النهضة كرجوع إلى الله

الأرشمندريت إلياس مرقص Monday August 17, 2020 15

للأرشمندريت إلياس مرقص

الكنيسة في واقعها البشريّ هي دائمًا دون حقيقتها الكاملة. ويجب دائمًا أن نتجاوز فيها ضعفنا البشريّ لننتقل إلى حقيقتها الكاملة. وهذه هي النهضة: إنّها ذلك السعي الدائم، ذلك الانتقال المستمرّ ممّا نحن عليه إلى ما يجب أن نكون.

الكنيسة ملح الأرض تكمل في العالم عمل المسيح. هي تعمل، بل هي موجودة، من أجل خلاص العالم. ونستطيع القول إنّها مركز الكون، فيها يتمّ مصيره. العالم يفسد ويشيخ أمّا الكنيسة فتتجدّد على الدوام من أجل خلاص العالم. ولكن إن فسد الملح فبماذا يملّح؟

الكنيسة جماعة قد آمنوا بالربّ يسوع واتّحدوا حوله ليعيشوا حياة الإنجيل، وحياة الله، وما همّهم إلّا اتّباع تعاليم الربّ والسير في خطاه. جماعة في العالم وللعالم ولكنّها في الوقت عينه ليست من هذا العالم. منذ البدء منذ صعود الربّ إلى السماء هي متّجهة إلى الدهر الآتي تنتظر عودة الختن السماويّ وتستعجله، ومنذ الآن تعيش في الأيّام الأخيرة، في ملء الزمان، «تستعمل هذا العالم كأنّها لا تستعمله، وتشتري كأنّها لا تملك».

ولكنّ كثافة الطبيعة البشريّة وضعفها يثقلان الكنيسة، إذ هي مؤلّفة من بشر. والهفوات والأخطاء والنواقص باقية ولا شكّ، وسوف تستمرّ ما دام البشر بشرًا. غير أنّ الربّ قد حمل كلّ شيء واتّخذه، فليس بالنتيجة من عائق.

الربّ يسوع فصح عبر حياتنا فطهّرها ونقلنا من الضعف إلى القوّة، ومن الفساد إلى الحياة. ولكي تبقى الكنيسة كنيسة. لا بدّ من أن تتبع الربّ وتلتصق به في فصح مستمرّ. في تجاوز ذاتيّ وعبور دائم من ثقل العالم وتجاربه العديدة المتنوّعة، إلى ظفر الربّ ونقاوة حياته الإلهيّة.

كلّ شيء في الكون في حركة وسير. الحياة النباتيّة والبيولوجيّة والاجتماعيّة، العلوم… كلّ شيء ينمو ويتكامل. فكم بالحريّ الحياة الروحيّة. هي سير ونموّ، امتداد لا حدّ له نحو لا نهائيّة حياة الله. ولذلك قيل: «من ينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت السموات».

تجارب هذا العالم عديدة متنوّعة، تتّخذ مظهر الشرّ كما تتّخذ مظهر الخير، وتتلخّص بالنتيجة كلّها. في أنّها توقف في العالم، توقف في الطريق، في الخروج والعبور والفصح، تعطيل لفصح إلهنا الأبديّ. الذهاب إلى الله سفرة لا نهاية لها، وكلّ توقّف فيها يصيّرنا إلى فساد العالم.

نحن نقتني الإيمان المستقيم، نبني الكنائس، نقيم الطقوس والصلوات، نعيّد الأعياد، لنا كلّ ثروة الأرثوذكسيّة، وغناها الليتورجيّ والروحيّ والنسكيّ… ولكنّ هذا كلّه، إن بقي خارجيًّا، طبعًا لا يكفي. لا شكّ في أنّ الذهاب إلى الله، هو في الأساس في سعي القلب الداخليّ، في كون الله إلهًا لنا، حيًّا، شخصيًّا داخليًّا، وقد قيل: «إن أردت أن تقتل الله فاقتل حياة الإنسان الداخليّة». لا ليست الكنيسة في الخارج بل في القلب وقد قال الكتاب: «من لا يتأمّل في قلبه لا علم له ولا فهم» (أشعياء ٤٤: ١٩). نحن نعلم ذلك لكنّنا بفعل العادة والزمن، كثيرًا ما ننساه. نعلم أنّ الكنيسة ليست في الحجارة، ولا في التراتيل، ولا في المؤسّسات والمظاهر، ولكنّ جمالها كلّه من الداخل. إن اكتفينا بالظاهر ولم نفهمه ولم ندخل إلى معناه الحياتيّ العميق، يصير الظاهر لنا أمرًا خارجيًّا مائتًا يحول بيننا وبين الله، بدلًا من أن يقودنا إليه. يتحوّل إلى قيمة مطلقة أو وسواس أو حجّة نتلهّى بها عن الله. ثمّ نخلط بين الظاهر والمجد الحقيقيّ غير المنظور ناسين قول الكتاب: «في ذلك اليوم يصير مجد يعقوب سخيفًا» (أشعياء ١٧:٤).

