كلمة «النور» حول الآلام والقيامة

مرسيل مرقص Monday August 17, 2020 110

 مرسيل مرقص

١ – لي صديق تربطني به، أكثر ما تربطني به، هذه العبارة: «المسيح قام». كلّ منّا يعيش في طريقه الخاصّ الذي لا بدّ تتخلّله الآلام والصعاب وربّما اليأس أحيانًا. ورغم ذلك فإنّ كلًّا منّا يتابع طريقه بنوع من الأمل الخفيّ والفرح المستتر الذي يتغلّب على كلّ ألم ويأس وينبع من وسط الألم واليأس. وعندما نلتقي ويشعر كلّ منّا بما في قلب الآخر نقول (أيًّا كان اليوم): «المسيح قام». ونردّدها بدموع وإيمان ويكفي ذلك لأن نفهم الدنيا ويكون لحياتنا معنى ولآلامنا معنى ويمتلئ قلبنا بهجة: المسيح قام، فما عادت حياتنا باطلة.

٢ – أللقيامة قيمة إن لم نعطِ معنى لحياتنا؟ يستغربون عقيدة الصَلب والقيامة، مع أنّه لا شيء يطابق حقيقة الحياة البشريّة مثل هذه العقيدة: حياة الإنسان عمليًّا كلّها صلب وقيامة. الصليب «مزروع» في العالم وهو يخيّم بذراعيه على العالم، إنّه الحقيقة الكبرى التي نصطدم بها كلّ يوم. من منّا ليس له صليبه يحمله على كتفيه متوجّعًا صباحًا ومساء، أو يحز في قلبه من دون أن يراه الناس؟ من ليس له همومه المادّيّة أو أمراضه أو أحزانه أو تجاربه وخطاياه؟ ثمّ أيّ مجتمع يخلو من البؤس والظلم والرياء والفساد؟ المجتمع مصلوب بالفساد. فالصليب هو الواقع الأوّل الذي لا مفرّ منه ولا سبيل آخر سواه. طريق حياتنا لا بدّ من أن تمرّ بالصليب. ومن أراد أن يتجنّب الصليب فهو يتجنّب الحياة، أي يعيش على هامشها. فالحياة إذًا هي  بالصليب: ولكن إذا اتّخذ واسطة وطريقًا للقيامة.

٣ – والقيامة أيضًا واقع وحقيقة كبرى في حياة الإنسان. كلّ إنسان يفتّش عن الفرج والخلاص في وسط آلامه وضيقاته. ورغم كلّ الضيقات وفي أسوأ حالات البؤس والشقاء يبقى الأمل حاضرًا أبدًا في قلبه. لكنّ الإنسان في معظم الأحيان، بدلًا من ان يجد الفرج والابتهاج، يتخبّط في همومه. لماذا؟ لأنّه لا يتبنّى آلامه. فهو إمّا يتهرّب من مشاكله ومسؤوليّاته ويجبن، أو ينوء تحت أعبائه فييأس، أو يحاول نسيان همومه في الخمرة وغيرها… فالفرج ليس بالجبن أو اليأس أو التناسي، بل بالمجابهة حتّى النهاية. ليس المهمّ نتيجة أعمالنا وأتعابنا. كلّنا يشعر بأنّ عظمة البطولة مثلًا لا بنتيجتها إنّما بالعمل البطوليّ ذاته. فعندما نجابه مشاكلنا ونخوضها من دون رجعة ونبذل كلّ مقدورنا البشريّ وغير البشريّ للقيام بأعبائنا العائليّة والاجتماعيّة والشخصيّة ونكون مستعدّين للتضحية براحتنا وأوقاتنا وحتّى بحياتنا في سبيلها، حينئذٍ، في هذه التضحية الكاملة بالذات نجد الحقّ. في فعل التضحية بالذات، التضحية الكاملة وما يرافقها من صلب وآلام تكمن الغلبة والفرج. في الآلام والصلب تكمن القيامة… هذا شعور يمكن اختباره. وعندما نختبره فنحن نختبر، إلى حدّ ما القيامة، هذه الحقيقة العظمى التي وحدها تحلّ مشاكل الإنسان والكون.

٤ – لكنّ هذه القيامة غالبًا ما تبقى نظريّة على الورق لا يعمل بها أحد وكلّ يستمرّ في تخبّطه في وسط صلبانه الداخليّة والخارجيّة من دون جدوى. لماذا؟ لأنّنا نتّكل على أنفسنا فقط، ومن أنفسنا لا نستطيع أن نفعل شيئًا. وعندما نستطيع أحيانًا- في بعض اللحظات المباركة- نشعر بأنّ قوّة من أعلى قد أعطيت لنا وفعلت فينا. لا تصدّق أنّ عمل التضحية الكلّيّة المجّانيّة عمل بشريّ محض: إنّه عمل إلهيّ ويُعطى لنا من فوق. ونحن نتقبّل هذا العطاء وهذه النعمة ونتجاوب معها لأنّ فينا قبسًا من فوق. ألم نخلق على صورة الله ومثاله؟ والمسيح المصلوب والقائم من بين الأموات ألم يعطنا إمكانيّة القيامة معه؟ فإذا سلّمنا نفسنا لهذه القوّة العليا ولهذه النعمة الإلهيّة وتركناها تفعل فينا على الدوام في حقل العطاء والبذل والمحبّة كمبدأ لحياتنا، حينئذٍ نحقّق إمكانيّة القيامة بل نحقّق قيامة المسيح فينا فنحمل صليبنا بفرح وشكر بنور القيامة المجيدة. ويكون حينئذٍ «أرض جديدة وسماء جديدة» لأنّه بالمسيح «قد أتى الفرح لكلّ العالم».

