش بنفحة الروح القدس. في كلّ مكان وفي سائر أقطار العالم فهم الناس ما فهمنا ويريدون ما نريد. لو كنتم تعلمون ما يجري من الأمور العظمى في أماكن أخرى في سائر الكنائس الأرثوذكسيّة في العالم. إنّه لإيمان عظيم يرتفع في كلّ صقع ورجاء كبير، لسنا سوى صوت من مجموعة هذه الأصوات وسوى موجة في هذا البحر، ولكنّ هذا الصوت صوت جميل وهذه الموجة موجة لا غنى عنها.

لأجل ذلك سنتابع عملنا من دون أن نجعل اليأس يتسلّل إلينا أبدًا، وسنكون نحن الأقوياء بمبادئنا والأشدّاء بإيماننا كالصوّان صلابة وسنكون بمحبّتنا كالعجين لينًا. آمين.

 

المرجع : مجلّة النور، العددان ١٢ و ١٣، السنة ١٩٤٦.

 

[1]  لا أثر فيها لما يسمّونه Cléricalisme

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share