الأرشمندريت الياس مرقص

mjoa Sunday February 21, 2021 272

 من هو الأرشمندريت الياس مرقص (15 أيار 1921 – 23 شباط 2011)؟

هو مرسيل اسبيرو مرقص المولود في 15 أيار 1921 في مدينة اللاذقية السورية، حائز على الإجازة في الحقوق، و قد عُيّن رئيساً لدائرة محافظة اللاذقية، ومحافظاً بالإنابة ومن ثم قائمقاماً بالأصالة.
هو أحد مؤسّسي حركة الشبيبة الأرثوذكسية سنة 1942، وقد تخلّى عن المناصب، وحياة العالم، وترهّب في دير القديس جاورجيوس دير الحرف سنة 1958، متخذاً من النبي الياس شفيعاً له، ينير له طريقه النسكيّ، ويعينه في جهاده الروحي. أسَّسَ رهبنة دير مار جرجس دير الحرف، لتستعيد الكنيسة الأنطاكية، بحركته هذه، الحياة الرهبانية الشركوية التي غابت عن الكرسي الأنطاكي لأكثر من مئة سنة.
له مُؤَلَّفاتٌ وترجماتٌ ومقالاتٌ ومساهمات لاهوتيَّة عديدة، وكان أبًا روحيًّا لشباب وشابات وعائلات من سورية ولبنان والأردن، يُعتبر بحق، أبرز من غاص في الحياة الروحيّة في الكرسي الأنطاكي وحرَّكها من جديد، منذ خمسينات القرن الماضي، وله أيْضاً المئات من الأحاديث والمحاضرات. واجه ظروفاً صعبة، امتاز بتواضعه، ومحبَّته وسهولة الصلاة وموهبة الدموع والفرح والشكر والثبات والجرأة والاهتمام بالضعفاء والمنبوذين .

كثيرون كانوا ينتظرون مقالات أبونا الياس، ليغوصوا في أعماق الروحانية الأرثوذكسية، فكانت كلماته، على بساطتها سهلاً ممتنعاً.
رقد الأرشمندريت الياس مرقص بالرب على رجاء القيامة والحياة الأبدية في 23 شباط 2011.

وإن أردنا التوسّع قليلاً في الكلام عن تجربته، فلا بدَّ من تسليط الضوء على بعض المحطات المفصلية والمؤثّرة في حياته، قبل الدخول إلى الدير وبعده.

أبونا الياس: النهضوي- الرُّؤيوي:
بتاريخ 15 تموز 1941، بعث مرسيل مرقص، الطالب في كلية الحقوق آنذاك من اللاذقية إلى جبرائيل سعادة المصطاف في صلنفة الواقعة في جبال اللاذقية، برسالة جاء فيها ما يلي:
” لست أدري إن كان (فلان) قد حدَّثك عن حركة التقويم الأرثوذكسي التي يجب أن نؤسّسها، حركة أخلاقية، حركة فكرية من هذه الأفكار التي تقود العالم، سوف أحدّثك مطوّلاً عن هذا الموضوع في فرصة أخرى.”
وبتاريخ 18 تموز 1941 (أي بعد ثلاثة أيّام من تاريخ رسالة مرسيل مرقص) كتب جورج خضر (الّذي لم يكن يعرف آنذاك مرسيل مرقص ولا جبرائيل سعادة) من بلدة حدث الجبة التي يصطاف فيها إلى ألبير لحّام في ضهور الشوير رسالة جاء فيها:
“ولكن كيف نستطيع أن نعيد إلى الأرثوذكسية نفحة الروح إن لم يكن بتأسيس حركة أرثوذكسية. إنَّ هذا يتطلب عملاً جماعياً، وليس عملاً منفرداً، يجب أن نبعث الشعور الرّوحي… تنتظرنا أعمال كبيرة، والمستقبل لنا لأَّنَّ يسوع معنا”

هكذا وفي ثلاثة أيّام من شهر تموز من سنة 1941 ومن مكانين مختلفين في الكرسي الأنطاكي تكلَّم شابَّان على تأسيس حركة أرثوذكسية، هدفها التقويم وبعث الشعور الروحي وتحقيق نهضةٍ منشودة بعدما تفشَّى الإنحطاط والجهل في الوسط الكنسي الأرثوذكسي.