أمّا إذا تجاوزنا المظاهر وأردنا العيش والدخول إلى الجوهر، فهناك إنجيل يجب اتّباعه. هناك تعاليم ووصايا إلهيّة، تركناها من أجل تعاليم الناس، لم نتركها فقط، مع الأسف، بل كثيرًا ما نستخفّ بها ونستخفّ بمن يحفظها. منطق العالم هنا، منطق المال والشهوة، وتعظّم المعيشة يطغى على حياتنا كلّها. لا ليست الكنيسة في سماع الإنجيل بل في تطبيقه. إن كنّا لا نحفظ عفّة ولا فقرًا ولا وداعة ولا رحمة فأين هي الكنيسة؟ إن كنّا لا نبتغي البرّ ولا ننقّي القلوب، ولا نصنع سلامًا، بل ننهش بعضنا بعضًا، فأين هي الكنيسة؟ الأمر صعب وغير مجدٍ؟ ولكن هل حاولنا؟ هل اختبرنا عمليًّا وصايا الربّ حتّى النهاية لنذوق حلاوتها وفعاليّتها، أم فضّلنا مرارة ملذّات العالم وفراغها حتّى النهاية؟ لقد أكّد الرب كثيرًا على حفظ وصاياه، وألحّ في الوداع إلحاحًا مؤثّرًا، إذ كان عالمًا أنّ «رئيس هذا العالم» سوف يسود القلوب، إن كنّا للربّ لا لرئيس هذا العالم، أفلا تبدأ أمانتنا له من هنا؟ أفلا يستحقّ الربّ أن نثق بكلامه ونحاول فنعمل بوصاياه لتكون الطوبى لنا؟ «إن أحبّني أحد يحفظ كلامي، إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبّتي».

ولكنّ الكنيسة بالضبط ليست وصايا وفرائض بقدر ما هي محبّة الربّ والتماس وجهه. ولهذا نحن لا نفهم الوصايا، إذ نراها فكرة جافّة، فارغة من لبّها وطعمها. الفضيلة ليست في الأعمال، بل في حركة الحبّ التي ضمن الأعمال. هي عبر الاعمال في الاتّجاه نحو الربّ والالتصاق به والحنين إليه. كيف تكون الكنيسة وصايا وقد قال الربّ بلسان أشعياء النبيّ: «وصيّة على وصيّة ثمّ وصيّة على وصيّة، فرض على فرض ثمّ فرض على فرض. شيء من هنا وشيء من هناك.. لقد أبوا أن يسمعوا ولذلك سيكون كلام الربّ له وصيّة على وصيّة ثمّ وصيّة على وصيّة، فرضًا على فرض ثمّ فرضًا على فرض، شيئًا من هنا وشيئًا من هناك لكي يذهبوا ويسقطوا إلى الوراء فيحطموا ويصطادوا فيؤخذوا» (أشعياء ٢٨: ١٠- ١٣). والشاب الذي حفظ الوصايا منذ صباه قال له الربّ: «يعوزك شيء واحد». ذلك الشيء الواحد هو بعد المحبّة: أن نصبو إلى الربّ في القلب، ونبتغيه وحده.

هذا، أيّها السادة، ليس لأناس دون أناس. وإنّما النداء، وإنّما الدعوة إلى الجميع. كلّنا مدعوّون إلى محبّة الربّ محبّة حياة. حياة الكنيسة كلّها حياة دعوة: «قد افتديتك ودعوتك باسمك، إنّك لي» يقول الربّ لشعبه (أشعياء ٤٣: ١). وكما يقول بولس الرسول: «الأمر الذي نصلّي لأجله كلّ حين من جهتكم، أن يؤهّلكم إلهنا للدعوة ويكمل مسرّة الصلاح وعمل الإيمان بقوّة» (٢ تس ١: ١١). الشعب بدون دعوة وحبّ «شعب منهوب مسلوب» يقول الكتاب. الكنيسة لا وجود لها إلّا بالكنيسة المنظورة، بالناس المسيحيّين. ديانتنا ديانة التجسّد. فإن كنّا لا نجسّدها. إن كنّا لا نتبع الربّ فأين هي الكنيسة؟ «إنّ إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوّة» يقول الرسول (١تس ١: ٥) ولكنّنا بفعل المادّة أيضًا وتعاقب الزمن، كثيرًا ما نتّخذ الكلمات عوضًا من الحقائق، الظلّ عوضًا من الشخص فنخسر الربّ. قد نسمع الدعوة ونعمل شيئًا، قد نسير قسمًا من الطريق، قد نعطى نعمة الصلاة إذا طلبناها: يقول الآباء. ولكن إن لم نعمل كامل مشيئة الربّ يأتي يوم نكتشف فيه أنّ لا إيمان لنا ولا غفران. «الويل للإنسان الذي سمعته تفوق حقيقته» يقول الأب سلوانس. أمّا الربّ فيقول: «أنا عارف أعمالك، إنّ لك اسمًا أنّك حيّ، وأنت ميت. كن ساهرًا، وشدّد ما بقي الذي هو عتيد أن يموت، لأنّي لم أجد أعمالك كاملة أمام الله» (رؤ ٣: ١ – ٣).

