تأمّل: في الصدق والاستقامة

الأرشمندريت إلياس مرقص Monday August 17, 2020 28

 الأرشمندريت إلياس مرقص

 

   “أبناء البشر دجّالون غشّاشون في الموازين” (مز ٦١ : ٩)

   “إنهم من البطن يضلّون وبالأكاذيب ينطقون” (مز ٥٧ : ٣)

   “ليس في فمهم صدق” (مز ٥ : ٩)

   هذا بعض ما ورد في المزامير في هذا الصدد.

   وهذا على ما يبدو. هو الواقع منذ القديم.

   “ولكن ليس منذ البدء. لأنّ الله صنع البشر مستقيمين. أمّا هم فتطلّبوا مباحث كثيرةً” (جا ٧ : ٣٠)

  • ● ●

قد يكون هذا الموضوع أكثر المواضيع آنيّةً من الناحية الأخلاقيّة. فالنفاق متفشٍ، ويكاد يسود سائر ميادين الحياة (في العلاقات بين الأفراد والتجارة والإعلان والسياسة وبين الدول…).

إلّا أنّه، في الأساس ليس موضوعًا أخلاقيَّا بقدر ما هو أمر كيان وحياة[1]. وذلك على صورة كيان الله الذي نحن على صورته: “أنت يا مستقيم” (اش ٢٦ : ٧). “أنت شيَّدت الاستقامة” (مز ٩٨ : ٤): في حين أنّ الشيطان هو بالعكس “كذوب وأبو الكذب” (يو ٨ : ٤٤).

فالصدق تاليًا يساهم في تكوين الإنسان، أي في تحقيق كيانه على مثال الله.

الاستقامة باب الدخول إلى الله، إذا جاز القول: “فالتسبيح يليق بالمستقيمين” (مز ٣٢ : ١). “إن المستقيمين يحبّونك” (مز ١٥ : ٣). و”وجهه يلقى المستقيمين” (مز ١٠ : ٨ ).

والاستقامة مصدر للاهتداء: “استقامة المستقيمين تهديهم” (أم ١١ : ٣) ولتشييد المدينة: “ببركة المستقيمين تتشيّد المدينة” (أم ١١ : ١١)، وللاستقرار في الأرض: “المستقيمون يسكنون الأرض” (أم ٢ : ٢١)، وللفخر: “افتخروا يا مستقيمي القلوب” (مز ٣١ : ١١). وللطوبى: “طوبى للرجل الذي ليس في فمه غشّ” (مز ٣١ : ٢)، وللفرح: “الفرح أشرق لمستقيمي القلوب” (مز ٩٦ : ١١).

كما أنّها مصدر لإرضاء الله في الصلاة: “صلاة المستقيمين مرضاته” (أم ١٥ : ٨)، ولاقتناء سرّ الله. “أما سرّه فعند المستقيمين” (أم ٣ : ٣٢).

وتاليًا فبديهيّ أن يكون الصدق والاستقامة من أهمّ أهداف الجهاد الروحيّ. فداود بعد سقطته يصرخ: “روحًا مستقيمًا جدّد في أحشائي” (مز ٥٠ : ١٠)، “لأنّ طريق الصدّيق استقامة” (اش ٢٦ : ٧). والآيات التي تتناول السعي إلى الصدق والاستقامة كثيرة “إهدني السبيل المستقيم” (مز ٢٦ : ١١) “وطّنت نفسي على ألّا أتكلّم شططًا” (مز ٦ : ٣): “صن لسانك عن الشرّ وشفتيك عن التكلّم بالمكر” (مز ٣٣ : ١٣)…

ونحن نرتّل في أحد توما: “وجدّدت لنا بهم روحًا مستقيمًا كعظيم رحمتك”.

وقد تكون الاستقامة شرطًا لاستجابة الصلاة: “أنصت إلى صلاتي الصادرة عن شفتين غير غاشّتين” (مز ١٦ : ١).

أمّا إذا كنّا لا نسعى مسعى الصدق لنجعل لنا قلبًا مستقيمًا وروحًا مستقيمًا فقد تكون حياتنا كلّها كاذبة. وهذا أمر مريع ..  وكذب الحياة هذا وارد جدًّا في الواقع أكثر من كذب الشفاه: “إن قلبهم لم يكن مستقيمًا” (مز ٧٧ : ٣)، “لأنّ الشرور في قلوبهم” (مز ٢٧ : ٣). وغير مستقيمة نفسه فيه” (حب ٢ : ٤).

وقد يؤول هذا إلى النجاسة: “فسدوا وصاروا أنجاسًا في خباثتهم” (مز ١٣ :١).

والغشّ بالنتيجة لا يثبت ولا يستمّر: “رجال الغشّ لا يحيون أكثر من نصف أيّامهم” (مز ٥٤ : ٢٣)، “لأن الغاشّ يمقته الربّ (مز ٥ : ٦). “ويُهلك كلّ الذين يتكلّمون بالكذب” (مز ٥ : ٦).

وقد يتمّ القضاء وتجري الدينونة على أساس الصدق والاستقامة. “نافث الأكاذيب لن يفلت” (أم ١١ : ٥). “وليبق خارجًا من يحبّ الكذب ويعمل به” (رؤ ٢٢ : ١٥). “إنّك لا تحيا لأنّك نطقت بالزور” (زك ١٣: ٣).

“المدينة لا يدخلها فاعل كذب” (رؤ ٢١ : ٢٧).

صحيح في النهاية أنّ “كلّ إنسان كاذب” (مز ١١٥ : ١١). ولكن إذا انسحق المرء واعترف بخباثته فرحمة الربّ التي لا حدّ لها تسعفه. “وأنت صفحت عن خباثة قلبي” (مز ٣١ : ٥).

المهمّ أن “لا يلصق بي قلب معوجّ” (مز ١٠ : ٤).

 

المرجع : مجلّة النور، العدد الرابع،  ١٩٩٨.

1 في الحقيقة. وإذا جاز القول ليس في المسيحيّة أخلاق أي إنّ المسيح لم يأت ليدعونا إلى ممارسة الأخلاق. بل إلى عمق الحياة: “أمّا أنا فقد أتيت لتكون لهم الحياة. وتكون لهم أوفر” (يو ١٠ : ١٠). أتى ليتّحد بنا ويتّحدنا به ويمدّنا بحياة الله الآب: “أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم” (يو ١٤ : ٢٠). وذلك على صورة الثالوث. ليس في الثالوث القدّوس أخلاق… بل محبّة. والمحبّة بذل وتفانٍ وكيان.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share