ويُصرّ المنتمون إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسية أنَّ تلازمَ التزامن لفكرةِ إنشاءِ حركةٍ تعمل على نهضة الكنيسة ونفض الغبار المتراكم على تراثها ومواجهة الجهل المتفشي فيها في وقت متزامن من شخصين لا يعرفان بعضهما بعضاً، إنما تمّ بفعل الروح القدس وليس بفعلٍ بشريّ.

ولدت الفكرة، وَوُضِعت موضعَ التنفيذ حيث ظهرت حركة الشبيبة الأرثوذكسية إلى النور، في منزل جبرائيل الدبس في بيروت بتاريخ 16 آذار 1942، ثمرة اجتماعات ومداولات ومشاورات ونقاشات وصلوات مشتركة بين طلّاب جامعيّين.

وفي نيسان 1942، أسَّس مرسيل مرقص ومن معه من الشباب مركزاً للحركة في اللاذقية، وانتُخِب رئيساً له.
إنطلق مرسيل مرقص بشهادته النهضوية بهمّة رسولية، وأرسل إلى الأمين العام للحركة آنذاك جورج خضر رسالة مؤرّخة في 11 ايار 1942 يخبره فيها عن نشاط الحركيّين في تلك الأيام. وكيف اجتمعوا الأحد 10 أيار في الكنيسة وتناولوا من الكأس المقدّسة. وأنَّه تألفت فرقتان ،

تضمُّ الأولى الذين أنهوا دراستهم الثانوية بينما تضم الثانية تلاميذ مدرسة الفرير، وتورد الرسالة أسماء الفرقة الثانية ومن بينهم اسبيرو جبور.

 

في 25 أيلول من سنة 1942، كتب جورج خضر إلى ألبير لحّام رسالة نقتطف منها ما يلي:

“إنَّ أفضل مراكزنا دون منازع هو مركز اللاذقية، فهناك نشاط منقطع النظير كما يذكر مرسيل مرقص في رسائله فهو يقول إنَّ الحركة أصبحت معروفة في كلّ مكان وبين جميع العائلات ونحن ننتظر تحقيق الكثير في ذلك المركز.”

إذاً، كان مرسيل مرقص المحرّك الأكبر لنشاطٍ نهضويّ منقطعِ النظير في اللاذقية وجوارها، فقد بدأت تتبلور عبر مراسلاته، ونقاشاته مع جورج خضر وألبير لحّام وسواهما رؤيا حركة الشبيبة الأرثوذكسية، وضخامة الدَّور النهضوي المطلوب من أعضائها، فقد أيقن هؤلاء الفتية الرسوليون، أنهم لن يستطيعوا شيئاً إن لم ينسحقوا أمام الكأس المقدسة، وإن لم ينهلوا من الكتب المقدسة، فراحوا يلتهمونها، ويجوبون المدن والقرى سيراً على الأقدام جامعين الشباب، مبشّرين بالكلمة، داعين لنهضةٍ روحية تبدأ بحركة توبة في القلب.

بعد مدّة وجيزة، تولَّى مرسيل مرقص وظيفة إداريّة في محافظة اللاذقية السّورية. وترقّى هذا الشاب الهادئ المثقّف بسرعة في سلّم الوظيفة، ليتولَّى رئاسة دائرة المحافظة. وهي وظيفة

محوريّة في عمل المحافظ وسائر الموظَّفين في المحافظة، وأُسندت إليه مهام المحافظ بالإنابة مراراً.

لم تمنعِ الوظيفةُ مرسيل مرقص من تكثيف دوره النهضوي ونشاطه الكنسي وتعزيز تواصله مع الشباب وإرشاده للفرق، بل على العكس، كانت له بمثابة خبرة صقلت شخصيته و زادته إلتزاماً.

وعندما كُلّف بمهام قائمقام القطيفة الواقعة قرب دمشق، لم يهدأ، بل بادر باتّجاه الشباب الدمشقي، داعياً إياهم إلى اللقاءات والحلقات مؤسّساً لفرق جديدة، تستقطب وجوهاً جديدة كما قال الياس الزيات، المؤرخ ورسام الأيقونات الذي كان واحداً من هؤلاء.

