أولويّات في التربية والمرافقة والحياة النهضويّة

جورج معلولي Monday January 25, 2021 1787

أولًا – الرجاء :

“البار بالإيمان يحيا” ( رو1 :17). والعضو الحركيّ يحيا إيمانه الفاعل بالمحبّة في قلب فاهم وعقل مستنير. يستلهم مقاصد الله في حياته الشخصيّة ومع الإخوة ويتلمّس حضوره الدائم في يوميّاته و قراراته وخدمته.  يفهم ويمارس إيمانه  فكراً وسلوكاً وتجسيداً للعقائد والسمات الأساسيّة للتقليد الأرثوذكسيّ، باحثاً عن اتصالها بالحياة. يعاشر الكتاب المقدس والنصوص الليتورجيّة مصدراً أساسياً للحياة التقديسيّة ويختبر الصلاة الفرديّة والجماعيّة في حلاوتها وصعوباتها وأشكالها المختلفة، مكتشفاً أن المحبة هي مركز الحياة الروحيّة، أي معيار الإنقياد الى الروح القدس. دون هذه الحياة معوقات كثيرة لا يتغاضى عنها وأهواء هي في جذرها اختلالات في العلاقة مع الله والإخوة ومصدر كلّ انغلاق ورفض للآخر. فالتجذر في التقليد الحيّ طريقه الى الإنفتاح والتحرر من العصبيّات. يميّز التوازن بين المؤسسة والروح في حياة الكنيسة كجماعة مؤمنة ويساهم في حيويتها الدائمة. و في عيشه فضائل الإنجيل وفهمه لأصول الحياة الروحية المُلهم من التقليد  يصبح جسراً بين العالم والكنيسة. يحاول أن يمارس شهادة الجماعة في مجتمعه في الفرح، والمشاركة، والتحرر من المجتمع الإستهلاكي. وفي عمله الرعائي يسعى الى بث روح السلام والتواصل السليم و الحوار المؤسس على الإحترام بين الجميع. تدفعه جدية المحبة الى الإستفادة من العلوم وكل منتجات الحضارة لخدمة الإخوة الصغار وجوع الإنسان الى الحب و الفهم والتقبل والإحترام والحقوق الأساسيّة. وفي سعيه الدائم لنهضة الكنيسة يعود دائما الى الروح الذي ألهم المؤسسين والأجيال في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة فاهماً للظروف التي نشأت فيها الحركة وعاملا على ربط الرؤية النهضوية بالحاجات الرعائية الحالية في المكان والمجتمع الذي يعيش فيه.

 

آليّات عمليّة للتفصيل :

أن يكون بناء شخص العضو الحركي محور  تفكير دائم على مستوى الفروع والمراكز والأمانة العامة لوضع كل الطاقات واللقاءات والمشاريع لخدمة هذا الهدف

رفد منتظم للمنشورات الحركية والصفحة الإلكترونية بمواضيع و مشاريع للفرقة الحركية لمختلف الأعمار تخدم كفاءات ومهارات و صفات العضو الحركي ( ضرورة مبادرات المرشدين في المراكز و تنسيق من الأمانة العامة )

استكمال مراجعة ورقة ” كفاءات العضو الحركي البالغ ” و إكمال العمل على صعيد الأسر الأصغر سنا

التعاون بين لجان الإرشاد و الأسر لتخطيط وتنفيذ لقاءات للمرشدين لمختلف الشرائح العمرية

 

ثانياً- المناخ :