٥ – إنّها في الحقيقة عمليّة خلق جديد. من أين للإنسان الفاسد الرازح تحت ثقل الشرور والخطايا أن يستطيع القيام بنفسه وبالعالم ويقدّسهما، ويرفع الكلّ إلى الخالق كما كانت غاية الخليقة منذ البدء؟ آدم الحرّ سقط بالخليقة بدلًا من أن يرفعها. فلا بدّ من أن تجري عمليّة خلق جديد لخلاص الإنسان من الشرّ وإعادته إلى الله. فعمليّة الخلق هذه لم يكن يستطيع أن يتمّمها إلّا الله نفسه بيسوع المسيح. تعليم الكنيسة في هذا الصدد هو نور يُضيء لنا ما قد غمض في مشاعرنا واختباراتنا الداخليّة، ويوضح لنا جلاء حقيقة كياننا في الله وفي يسوع.

٦ – تؤمن الكنيسة بأنّ الرسالة التي لم يتمّمها آدم أتى يسوع يتمّمها. أتى ليُعيد الإنسان إلى الله ويطهّر الخليقة ويقدّسها ويرفعها إلى الآب. وكان عليه أن يتغلّب على حواجز ثلاثة ليصل إلى هذه الغاية. الموت والخطيئة والطبيعة، فتغلّب على الطبيعة البشريّة الفاسدة المشوّهة بنتيجة الخطيئة الجدّيّة بأن تجسّد واتّخذ الطبيعة البشريّة إلى جانب الطبيعة الإلهيّة فتألّهت الطبيعة البشريّة باتّحادها بالطبيعة الإلهيّة في أقنومه الإلهيّ الواحد، ثمّ تغلّب على الخطيئة أي على إرادة الشرّ وعلى عادة الشرّ المتأصّلة في الإنسان بأن تألّم وصُلب بملء إرادته فمزّق بذلك صكّ خطايانا واعتقنا منها وسمّرها على الصليب، وتغلّب أخيرًا على الموت بأن مات ثمّ قام من بين الأموات فما عادت للموت شوكة ولا غلبة للجحيم.

٧ – تؤمن الكنيسة بأنّ عمليّة الخلاص هذه مجّانيّة محضة بفعل رحمة الله ومحبّته للبشر التي لا حدّ لها. فالله هو الذي يقدّم الذبيحة على الصليب والله هو الذي تُقدّم إليه الذبيحة والله هو نفسه الذبيحة المقدّمة في المسيح والذي ينتصر بالنهاية على الذبيحة بالقيامة.

٨ – تؤمن الكنيسة بأنّ عمليّة الخلاص في هذا السرّ الرهيب قد أحدثت فعلًا «أرضًا جديدة وسماء جديدة». لا بالمعنى المجازيّ ولكن بكلّ معنى الكلمة. سرّ صليب المسيح وقيامته قد حرّر الإنسان من القيود القديمة، وجدّد الخليقة بأسرها ودفق فيها النعمة الإلهيّة المُحيية التي لا تنضب، وأبهجها بالمجد والنور والفرح والقداسة، وذلك بصورة عفويّة ملموسة. وهذه الحياة الجديدة هي حياة الكنيسة جسد المسيح. وعطيّة الله هذه عطيّة لا توصف…

٩ – أمّا بعد فكلّ منّا يستطيع أن يعيش في هذا العالم الجديد، وأن يرتوي من هذه الينابيع المتفجّرة فينا مياهًا حيّة. وما على من أراد ذلك سوى أن يسلك الطريق، طريق الإرادة الكلّيّة المسلّمة بإيمان وسجود: «من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني»، طريق التكريس والإخلاص للخدمة في ميدان هذه الحياة الشاقّة والمؤلمة، طريق المشقّات والآلام المقبولة طوعًا واختيارًا والمتبنّاة، الآلام المطهّرة والمنسحقة، طريق الجلجلة والقيامة.

١٠ – والآن أما من شيء عمليّ؟ بلى. إذا أردت ذلك فكلّ لحظة من حياتك تصبح عمليّة. انظر حولك فقط: وضع العائلة ووضع المدرسة ووضع الكرسيّ الأنطاكيّ ووضع المجتمع.. انظر واختر. كرّس حياتك في بناء عائلة مسيحيّة مقدّسة، أو في سبيل تنصير المدرسة المسيحيّة في بلدك، أو في سبيل إنهاض الكرسيّ الأنطاكيّ وإكليروسه ومؤسّساته بالطريقة التي يلهمك إيّاها الله (فالتعطّش إلى النهضة موجود)، أو في سبيل محاربة طغيان المال والاستغلال وبناء مجتمع أفضل.. كرّس حياتك لأمر ما واعطها وافنها في خدمته. أنت ترى الصعاب والمشقّات والآلام واليأس، فخض في هذه كلّها وتحمّلها وتألّم وايأس. لكن تابع طريقك ثمّ تابع إلى ألّا تكون أمامك بعد من طريق: فحينئذٍ ومن حيث لا تنتظر ستجد القيامة. وحينئذٍ إذا قال لك صديق لك: «المسيح قام» تجيبه ولكن كالرجل العارف: «حقًّا قام».

«نسجد لآلامك أيّها المسيح فأرنا قيامتك المجيدة».

 

المرجع: مجلّة النور، العدد الرابع، نيسان، ١٩٥٧.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share