لقاء رهبانيّ بين الكنائس الأرثوذكسيّة الشرقيّة

الأرشمندريت إلياس مرقص Monday August 17, 2020 174

الأرشمندريت إلياس مرقص

رئيس دير مار جرجس – دير الحرف.

اجتمع في دير الأنبا بيشوي في وادي النطرون، بتاريخ الاثنين ٣٠ نيسان إلى الجمعة ٤ أيّار ١٩٧٩، نحو ثلاثين مندوبًا من أربع عشرة كنيسة شرقيّة أرثوذكسيّة (خلقيدونيّة ولا خلقيدونيّة) وبعض المراقبين من الكنائس الكاثوليكيّة والأنجليكانيّة والبروتستانتيّة، وذلك للتأمّل معًا في دور الحياة الرهبانيّة في شهادة الكنيسة اليوم.

نظّم هذا اللقاء مجلس الكنائس العالميّ واستضافه قداسة البابا شنوده الثالث بطريرك الإسكندريّة للأقباط الأرثوذكسيّين. واشتركت في هذا اللقاء، علاوة على الكنيسة القبطيّة، الكنيسة الحبشيّة والكنيسة السريانيّة في الهند وأنطاكية، وكذلك كنائسنا الأرثوذكسيّة في القسطنطينيّة والإسكندريّة وأنطاكية وروسيا ورومانيا ويوغوسلافيا واليونان وقبرص وأميركا الشماليّة وفرنسا وفنلندا.

وكان بين المشتركين راهبة من الكنيسة القبطيّة وراهبتان من الكنيسة الرومانيّة بالإضافة إلى راهبتين بروتستانت.

ويعتبر هذا اللقاء الأوّل من نوعه في تاريخ الحياة الرهبانيّة. وقد تتبعه لقاءات أخرى في المستقبل. فمثل هذه اللقاءات، إلى جانب الأبحاث المشتركة التي تقوم بها في مختلف نواحي الحياة الرهبانيّة، تتيح لأديرة الرهبان في الكنائس المختلفة التعارف وتبادل الخبرات وتاليًا التعاون والمشاركة في السعي الرهبانيّ وفي الشهادة الرهبانيّة في عالم اليوم والتقارب والألفة والمحبّة على طريق تحقيق الوحدة المسيحيّة التامّة.

أمّا الابحاث فقد اقتصرت في هذا اللقاء الأوّل على ناحيتين: الأولى تناولت تحديد الحياة الرهبانيّة في حياة الكنيسة بعامّة وارتباطها الوثيق بجوهر حياة المسيحيّ وخلاصه وبازدهار الكنيسة ونموّها، وأيضًا دلالة الحياة الرهبانيّة «كعلاقة» بليغة للملكوت في وسط العالم وفي وجه التيّارات المختلفة التي تجرف الإنسان إلى الضياع، وذلك نظرًا إلى أهمّيّة الصلاة في حياة الإنسان وأهمّيّة التوق إلى «الجمال» القدسيّ في خلاص الإنسان. والثانية تناولت وجه الشهادة العمليّة، وتضمّنت بعض المقترحات في هذا الصدد، منها التوجيه إلى تكثيف الاهتمام بدراسة الآباء وترجمة مؤلّفاتهم ونشرها بين المؤمنين، وتأمين إفادة زوّار الأديرة على الصعيد الرعويّ، مع المحافظة على الطابع الرهبانيّ الخاصّ بالدير. وتخصّص بعض الأديرة لخدمة حاجات الكنائس الأرثوذكسيّة الآنيّة في بعض المجالات كالموسيقى والأيقونات ودراسة الكتاب المقدّس والتبشير وغيرها… بالإضافة إلى تشجيع تبادل المراسلات والزيارات بين الأديرة، وإلى الصلاة الملحّة من أجل الوحدة والسلام مع ذكر حاجات الكنيسة بعامّة وحاجات الرعايا أمام الربّ.

هذا وقد قام المشتركون في اللقاء بزيارة بعض الأديرة في وادي النطرون والقاهرة، وبعض الكنائس في القاهرة والإسكندريّة، وحضروا العظة الأسبوعيّة لقداسة البابا شنوده في كاتدرائيّة القدّيس مرقس يوم الجمعة ٤ أيّار، وأتيح لهم أن يجتمعوا بأعضاء المجلس الملّيّ القبطيّ في القاهرة، وممثّلي الكنائس المختلفة في مصر أثناء حفل استقبال، أقيم في ٥ أيّار في قاعة الاحتفالات للكنيسة المرقسيّة في مصر الجديدة، وقد وزّع عليهم قداسة البابا شنوده ميداليّات خاصّة تخليدًا لذكر هذا اللقاء.

وما لفت نظرنا أثناء تلك الأيّام التي قضيناها في مصر، في ضيافة الكنيسة الأرثوذكسيّة القبطيّة، أوّلًا: روح الصلاة التي تتميّز بها هذه الكنيسة المقدّسة، فلا يخلو منها أيّ نشاط من نشاطاتها المتنوّعة في أيّ مناسبة كانت، فحتّى حفل العشاء الذي دعا إليه قداسة البابا شنوده مختلف الشخصيّات الملّيّة والدينيّة، بدأ بخدمة صلاة كاملة حارّة وطويلة مع طلبات وترتيل على مثال النمط العامّ للطقوس القبطيّة. وقد رأينا الناس يؤمّون الكنائس في القاهرة والإسكندريّة مئات بل ألوفًا ويصلّون ساعات طويلة بدالّة عائليّة وألفة كثيرة. ثانيًا: حلول الحياة الرهبانيّة مكانًا رئيسًا في حياة الكنيسة القبطيّة إكليروسًا وشعبًا، وازدهار هذه الحياة الرهبانيّة بشكل ملموس يظهر جليًّا عبر تكاثر الدعوات بين صفوف الشبّان والشابّات، وأكثرهم جامعيّون، وعبر الجدّ في تبنّي الحياة الرهبانيّة الأصيلة المنكبّة على الاعتكاف في روح التوبة والصلاة، وإقبال الأهلين بكثرة إلى زيارة الأديار تبرّكًا واسترشادًا، إلى جانب التحقيقات العمليّة على صعيد تشييد الأبنية الديريّة الجديدة لاستيعاب الرهبان الجدد، وعلى صعيد التأليف والنشر وغيرهما… ثالثًا: التنظيم الذي تميّز به اللقاء الرهبانيّ في ضيافة دير الأنبا بيشوي ـ والمحبّة المسيحيّة التي تجلّت سخاء وترحيبًا وفرحًا في كلّ دير أو كلّ جماعة وكلّ أخوة زرناهم، وذلك ببساطة كلّيّة وأخوّة مسيحيّة رائعة.

 

 

المرجع : مجلّة النور، العددان التاسع والعاشر، تشرين الثاني وكانون الأوّل، ١٩٧٩.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share