الجماعة الإفخارستيّة هي المناخ الذي ينمو فيه المؤمنون ليصيروا الى الرجاء الذي هم مدعوون إليه. الإفخارستيّا هي الإمكانية الوحيدة لربط حقيقة الله وحقيقة الإنسان معًا :  سرّ العالم الخاطئ و المتألّم، سرّ الأرض المظلمة والإنسان المعذّب والمائت، وفي الآن نفسه  سرّ التحوّل، التجلّي، و القيامة أي سرّ الملكوت (ألكسندر شميمان) . لقد فقد المؤمنون في أزمنة الإنحطاط هذا المعنى الجماعيّ الواسع والكوني للحياة الإفخارستيّة. فانحدرت الحياة الكنسيّة الى تقوى فرديّة منفصلة عن حياة الجماعة ومهدّدة بتشوّهات عديدة على صعيد الفهم الإيماني والحياة الروحية. غدا الناس ينظرون الى العالم كشيء ” دهري”، ” عالمي”، ” دنيوي”، ” غير مقدس، وينظرون الى الحياة المسيحيّة  كشيء منفصل، فرديّ، بعيد ” روحي “.  في كون بارد و غريب، يرى فيه الإنسان نفسه جسدًا عضويًا سائرا الى الموت، انفصل الفعل المجتمعي في عالم اليوم عن الحياة الداخلية، وانفصلت الحياة الداخليّة عن التقليد القديم الحيّ حيث اختبر المسيحيّون حياة الجماعة متمركزة حول الإفخارستيّة وممتدة الى العالم. إن الكثير مما نلمسه عند شباب اليوم من تفتيش عن قضيّة يناضلون من أجلها وسلام داخلي يسعون إليه ومعرفة للنفس يبحثون عنها بطرق عديدة إنما يجب أن يعيدنا الى ينابيع الروحانية الأرثوذكسيّة الأصيلة  واللاهوت الصوفيّ والحياة الجماعيّة حتى لا تتحوّل الى مجتمعات بشرية أو مؤسسات إدارية. الأصولية و التطرف، الشرائعيّة الفريسيّة، التسلّط ، كلّها  سلوكيات تنفي الكنيسة ك ” شعب الله ” : الأمّة المختارة، الكهنوت الملوكي، والشعب السالك من الظلمة الى النور. لا يصنع السلام والوحدة في الجماعة والعالم إلّا من كان في سلام مع نفسه. من هنا أنّ الجهاد والنسك اليومي عمل دؤوب يصقل فيه المؤمنون أنفسهم جواهر كريمة مستلهمين خبرات التقليد النسكي القديم بحكمة وتمييز لتكون حياة الجماعة الإفخارستيّة طاهرة لا غضن فيها، بيتًا رحبًا مفتوحًا للجميع وخميرة في عجين العالم.

آليّات عمليّة للتفصيل :

رفد منتظم للمنشورات الحركية  ( الورقية و الإلكترونية ) بمواد تسلّط الضوء على النواحي اللاهوتيّة و العمليّة للجماعة الإفخارستيّة ( مثلاً : طبيعة الكنيسة – محورية الإفخارستية – أصول الحياة الروحية – كيف نقرأ الأدب النسكي – المواهب في الجماعة – الشورى : آلياتها ومعوقاتها – القداسة في عالم اليوم …)

إدراج هذه الهموم كمحاور ثابتة في اللقاءات والمخيمات

تبنّي كتاب كوستي بندلي حول الموضوع كمادة عمل للسنة المقبلة Le temoignage de la communauté eucharistique  ( شهادة الجماعة الإفخارستيّة ) و كتاب ” حوار مع البطريرك المسكوني أثيناغوراس ” لتغذية اللقاءات و المخيمات

الدعوة الى مؤتمر لاهوتي – علمي يدرس معوقات الشورى الجماعات الصغيرة والكبيرة الروحيّة والنفسيّة و الإداريّة  مع حركيّين مختبرين و إختصاصيّين في علوم الإدراة والتواصل (يمكن أن تبدأ المبادرات في مراكز محدّدة وتنقل الى الأمانة العامة  أو العكس ) وإعادة الإضاءة على قوانين مجالس الرعايا والأبرشيات

ثالثًا- الفرقة الحركيّة  :

