تأمّل: حول عيد رقاد السيّدة

الأرشمندريت إلياس مرقص Monday August 17, 2020 11

الأرشمندريت إلياس مرقص

نتساءل أوّلًا: لماذا الأعياد السيّديّة الكنسيّة؟

– هي طبعًا للابتهاج والفرح بذكرى العيد… ثمّ لاستحضار حدث العيد وعيشه حاضرًا…

– ولكنّنا نعيّد لها أيضًا لكي نرتقي إلى مستواها وندخل إلى سرّها، لأنّ أعياد الكنيسة تحمل سرّ مصير الإنسان والكون كلّه…

– فإنّنا نعيش عادة على المستوى الأرضيّ العاديّ الخالي من المعنى الأخير لحياتنا ومصيرنا. أمّا الأعياد فتعرض لنا الأسرار الكنسيّة التي تُصعدنا إلى المستوى الروحيّ السماويّ الأخرويّ…

– فعندما نحتفل مثلًا بمديح العذراء ونردّد «افرحي يا عروسًا لا عروس لها»، نرتقي بزواجنا إلى مستوى عفّة العروس التي لا عروس لها، فيتخّذ زواجنا معنى وطعمًا سماويًّا جديدًا، معنى آخر يتقدّس به… في مستوى الحياة الأبديّة.

– وعندما نحتفل بعيد التجلّي، ننتقل من نور الشمس اليوميّ إلى النور الإلهيّ غير المخلوق الذي يحمل إلينا حياة الله نفسها ويبهج حياتنا الأرضيّة بهاءً سماويًّا.

– وعندما نحتفل بعيد البشارة الذي يبدأ فيه تجسّد الربّ يسوع نفتح كياننا لنتقبّل نحن أيضًا ندى الروح ليولد فينا المسيح روحيًّا، كما يقول الآباء.

– وعندما نحتفل بعيد الصعود نرتقي مع المسيح لنجلس عن يمين الله الآب، مع بقائنا على الأرض متّحدين بالسماويّين.

– وعندما نحتفل بعيد العنصرة نتنسّم الروح القدس ونقتبله في أعماقنا روح حياةٍ أخرى تلازمنا على الأرض… وهكذا…

فغاية الكنيسة بعامّة أن تجعلنا نحيا على الصعيد السماويّ، على منوالِ ما تجعلنا نغتذي بالخبز السماويّ إلى جانب الخبز العاديّ.

– أمّا في عيد رقاد السيّدة، فالكنيسة ترنّم: «وفي رقادِك ما أهملت العالم وما تركته يا والدة الإله»، وهذا دلالة على سرّ خلاص العالم ودور العذراء فيه.

– لأنّها منذ البدء، منذ أن قالت للملاك، نعم «ليكن لي بحسب قولك»، دشّنت عمليّة الخلاص، تلك العمليّة-المعركة «الكونيّة»، التي ما تزال العذراء ترعاها: «ما أهملتِ العالم».

– ففي معركتنا ضدّ أهوائنا وشقائنا تبدو العذراء كشفيعة غير خازية. إنّ مريم قائمة في قلب تاريخ الخلاص كأمّ للجنس البشريّ، تصلّي من أجله وتتشفّع فيه. فهي شفيعة العالم لأنّها، كما يقول القدّيس يوحنّا الدمشقيّ، «صارت سيّدة الخليقة عندما صارت أمّ الخالق».

– وهي أيضًا مثال لنا، نموذج ومثال أعلى للقداسة، فهي بين البشر «القمّة» التي لا يُعلى عليها، أقصى ما يمكن للبشر البلوغ إليه من القداسة. ولذا لا تخشى كنيستنا المقدّسة أن توجّه إليها الدعاء المذهل: «أيّتها الفائق قدسها، والدة الإله، خلّصينا». فبشفاعتها تخلّص العالم وتقدّسه بأسره.

– هذا ونلاحظ في أناشيد العيد تكرار فكرة إيداع العذراء نفسها في يديّ ابنها، وكأنّها تدعونا إلى أن نضع نفوسنا نحن أيضًا في يديّ ابن الله، بروح البنوّة والطفولة التي بدونها لا ندخل ملكوت الله.

– وتقول الأناشيد أيضًا إنّ يسوع قد «أحلّها في ذاته»… وتاليًا فهي التحقيق الأكمل لسرّ الكنيسة حيث يحلّ الله – المحبّة، ويصير الكلّ في الكلّ. والبشريّة جمعاء مدعوّة إلى الدخول في سبيل هذا السرّ.

– فإنّنا لا ننسى الوجه الجماعيّ في الحياة المسيحيّة: «أيّها الرسل اجتمعوا من الأقطار إلى هنا»… فالعذراء التي «جمعت مصفّ التلاميذ إلى مجمع واحد» تجمعنا كلّنا معًا حولها في عيد انتقالها للسلوك في سبيلها.

– وكذلك لا ننسى أنّ الخليقة كلّها تشترك معنا في بهجة العيد: «الملائكة يعيّدون اليوم»، «والسماوات تبتهج في رقادك المجيد»، «والأرض تفرح بأسرها لانتقال أمّ الإله». يا لها من بهجة كونيّة شاملة.

– هذا وإنّ ما صارت إليه العذراء يسبق فيحقّق المجيء الثاني منذ الأن… فانتقالها يغلق أبواب الموت. ونحن نحتفل بعيد رقاد السيّدة كفصحٍ ثانٍ سرّيّ، لأنّ موتها حصل «مرقاة للحياة السرمديّة»…

فلنرتق، بنعمة الله وبشفاعة العذراء مريم، إلى هذا المستوى، مستواها، ونحقّق «مسيحيّتنا» لأنّ هذه هي مسيحيّتنا…آمين.

 

المرجع : مجلّة النور، العدد الخامس، ٢٠٠٠.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share