خلال هذه المرحلة ، استمرَّ مرسيل مرقص مكرّساً ذاتَه للرب رغم الوظيفة وقد كثّف من قراءاته وأبحاثه اللاهوتية، والفلسفيّة والتاريخيّة وتعمّق في فهم الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة ، وتبلورت رؤيتُه وَأُوْضِحت.

 

وللدّلالة عن ثقافة مرسيل مرقص اللاهوتية وسِعة اطّلاعه،

أَنقل ما كتبه المثلث الرحمات الشماس اسبيرو جبور في رسالة له بعنوان حركة الشبيبة الارثوذكسية تنبش التاريخ الأبيض للكرسي الأنطاكي مؤرّخة في 17/5/1995 حيث جاء فيها ما يلي: ” في العام 1955 ألقى مرسيل مرقص (الاب الياس) محاضرةً في كلية اللاهوت في أثينا أَذهلت الأساتذة فقالوا له: هذا هو اللاهوت لا ما ندرّسه هنا “.

استمرَّ مرسيل مرقص أميناً لمحبته الأولى، وملتزماً بوعي ونضج ما كان قد خطَّه إلى جبرائيل سعادة، عن الحاجة إلى حركة تقويم أرثوذكسية، فأيقن بوعيِه وحسّه الدّاخلي،أَنَّ النهضة في الكنيسة تتطلَّبُ بشكل أساسي وجود رهبنة. في وقتٍ اندثرت فيه الحياة الرهبانية – لا سيما الرجالية منها- بشكل كامل منذ مدة تقارب المئة سنة.

وقد كتب:
” إنَّ الكنيسة الأنطاكية، تحتاج لوجود رهبنة، أولاً و قبل كل شيء، لأنّ فيها النهضةَ الأصلية، العميقة، الكلية ذات الاتّصال الحياتي والجماعي بالروح القدس. وإنَّ الكرسي الأنطاكي سيبقى بعوز إلى نهضة روحية واستقامة عميقة أمام الله إلى أن يوجد فيه أناس يكرّسون ذواتهم لله تكريساً كلياً غير مشروط.”

 

يشدّدُ أبونا الياس على ضرورة وجود أب روحي في حياة المؤمن الأرثوذكسي، لأن في ممارسة سرّ الاعتراف هناك حياة تعطى، ويحذّر أبونا الياس من بعض المحاذير والمخاطر في علاقة الأب الروحي بالابن الروحي. فيطلب الانتباه من:
– عدم استعباد الابن الروحي، بل تنمية روح الحرية والمسؤولية لديه.
– معاملته حسب مرحلته وحسب وضعه وكيانه وخبرته الروحية، فكل شخص فريد.
– التحذير من التعلُّق العاطفي. (مثال الذي عدل عن الصلاة بعد موت أبيه الروحي).
فوظيفة الأب الروحي أن يوقظ قوى النعمة الكامنة في القلب منذ المعموديَّة، وذلك بمثاله وإشعاعه الروحي… وأن يرافق على مراحل الابن الروحي ويأتي وقت ينسحب فيه الأب الروحي ويترك المجال لنمو وازدهار ما ينبت عند الابن.
فالحياة الروحية لا تعلّم، وليس الأب الروحي رئيسًا أو معلمًا بل شاهدًا للرّوح واندفاقه.

من إخوته الحركيّين مثل جورج خضر (المطران لاحقاً) و قيصر بندلي (المطران بولس لاحقا) و شفيق منصور (المطران يوحنا لاحقاً) وسواهم. حيث تعاهدوا أن يكرّسوا أنفسهم كليًّا للرب، وأن يكونوا النواة الرهبانية الأولى، إلّا أنّهم جميعاً عادوا واختاروا التكريس الكهنوتي في التعليم والرعاية والخدمة فيما هو استمرَّ في المسار الرهباني .
أمام رغبته بالتكريس الكليّ، تخلَّى مرسيل مرقص عن وظيفته المرموقة، ومستقبله الواعد في الوظيفة، وهو حامل شهادة عليا في زمن قلّ فيه حملة الشهادات العليا، وقرَّر الشّاب اللاذقي الهادئ المثقَّف التّخلي عن المراتب الوظيفية المفتوحة أَمامه، وإهمال هوايته بعزف البيانو، والخروج نهائياً من اللاذقية التي أحبها، وترك كل شيء وراءه ،وتوجَّه إلى دير مار جرجس في دير الحرف، وبدأ حياته الرهبانيَّة من الصفر لغياب شركة رهبانيّة ينتمي إليها وتكوين خبرته الرهبانية فيها، فكان فعلياً الراهب الأول في الكرسي الأنطاكي بعد طول انقطاع والمؤسّس لشركة رهبانية، هي الأولى بدورها بعد أكثر من مئة سنة على اندثار مثيلتها .