كتب الأخ ريمون رزق في تقويم العمل الحركي بعد مضي 75 سنة على تأسيسه : ” الفرقة الحركيّة هي مختبر… لإختبار الفضائل واكتساب محبة المسيح للبشر، يلتزم أعضاؤها بقانون حياة يختارونه يدرّبهم على الحياة في المسيح. إنّها شركة حياة بين أعضائها قبل أن تكون نواة دراسيّة أو صلاتيّة. إنّها المطرح الذي يتعلّم فيه العضو كيف يحبّ وما هي مقتضيات المحبة التي ليسوع. من هنا ضرورة التوقف عند المشاركة الحقيقية بين الأعضاء في سكب خبراتهم وهواجسهم أمام قدميّ السيّد والتفافهم حول هدف الشهادة ليسوع، والعمل في حقل كنيسته التي تتسع إلى الكون بأسره.”كل من ذاق نعمة الحياة والعمل في الفرق الحركيّة يتلمّس ويرى و يختبر أن الفرقة الحركية هي الاختراع الحركيّ الأبرز والأمين لحياة الكنيسة الأولى ولطبيعة البشر”. لقد دلّت مجموعات التركيز في مخيمات و لقاءات عدة خلال السنوات الماضية عبّر فيها الأعضاء من مختلف المراكز على الحاجات التالية في حياة الفرقة الحركية :

الحاجة واضحة لإستعادة وتوضيح دور ومكانة حياة الجماعة في حضن الأعضاء على كافة الأصعدة : الإنسانيّة،  الروحيّة (الحياة في المسيح) والإجتماعيّة. أن يعي المرشدون والأعضاء ما هي طبيعة الجماعة الإفخارستيّة و كيف تكون هذه الجماعة المناخ الطبيعي لبناء وإطلاق الحياة المسيحيّة ( الحياة الروحيّة الشخصيّة والجماعيّة)  عند الأعضاء أولويّة ثابتة لتكون الفرقة مختبر حيّ للإيمان الفاعل بالمحبة.

محوريّة الكتاب المقدس في حياة الفرقة ينتج عنها  ضرورة أن يتدارس الكلّ طرق معاشرة الكتاب المقدس في الفرقة الحركية لفهم الإيمان، والنمو الروحيّ والإجابة على صعوبات الحياة. كيف نستفيد من أساليب التفسير المختلفة  بطريقة بسيطة تفاعليّة وبنّاءة في حياة الفرقة ؟ هذا تساؤل لا بد أن يكون محورًا ثابتًا عبر السنين للقاءات وورش العمل المساعدة للمرشدين.

الصلاة المشتركة في حياة الفرقة جسر الى صلاة شخصيّة و جماعيّة أكثر إشعاعًا. يعني المرشدين دائمًا أن يبحثوا و يتباحثوا في  كيف يمكن أن يستفيد الأعضاء من الصلاة المشتركة في ظروف محدّدة : مساندة الأعضاء في صعوبات معيّنة ، مساندة حياة الفرقة ، التدريب على الحياة الكنسيّة، العلاقة الشخصيّة مع الرب في الجماعة، واكتشاف غنى النصوص الليتورجية وفهمها عبر دراستها و ممارستها في حياة الفرق. ما هي سبل التدريب على الصلاة في الفرقة وكيف تساعد حياة الفرقة الأعضاء في تذوّق الصلاة، كلّها محاور للدراسة في حياة المرشدين في الفروع والمراكز.

كيف تستقبل الفرقة الأعضاء الجدد ؟ هل هي جسم متحرّك قابل للتأقلم حسب الأدوار البشاريّة الطارئة ؟ ما هو دور المشاركة الماديّة في حياة الجماعة ؟ و كيف تساند لجان الإرشاد في المراكز والفروع حياة الفرق من ناحية المعرفة الإيمانيّة والإجابة على إشكاليّات طارئة ومشاركة الخبرات الإيجابيّة وخلق أطر للصلوات المشتركة ؟

إن فتح إمكانيات العمل الرعائي للأعضاء وتمكين التنسيق الفعّال مع الكهنة والشمامسة لإيجاد مساحات تطبيق لحياة الفرق الحركيّة ضرورة تعليميّة وروحيّة بامتياز بالإضافة لكونها ضرورة إجتماعيّة .

