«لأنّ غاية الناموس هي المسيح»

الأرشمندريت إلياس مرقص Monday August 17, 2020 24

(رومية ١٠: ٤)

الأرشمندريت إلياس مرقص

يمكن القول إنّ هذه الآية تحدّد غاية الجهاد الروحيّ ومسعى الإيمان، وبالنتيجة غاية الحياة. فلنحاول أن ندرك ذلك في العمق لئلّا يذهب جهادنا ومسعانا الروحيّ سدى، بلا مردود.

غاية الناموس، أي غاية الفرائض والوصايا والجهاد النسكيّ الروحيّ (الصوم والسهر والسجدات والمطالعة وما إلى ذلك)، غاية الحياة الروحيّة المسيحيّة والإيمان، هي المسيح.

ذلك بأنّ المسيح «هو خلاصنا»، فإنّه خلاصة كلّ تدبير الله الخلاصيّ، وكلّ فحوى العقائد والبرّ والصلاح والإيمان، منذ خلق الكون الذي به كان وحتّى العنصرة وحياة الآخرة، هو فحوى كلّ نعمة الله وحبّه وحياته…

ولذلك تعمد بعض الرهبنات إلى التركيز على اسم يسوع في نظامها الطقوسيّ، فيتلون صلاة اسم يسوع جماعيًّا: «ربّي يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني أنا عبدك الخاطئ» عوضًا من صلاة السحريّة والساعات الطقسيّة وغيرها.

ولذلك أيضًا تنصّ بعض الطرائق الرهبانيّة على أنّه في المرحلة الأخيرة من مسيرة الراهب يُلقّن ما تسمّيه «أسرار الحياة الرهبانيّة»، وهي أن يكون اسم الربّ يسوع على الدوام على شفتيه وفي قلبه…

فبولس الرسول، في رسالته إلى أهل رومية، يقول: «الكلمة قريبة منك، في فمك وفي قلبك… لأنّك إن اعترفت بفمك بالربّ يسوع، وآمنت بقلبك بأنّ الله أقامه من الأموات خلصت»، «لأنّ القلب يؤمن به للبرّ والفم يُعتَرف به للخلاص…» (رو ١٠: ٨- ١٣).

وبطرس الرسول يقول: «كلّ من يدعو باسم الربّ يخلص» و«ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن يخلص» (أع ٤: ٢١).

ولكن كيف يتمّ ذلك؟ كيف يمارس؟

– التركيز على اسم يسوع يتمّ عمليًّا بممارسة صلاة يسوع كما سبق القول. ولكن ليس كيفما كان. إنّ كثيرين اليوم يتلون صلاة يسوع ويتلونها بتواتر، حاملين السبحة على الدوام، ولكنّ قليلين يجنون منها الفائدة الخلاصيّة الكيانيّة، فيظلّون في تأرجح وفقدان سلام. ذلك غالبًا لأنّهم لا يصلّونها كما ينبغي.

– فالمهمّ بالنتيجة أن يسكن يسوع في القلب، أن ينزل اسم يسوع من العقل إلى القلب. وتاليًا أن يُعاش يسوع على صعيد القلب لا العقل.

علمًا بأنّ الآباء يؤكدّون كثيرًا على ضرورة إقصاء كلّ شيء عقليّ في الصلاة، كلّ فكر أيضًا وكلّ تصوّر، مهما كان، فاسم يسوع يكفي، هو الاسم «الحلو جدًّا» الذي يحوي كلّ الخلاص، يحوي الملكوت.

– ولكنّها نعمة ولا شكّ، أن يسكن يسوع في قلبنا، وبصورة خاصّة أن يسكن على الدوام، أن يقيم، وأن نحسّ بحضوره فينا وغفرانه.

– ولذلك لا بدّ من أن نطلب هذه النعمة، إذا شئناها، وأن نتهيّأ لها قدر إمكاننا.

– كيف يكون ذلك؟

– أوّلًا بأن نحفظ قلبنا من كلّ شرّ ومن كلّ عكر وكلّ خطيئة: «احفظ قلبك فإنّ منه مخارج الحياة».

– ثمّ أن يملأ قلبنا إيمان عميق ثابت بيسوع المخلّص الذي يحبّنا ويفدينا بدمه الكريم.

– أن تملأه أيضًا توبة صادقة مع انسحاق وتوجّع قلب دائم على خطايانا.

– وأن يكون اتّجاهنا الأساس للداخل، مراعين الصمت (قدر الإمكان).

– هذا ولا بدّ أيضًا من تكرار صلاة يسوع بهذه الروح وتكرارها إلى أن تصبح صلاة تلقائيّة (حتّى أحيانًا بدون لفظ الكلام) ليلًا نهارًا، أثناء العمل وأثناء الراحة… في كلّ حين…

هذا وإنّ طقوسنا تساعدنا على تحقيق ذلك، فنحن مثلًا نستهلّ فيها صلواتنا قائلين: «هلمّ واسكن فينا». ونقول في القدّاس الإلهيّ: «لنضع قلوبنا فوق، هي لنا عند الربّ…» ونحن إنّما نتناول جسد الربّ بتواتر لهذه الغاية… ليكون الربّ فينا1.

وإذا ما أعطينا تلك النعمة العظيمة سوف نصل إلى حالة ثابتة كيانيّة دائمة من الاستقرار النفسيّ والروحيّ والهدوء والسلام مع فرح وتهليل واتّضاع، ولا يعود يهمّنا ويقلقنا أيّ شيء، «لأن الله معنا».

«إنّ ملكوت الله في داخلكم»… «لست أنا أحيا، بل المسيح يحيا فيّ»… «يا بنيّ أعطني قلبك».

– لكنّنا بالطبع لن نصل سريعًا إلى هذه الحالة ونحن بعيدون جدًّا عنها، ولكن فلنستمرّ رغم ذلك في جهادنا ولا نيأس، لأنّه جهاد العمر… ومهما قلّ ما تحقّق في هذا المجال، فإنّ الله الرحيم يقبله، له المجد، آمين2

____________________

  • ولنا في هذا المضمار العذراء مريم شفيعة ومثال، هي التي «كانت تفكّر في هذه الأمور في قلبها». وقد قال بعض الآباء إنّه بندى الروح يولد المسيح فينا على مثالها… (روحيًّا).
  • إنّنا ننصح من يريد التعمّق في هذا الموضوع بقراءة الفصل الحادي عشر من كتاب «في حياة التوحّد» ولا سيّما الصفحات٢١١ إلى ٢٢٤.

 

 

المرجع : مجلّة النور، العدد الثامن، ٢٠٠٢.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share