وهكذا، حضر مرسيل مرقص إلى دير الحرف في كانون الأول من العام 1957. وفي 28/8/1958، في غروب ذكرى قطع رأس القدس يوحنا المعمدان، وبحضور المطرانين إيليا (كرم) و الياس (معوض) لبس مرسيل مرقص توب الإبتداء واتَّخذ القديس الياس شفيعاً له.
وفي ربيع سنة 1961، استلم أبونا الياس رئاسة الدير لتبدأ بعدها نهضةٌ كبرى من نوع آخر.

الدير واحةٌ روحيَّة نهضويّةٌ
عكف الأرشمندريت الياس مرقص على العيش كراهب، وتأسيس أخوية رهبانية، بحسب المفهوم الأصيل للرهبنة في الكنيسة الأرثوذكسية، وسخّر مواهبه وطاقاته لتأمين استمرار العائلة الرهبانية لتكون بحسب قلب الله.
وبسبب حرصه الكبير على قيام تواصل حي بين الشركة الرهبانية التي يرأسها، وآباء روحيين مختبرين للحياة الديرية، دعا الأرشمندريت الروماني الأصل الأب اندريه سكريما المغبوط الذكر، إلى مشاركة الرهبان في الدير وإعطائهم الإرشادات والتَّعاليم الرهبانيّة.
وقد تفاعلَ الرّهبان وعلى رأسهم أبونا الياس، مع شخص وتعليم وأسلوب الأب سكريما، فعملوا على تحويل أحاديثه إلى عشرات الكتب التي لا تزال مصدرَ غذاء روحيّ لآلاف الناس في كل الأرض.
وعمل أبونا الياس على تحويل دير الحرف إلى واحة روحية نهضوية، بكل ما للكلمة من معنى، وتحوَّل هو الأب الروحي لآلاف من شباب وعائلات، يعرّف ويرشد، وتحول الدير إلى محجَّة روحية، يقصده الآلاف سنويًا. وقد حرص الأب الياس مرقص ومن بعده أبونا يوسف على احتضان كلّ زائر للدير بالحب والكرم والفرح، لأنه آتٍ إلى بيت أبيه، أي إلى بيت الآب السماوي.
وقد حقَّقَ الأرشمندريت الياس في سلوكه وطريقة عيشه تزاوجًا فريدًا بين محافظته على مثال الراهب، الملتزم بأمانة ودقة كلّيتين نظم الرهبنة وقوانينها وأصولها وآدابها، ومعاشرة الكتاب المقدَّس بلا انقطاع ودقة ممارسة الحياة الطقسية والصلاة المستمرة، وبين التأثير النهضوي الكبير، الذي أحدثه خارج الدير، جاعلًا من جدران الدير، ألواحًا من زجاج، تنقل حضوره وعبير شهادته إلى أرجاء العالم كافة في ظاهرة مواهبية فريدة على هذا الصعيد.

كيف عبّر أبونا الياس عن الرهبنة؟

إن كلَّ شيء صالح في هذا الوجود يأتي من محبة الله للعالم، هذه المحبة التي لا تدرك ولا تفسّر ولا توصف، وتاليًا فإن كلّ صالح يأتي به الإنسان، هو ثمرة لحركة الحب التي تتجاوب مع الحبّ الإلهي. هذه الحركة أي حركة الحب في القلب المتَّجهة نحو الرَّب للالتصاق به، هي التي تثمر الفضائل وأعمال الخدمة نحو الآخر.
ومن هذا المنطلق، عبّر أبونا الياس عن فهمه للحياة الرهبانية ونذورها ودور الأب الروحي وحريّة أبناء الله وسواها…