آليّات عمليّة للتفصيل :

إدراج مجموعات تركيز لدراسة واقع الفرق الحركية في كلّ لقاءات الأسر ومناقشة الحلول الممكنة في اجتماعات الأسر في الأمانة العامة حسب الشريحة العمرية بحضور عدد من المرشدين ومسؤولي الإرشاد

الإتفاق على شبكة قراءة موحدة للفرق الحركية تأخذ بعين الإعتبار كلّ مكوّنات حياتها وقابلة للإستخدام في الفروع و لجان الإرشاد والأسر في المراكز

تخصيص صفحة على موقع الحركة لمحور الفرقة الحركية لتجميع أوراق وشهادات وأدوات مساعدة لحياة الفرق (يمكن الطلب من لجنة الهوية النهضوية تحويل هذه المواد الى ورش عمل متنقلة بين المراكز)

مبادرات خاصة من المراكز

 

رابعًا- المرافقة والتلمذة  :

نقرأ في سفر طوبيا : ” بينما خرج طوبيا اذا بفتى بهيّ قد وقف كانه متأهّب للمسي، فسلّم عليه وهو يجهل انه ملاك الله … فقال له طوبيا هل تعرف الطريق الآخذة الى بلاد المادييّن؟  قال أعرفها وقد سلكت جميع طرقها مرارًا كثيرة”. ” الطريق” إسم آخر للإيمان المسيحيّ في أعمال الرسل، يمشي فيها الإخوة سويًّا جاعلين بعضهم بعضا تلاميذ للمعلّم السماويّ. لقد وضع الله نفسه في تجسّده مكان الإنسان لتكون جاذبيّته بوصلة تحرّك الإنسان من الداخل، شريعة مكتوبة في القلوب اللحميّة وليس على الحجر: ” فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ… مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ.” ( عب 2 : 14 – 18 ). يسوع هو المرافق بامتياز، السائر معنا كما مع تلميذي عمواس، في طريقنا الشخصي حيث يمتزج البحث بالحيرة و الحزن والشوق وابتغاء القيامة. وكما قال روحه لفيلبّس : «اذْهَبْ إلَى تِلكَ العَرَبَةِ وَلازِمها.» ( أع 8). يرسلنا لنلازم بعضنا بعضا في عربتنا في الحياة علّنا نتمكّن أن نفهم ما نقرأ ونلاقي الحمل في ابتهاج خدره في النفس وفي الكنيسة.

لقد أضاء هذا الإيمان بالأخوّة وقدسيّة الشخص علاقات المرافقة والتلمذة والإرشاد في حياة الجماعة  في حركة الشبيبة الأرثوذكسية، و تجسّدت في شخصيّات عرفناها كالأخ كوستي بندلي و المطران جورج خضر والأب الياس مرقص، و ما زلنا نعاين يوميًا هذه الأنوار في شباب يتلمذون بعضهم بعضًا للشمس التي لا تغرب. غير أن الحاجات كبيرة ولا بدّ من جهد مستمر لنقل هذه الوديعة بشكل منهجيّ وسليم للأجيال.

لا يقتصر عملنا على التعليم والتوجيه والرعاية العامّة للفرقة كمجموعة  بل يعوزنا دائمًا تخصيص ما يلزم لرعاية خاصة ومميّزة لمن نراه بحاجة لها. إن التربية الحقة تشجّع على عيش الحياة وتذوّق تجلّيات الله بها ولا تكتفي باشتهاء الجمال والتكلّم عنه دون اختباره. تحترم كلّ خبرة وتؤمن أن الله عامل وفاعل بها مهما بدت عاديّة فتعمل على تنمية بذور الحق فيها. هذا ينشأ في علاقة تربويّة مؤسَّسة على الإحترام والإصغاء والثقة والنظرة الإيجابيّة غير المشروطة أيّ المحبة المجانيّة المحرِّرة.