لكي نتبع الربّ حقًّا لا بدّ من العنف والتخلّي عن الذات. لقد أتى يسوع ليصلب لا ليتكّلم. لو كان الكلام كافيًا لما كان يسوع قد صلب صلبًا. وقد قال «من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني». هذا الالتزام الكلّيّ، التزام الصليب، مؤلم ومعثر ولا شكّ. ولكنه الطريق الوحيد في الكنيسة. الألم هنا مخاض والمخاض ولادة أي وجود. لا وجود لنا في الكنيسة ولا وجود للكنيسة فينا وبنا بدون صليب الالتزام وآلامه. أمّا المقيمون فيبادون: «لقد ناموا نومًا ثقيلًا، يقول المرتّل، ثمّ لم يجدوا في أيديهم شيئًا» (مز ٧٢: ١٨). القضيّة قضيّة التزام حقيقيّ نغوص فيه. ولا نحبّ حياتنا حتّى الموت، التزام نخرق فيه جدار حرّيّتنا كما يخرق جدار الصوت: نتخلّى بحرّيّتنا عن حرّيّتنا لاتّباع الربّ، وحينئذٍ فقط يفتح أمامنا مجال اجتياح الفضاء.

هذا الالتزام الأقصى الذي يجعل الكنيسة كنيسة. هذا الالتزام من أجل كنيسة أنطاكية يستطيع أن يساهم فيه الجميع كلّ في مجاله وبيئته ومهنته، والآباء والبنون، حسب عطيّة الربّ. بل بمقدور الآباء أن يقدّموا أفضل وأثمن عطيّة إذا شاء الربّ. وأحبّ أن أردّد على مسامعكم هنا ما كتبه لنا مرّة راهب قبطيّ صديق فقال: «يا أهل أنطاكية، صوت الربّ لكم، كما من فم صموئيل عظيم الأنبياء: قدّموا، قدّموا كلّ الأوعية الصالحة التي عندكم التي باتت هذه السنين كلّها فارغة. قدّموها لتمتلئ من زيت الله، ولا تبخلوا ببنيكم وبناتكم ليكونوا أوعية خلاص لكم في يوم ضيقكم، ويصيروا زيت بهجة ومسرّة في زمن الحرب، فيرضى الربّ عنكم وتأتي أزمنة الفرج من عنده. لا تقولوا كفى كفى: إنّ الدنيا تتطلّع إليكم. نعم أضئ يا ربّ أنطاكية مرّة أخرى وليستنر العالم بنورها كما في الزمان الأوّل».

أمّا الذين التزموا الربّ حقيقة وتوغّلوا في المغامرة الكبرى، وهم بينكم كثيرون، فلا يقفوا في الطريق. إن كنّا قد عملنا شيئًا فلا نكتف به. فإنّ كلّ وقوف سقوط، ليس أحد أفضل من أحد «الكنيسة كلّها كنيسة التائبين، الكنيسة كلّها كنيسة الفانين» يقول أفرام السريانيّ. لم نبدأ بعد بالتوبة، لم نجاهد ضدّ الخطيئة حتّى الدم. إن توقّفنا، وما أعطيناه لم نذهب به حتّى النهاية، فالالتزام والنهضة والكنيسة تصبح مجرّد تعابير وكليشيهات جوفاء، نكرّرها لنسكت بها ضميرنا. عطاؤنا لا بدّ من أن يزيد لكي يبقى. لتكن رغبة الروح في سير حثيث إلى الأمام لا ينقطع كما فعل لوط فبقي حيًّا، أمّا امرأته فنظرت إلى الوراء فماتت. لا بدّ من تجديد العزم كلّ يوم كضربة مطرقة في النفس حتّى تصل إلى أعماق الكيان. «قال الحداد عن الإلحام: إنّه جيّد ثمّ مكّنه بمسامير لئلّا يتزعزع» (أشعياء ٤١: ٧)، خطر الفتور يداهمنا في كلّ حين « الفتيان يتعبون ويعيون، والمختارون يعثرون عثارًا يقول الربّ. أمّا الراجعون للربّ فيتجدّدون قوّة. يرتفعون بأجنحة كالنسور» (أشعياء ٤٠: ٣٠ – ٣١).

أيّها الإخوة، إذا فهمنا النهضة على هذا الأساس وسرنا فيها بأمانة وثبات ويقظة، بنعمته هو، ولمجده هو، من أجل محبّته ومحبّة كنيسته المقدّسة التي هي فوق الجميع وللجميع، سوف يسمح بأن تكون النهضة. وحينئذٍ ستكون النهضة على مداها الحقيقيّ انطلاقًا وراء الربّ القائم من بين الأموات. حينئذٍ سوف نقوم كلّ من موته في خروج أبديّ نتبعه في فصحه، هو الذي لا نهاية لحياته. آمين.

المرجع: مجلّة النور، العدد الرابع عشر، آب، ١٩٦٤.

* ألقيت في عيد الحركة الثاني والعشرين في بيروت.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share