تستوقفك عند الأب الياس مرقص اللُّغة التي يكتب أو يخاطب فيها، فتغيب عنها العبارات التي تجعل الله مصدرًا للخوف أو التَّرهيب أو سببًا للخضوع الأعمى. فيستخدم لغة تعبّر بشكل سلس وجذاب، عن محبَّة الله الَّتي تفوق الوصف وافتقاده للبشر وافتدائهم على الصليب…
فأنت تأتي الرب لتلبي بمحبة، دعوة مميزة بما يفوق الوصف أمام حضرة الله، أنت تتوب أي تتحرَّك بالحب والانسحاق لا خوفًا من حساب، أو رهبة

أو التفافًا على دينونة، بل انطلاقًا من الحب، والحب وحده فالحب والخوف لا يلتقيان. وقد كتب :
“الكنيسة بالضبط ليست وصايا وفرائض، بقدر ما هي محبة الرب والتماس وجهه…”
“الفضيلة ليست في الأعمال، بل في حركة القلب التي ضمن الأعمال، هي، في الاتّجاه نحو الرب والالتصاق به والحنين إليه…”

كيف عبّر عن النذور الرهبانية ؟
كلنا يعرف أن الحياة الرهبانية إيفاء لثلاثة نذور: العفَّة والطاعة والفقر، لكن أبونا الياس يزيد عليها نذرًا رابعًا هو الصَّبر، وأنَّ هذه النذور الأربعة هي بمثابة المسامير الأربعة التي يصعد بها الراهب على صليب المسيح فيحقق قيامة الطبيعة البشرية وكمالها. فالدعوة الرهبانية لا يمكن أن يلبيها إلا الانسان الحر من داخله أوَّلاً، لأنها جوابٌ على تدبير الرب وخلاصه.

حول نذر العفَّة
يستهلُّ أبونا الياس إحدى كتاباته التي تعبّر عن البتولية بقوله : “ليست العفة هنا عدم ممارسة العلاقات الجنسية وحسب، مستشهدًا بكلام القديس باسيليوس الكبير الذي قال فيه : “انا لم أعاشر امرأة ومع ذلك لست بتولًا”. فالبتولية الرهبانية ليست وضعًا خارجيًا بل حالة: هي الطهارة الداخلية القلبية، الطهارة بالمعنى الأساسي للكلمة. وإن الزواج لا يناقض البتوليّة أصلًا، ولا البتولية تناقض الزواج. فسر الزواج هو سر الطهارة. وفي مقالة له عن العفّة، يستهلُّها بصرخة من كتاب التريودي هي : “ويلي فقد صار جسدي لحمًا”.

وفي نذر الفقر، كتب أبونا الياس :
الفقر للراهب يعني أوَّلًا واقعًا اجتماعيًا، فلا يملك الراهب ولا يحقُّ له أن يملك ما يملكه الآخرون وكما يملكه الآخرون، ولكن ما يهمنا (والكلام لأبونا الياس) هو المعنى الروحي لنذر الفقر. وهو معنى عميق يلقي عليه ضوءًا غريبًا.
للفقر وجه نسكي إذ هو حركة انسلاخ، حركة تجريد وتنازل اختياري عن خيرات العالم، وذلك لا احتقارًا للعالم بل تفضيلًا لما هو أفضل منه.
وللفقر معنى صوفيًا، فالراهب هو الانسان الذي يحقق بالفقر تجريدًا يعيده أكثر فأكثر إلى الله، فالرب يسوع يلّح كثيرًا على تجريد الذات، والفقر يحقق العزلة، العزلة المادّيّة والعزلة الروحية التي لا بدّ منها للاتصال بالله.
وللدلالة على ضرورة وعي أهمّية الفقر الاختياري ومكانته عند الراهب يورد هذا المثل : “قيل لراهب، لقد ورثْت أباك، فقال : كيف أرث أبي وقد متّ قبله ! !