آليّات عمليّة للتفصيل :

لقاء سنوي ثابت حول المرافقة والتلمذة بالإضافة الى لقاءات خاصة بمرشدي الأسر حسب الشريحة العمرية خلال السنة

دراسة كتاب ” ذكريات لا تمحى ” (للأب إيليا متري ) حول نموذج المعلم عند المطران جورج خضر وتحويله الى مواد تغذي دورات المرشدين في المراكز ( يمكن الطلب من لجنة الهوية النهضوية تحويل مواد الكتاب الى ورش عمل متنقلة بين المراكز )

توثيق  تجليّات التربية والمرافقة عند  الأخ كوستي بندلي ( في كتاباته و خبرات من عرفوه)، والمطران جورج خضر ( روحه التربويّة منتشرة في الكثير مما كتبه وينبغي جمعه)، الأخ ألبير لحام ( في خبرات من عرفوه) والأب الياس مرقص ( في ممارسته للأبوة الروحيّة).

المحاور التي يمكن  دراستها في اللقاء السنوي : كيف رافق الله شعبه في الكتاب المقدس –  يسوع المرافق – المرافقة عند آباء الصحراء – نموذج المبشّر والمعلّم والعرّاب في الكنيسة الأولى – نظريّات التعلّق attachment theory  – المرافقة المتمركزة حول الشخص  – التعليم والمرافقة والتدريب في المجموعات الصغيرة بحسب العلوم التربويّة وعلوم الإدارة – حدود المرافقة – أفخاخ المرافقة – المرافقة بالصلاة والكتاب المقدس- دور الجماعة في المرافقة – صورة الله في الخطاب الإرشادي

لقاءان حول حقوق الطفل و مرافقته في عالم متغير / حقوق المراهق و مرافقته في عالم متغير

 

خامسًا- مساندة المرشدين :

تبقى الفرقة الحركيّة الأرض الخصبة التي تولد فيها المواهب في خدمة بناء الجسد ومنها الإرشاد والتعليم. لا بدّ للرؤية التي تلقتها وعبّرت عنها المجموعة- النواة الأولى  أن تنتقل الى كلّ الجماعة الكنسيّة والى الأجيال اللاحقة ولكن من طبيعة المجموعات الكبيرة  أنها في تمدّدها قد تفقد شيئا من حدّة الرؤية الأولى على الأطراف في الزمان أو المكان. لذلك من المفيد إيجاد منهجيّة مركزيّة ثابتة (في المراكز والأمانة العامة) للتشديد على بعض المحاور في التنمية الذاتيّة والمعرفة الإيمانيّة والهويّة الحركيّة والتربية عند المرشدين وإيجاد لجان إستشارية في كلّ مركز ترافق المرشدين ( الجدد والمختبرين ) في مسيرتهم وتشاركهم همومهم الطارئة أو الدائمة.

آليّات عمليّة للتفصيل :

يمكن للمراكز بالتشاور مع بعضها البعض تحديد ” وحدات تعليميّة ” ثابتة تعاد سنويا أو كل سنتين تأخذ بعين الإعتبار الحاجات التعلّمية للمرشدين في المعرفة الإيمانيّة  والمهارات التربويّة و دراسة مشتركة لكتب معيّنة (خاصة من منشورات تعاونية النور)، متوازية مع  اجتماعات تطبيقية يحوّل المرشدون فيها هذه المواد الى مواضيع للفرق ومشاريع عمليّة. يمكن أن تشكّل لقاءات الأمانة العامة وحدات تعليميّة إضافيّة تكمل هذه الحاجات ومرافقة للتساؤلات والصعوبات الإرشاديّة.

يمكن لهذه “الوحدات التعليميّة” في المراكز أن تحتوي، بالإضافة الى ما يناسب من المواضيع العقائديّة والليتورجيّة والكتابيّة والحياة الكنسيّة، على مواضيع طارئة تتبدّل بحسب الحاجات الراهنة التي يجب رصدها بإصغاء مستمر للمرشدين.

 

سادسًا-حسن الإدراة لخدمة الروح:

كيف تُنقل هذه الهموم الى الكلّ و كيف يساهم كلّ اجتماع إداريّ في بناء الأشخاص و تجسيد المشورة وتغذية بعضنا بعضا بطاقة الحب في روح البساطة والفرح في المسيح يسوع ؟ كيف نرافق بعضنا بعضًا في معالجة الهموم الكنسيّة وحياة الجماعة ؟ كيف نخفّف ثقل ” الآلة ” الإداريّة حتى تسري فيها الحياة بين العقول و القلوب ؟

نجاح الأنشطة والمشاريع رهن لفاعليّة إدارتها من ناحية خطة التنفيذ، الوقت، الموارد الماديّة والبشريّة ونوعيّة النتائج المنتظرة من جهة، كما انه رهن لقدرات ومميّزات الأشخاص الذين يتولّون القيادة من جهة أخرى. فالإدارة لازمة لكل نشاط جماعي. أمّا القيادة، فهي قائمة على انتقال الإلهام، هي تسليط للضوء على رؤية واضحة وتحفيز للأشخاص كي يعملوا على تحقيق الأهداف. إذا، لا بدّ من وجود قياديّين إداريّين في الحركة، لكي يستطيعوا توضيح وترجمة الرؤية الحركية الى أهداف تلبّي الحاجات الآنيّة، وخطط عمل تنظم مشاريع عدة وتحقق الأهداف المنشودة، ومن ثم تحفيز الآخرين والسير معًا  من أجل تنفيذها. ولكن الأولى من نجاح الأنشطة هو بناء الأشخاص و نموّهم في المسيح. فالجماعة ليست أرقامًا بل هي وجوه عزيزة  في عينيّ الرب وفي عيوننا.

في الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس، يتحدّث الرسول بولس عن “المواهب الروحيّة” ويوضح أهمية المحبة في ترابط هذه المواهب. وينهي الإصحاح 14 بتوصية الكورنثوسييّن أن يكون كلّ شيء بلياقة وترتيب، أي أن تُوضَع كلّ الأمور في نصابها وبحسب أهميّتها من دون أن يتمّ تجاهلها ولا المبالغة فيها. ويشرح لنا القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم هذا الطلب مؤكِّدا انّه “لا شيء يبني مثل النظام الحسن والسلام والحب… ليس فقط في الأمور الروحيّة بل في كلّ شيء فليراع الإنسان هذه الأمور.” إذا، حسن الإدارة والقيادة و”النظام الحسن”، مقرونًا بالمحبة والسلام، ركن أساس لبناء أي جماعة كنسيّة مرتكزة على مواهب أعضائها والتزامهم التطوعيّ في عملها ونموّها. إذا كان السبت قد وُجد للإنسان فالإدارة تخدم الروح لحفظ المشورة و تفتق المواهب والإبداع الخلّاق وليست صنمًا يُعبد.

آليّات عمليّة للتفصيل:

يمكن إدراج حلقتين تدريبيتين حول حسن الإدارة والقيادة في الحركة للمرشدين/ المسؤولين ضمن “الوحدات التعليمية” الثابتة التي تعاد سنويا أو كل سنتين. على ان تغطي هذه الحلقات بعض التقنيات والمهارات الإداريّة وكيفيّة استخدامها عمليًّا في الحركة.

يمكن أن تشكل لقاءات واجتماعات الأمانة العامة وحدات تعليميّة إضافيّة تكمل هذه الحاجات، وإطارًا  لتبادل الخبرات العمليّة بين المراكز ومرافقة التساؤلات والصعوبات الإداريّة والقياديّة.

 

سابعًا -القداسة المبتغاة :

الخليقة الجديدة والإنسان الجديد مرادفات للقداسة التي نبتغيها في حياتنا الجماعية . أحبّاء الله يدعوهم بولس الرسول كلّهم قدّيسين (رو1 : 7). هم ملح الأرض ونور العالم (مت 5: 13– 14) وهم كالشهداء أصدقاء العريس المجروحون بحبّه. لا تجد القداسة مرجعها في لغة هذا العالم إنما في قداسة الله نفسها. هذا هو فعل الله الأخير : ” لا أعود أسمّيكم عبيدًا بعد بل أصدقاء” (يو 15 : 14- 15 ). يظهر القدّيسون مكان كشف إلهي. فبعد أن كان في العهد القديم أماكن مقدسة يكشف الله نفسه فيها، أصبحت الأرض كلها مجالا لكشف مجد الله  منذ العنصرة حتى يمدّ القدّيسون تأجّج العلّيقة الملتهبة الى كامل زوايا المسكونة.