في نذر الطاعة :
إنها الفضيلة الأولى والأخيرة في حياة الراهب، إنها فضيلة التزام الحياة كلها، فضيلة دخول الراهب في الحياة الإلهية ودخول الله في حياة الراهب.
بنذر الطاعة يلتزم الراهب طاعةَ رئيسه وإخوته، متنازلًا عن إرادته الذاتية.
إن مسمار الطاعة هو المسمار الأكثر قساوة والأكثر إيلامًا ولكنَّه المسمار الأعمق والمتين – فَبالطاعة نتنازل عن الكيان – وإن لم نتخلَّ عن كياننا، فلن ن

تَخَلَّى عن شيء.
يختصر أبونا الياس بالقول: “الطاعةُ فخر الراهب”

في نذر الصبر:
بالنسبة للأرشمندريت الياس مرقص فإن نذر الصبر يعطي النذور السابقة فحواها وقوتها، لأنه عند تقليد الراهب الاسكيم الرهباني يُسأل: أتحمل بصبر جميع أحزان السيرة الرهبانية وضيقاتها لأجل ملكوت السموات.

الحريّة والأبوّة الروحيّة:

يشدّدُ أبونا الياس على ضرورة وجود أب روحي في حياة المؤمن الأرثوذكسي، لأن في ممارسة سرّ الاعتراف هناك حياة تعطى، ويحذّر أبونا الياس من بعض المحاذير والمخا

طر في علاقة الأب الروحي بالابن الروحي. فيطلب الانتباه من:

  • عدم استعباد الابن الروح
    ي، بل تنمية روح الحرية والمسؤولية لديه.
  • معاملته حسب مرحلته وحسب وضعه وكيانه وخبرته الروحية، فكل شخص فريد.
  • التحذير من التعلُّق العاطفي. (مثال الذي عدل عن الصلاة بعد موت أبيه الروحي).

فوظيفة الأب الروحي أن يوقظ قوى النعمة الكامنة في القلب منذ المعموديَّة، وذلك بمثاله وإشعاعه الروحي… وأن يرافق على مراحل الابن الروحي ويأتي وقت ينسحب فيه الأب الروحي ويترك المجال لنمو وازدهار ما ينبت عند الابن.

فالحياة الروحية لا تعلّم، وليس الأب الروحي رئيسًا أو معلمًا بل شاهدًا للرّوح واندفاقه.

الأرشمندريت الياس مرقص: داعية الفرح

أما الصفة الظاهرة البارزة عند أبونا الياس، فيما كتب أو علَّم أو تصرّف، هي هذه الدعوة المستمرة إلى الفرح وعيشه واختياره، حتى تظن نفسك معه كالواقف أمام كتلة من الفرح، المعبر عنه بروح الدعابة والحبور، والمرح الراقي، الوقور، الذي لم ينقص من هيبة الراهب فيه، ووقاره وروحانيته، وجديته ذرة واحدة.
فقد كتب قائلاً :”فالحزن مفسدة النفس” وفي مكان آخر يحسم قائلاً: “كيف نحزن إن كنّا نؤمن أن الرب افتدانا على الصليب وأقامنا معه… بيسوع انتصرنا على الموت فأي

أمرٍ في الدنيا يستحق أن نحزن من أجله؟”

أبونا الياس مرقص: أيقونة حيّة
باختصار شديد، شكَّل الأرشمندريت الياس مرقص ظاهرةً منيرةً في تاريخ الكنيسة الأنطاكية الحديث، حمل هموم الكنيسة وهموم العالم فاختار الرهبنة صليبًا كي يرفع به العالم إلى فوق.
هو الراهب القدّيس البسيط، الرقيق والمرح، إنساناً رؤيوياً في آفاقه وطروحاته، عملاقاً في تواضعه، مشعاً في انكفائه. حاضراً في غيابه، عميقاً في علمه ، غزيراً في ثقافته، تأخذ منه كل شيء رغم أنَّه ترك وتخلّى عن كل شيء.

إنَّه الأرشمندريت الياس مرقص، المغبوط، الدائم الذكر، الذي كانت كلمته الدائمة للجميع عندما يغادره: “أشكروا.. أشكروا الله في كل حينٍ.”

 

 

 

 

*المعلومات مأخوذة من مقالة ” القداسة في إنطاكية الواحدة” للأمين العام السابق لحركة الشبيبة الأرثوذكسية الأخ إبراهيم رزق.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share