جدّة القديس تظهر غريبة عن القديم في هذا العالم، وعن المعتاد. ما يعثر غير المؤمنين هو أن المسيحييّن ليسوا كلّهم قدّيسين. وقد قال أحد الكتّاب أن عالمنا المعاصر يحتاج بخاصة الى قدّيسين جدد، مبدعين ومجدّدين أي الى أشكال جديدة من القداسة. ذلك أن مصير العالم مرتبط بموقف كل مسيحي منه. الى أي مدى يشعر العالم عبر احتكاكه بالمؤمنين بمحبة الله المحوِّلة ؟

المؤمن الحق  يخلّص العالم لأنه يحبّه. لقد أتت الساعة حيث لا يكفي أن يتكلّم المؤمن عن مسيحه بل أن يصيره هو نفسه أي مكان حضور له وإشعاع. إبداع المؤمن وفنّه في أن يستنبط كلّ الأساليب والأشكال التي تجسّد حضور يسوع في حضارة اليوم. كان يحلو للقديس سلوان أن يذكر القديس يوحنا كرونشتادت القائل عن الروحانييّن الحقيقييّن: ” مُحتَجبين عن أنظار الناس، لا يصنعون عجائب ظاهرة. ولكن في نفوسهم، كلّ يوم، تحصل عجائب حقة”.  تجلّي الحياة اليوميّة يمرّ حتمًا بالدفاع عن المظلومين (العمال والفقراء… كما في حياة القدّيس يوحنا كرونشتادت) . فإذا أخذت التوبة بعدًا جماعيّا يتفشى ملكوت الله في هذا الزمان. ” من كان المسيح كلّ وجوده يُنقذ الكنيسة من أعدائها، من طغمات منظورة وغير منظورة. من هنا صوت الرهبانيّة الكبيرة المدوّي الذي ينقلنا الى أن الله وحده يعزّينا عن كلّ شيء ويكفينا ” (المطران جورج خضر). من هنا أيضا الرهبانيّة الداخليّة أو المستدخلة التي يعيشها المؤمن في حياته اليومية ( بحسب تعبير إفدوكيموف).

قدّيس اليوم هو إنسان ككلّ الناس ولكن كلّ كيانه قضيّة حياة أو موت يطرحها على العالم. ليس القدّيس أسطورة لكنه يتجاوز كلّ أسطورة لأنه تفجّر الملكوت الآن وهنا. يترجم القديس للسماء معاناة إخوته ويترجم للأرض ابتسامة الآب ومحبّته المجنونة. لذلك يعوزنا قدّيسون مجانين. يأخذ القديس على محمل الجدّ قول الرسول بولس : ” إذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون أي شيء فافعلوا كل شيء لمجد الله” ( 1 كو 10 : 31 ). هذه نكهة الإنجيل في تعاطي أمور العالم. في يد الفلاح في أرضه أو الباحث في مختبره تنكشف المادة خليقة جديدة إذا رافقت هذه النكهة كلّ عمل. هذا هو ألم الخليقة الذي ليس هو ألم احتضار بل ألم مخاض نحو الولادة الجديدة التي يتمّمها أبناء الله ( رو 8). تخترق القداسة كمدة هذا العالم وتعيد للأرض شفافيّتها الأولى. يظهر القديس هكذا كأنه نفخة هواء منعش في مناخ الضجر الذي يهدّد العالم بالهلاك. في ثمالة الحب الخفرة بحسب تعبير القديس غريغوريوس النيصصي، يتقدم القدّيس في بساطة يسوع وإبداع الروح حيث كلّ شيء يصبح ممكنا وتظهر الحياة تلك “العجيبة المستمرّة التي تسند الكون” (الأب الياس مرقص).

الدكتور جورج معلولي

لتحميل الورقة كاملة اضغط على الرابط التالي  :    مؤتمر 2018- أولويّات في التربية والمرافقة والحياة النهضويّة

15 Shares
15 Shares
Tweet
Share15