دير القدّيس جاورجيوس دير الحرف بستان المسيح

لولو صيبعة Sunday February 21, 2021 202

لولو صيبعة

قفوا، لنصلّي في ذكرى الحبيب

من وهبة بن محسن اللخميّ الرحاويّ(١) إلى الأرشمندريت إلياس (مرقص)، مسيرة طويلة في حياة دير القدّيس جاورجيوس، دير الحرف، هذا الدير القابع في أعلى الجبل الأشمّ، المختبئ بين أشجار الصنوبر، وواحة النفوس العطشى إلى كلمة اللَّه.

قد تتبادر إلى ذهن المؤمن القاصد دير القدّيس جاورجيوس أسئلة كثيرة، حول تاريخه وعلاقته بمحيطه، وظروف تأسيسه، وأسماء الرهبان الذين عاشوا فيه. هل حافظ على شكله الأساس القديم. لماذا يحمل شفاعة القدّىس جاورجيوس دون غيره؟ باختصار ما هي قصّة هذا الدير؟ ما هو سرّه؟ ولماذا هوقريب من الناس رغم أنّ الراهب يترك المجتمع، وينصرف إلى عبادة اللَّه بعيدًا عن الناس؟

هل علم وهبة بن محسن اللخميّ أنّ المنسك الذي أنشأه في خرائب دير عتيق، ربّما يعود إلى القرن الخامس ميلاديّ، ودمّرته قوّات مماليك السلطان بيبرس في القرن الثالث عشر، سيغدو منارة روحيّة وثقافيّة تلتفّ حولها القلوب المشتاقة إلى ربّها؟

المعلومات عن نشأة هذا الدير في التاريخ الغابر ليست متتابعة، منها ما يعود إلى روايات شفويّة، أو وثائق وجدها الأرشمندريت ثيوذوسيوس (مطلق)، ونشرها في العام ١٩٥٣ ضمن كتاب بعنوان “تاريخ دير القدّيس جاورجيوس”.

كيف تطوّر هذا الدير عبر الزمن؟ مكانة القدّىس جاورجيوس عند المؤمنين خاصّة جدًّا، فهو الجنديّ الشابّ الذي استشهد حبًّا بالمسيح، وهو عن المؤمنين المأسورين والفقراء والمرضى مدافع وعاضد، فكيف لا يبادله المؤمنون الإكرام؟ أراد القدّيس جاورجيوس أن يجد له مقرًّا في هذه البقعة، فظهر في الحلم لوهبة، فشيّد له منسكًا العام ١٣٢٦. ويُروى أنّه، في العام ١٤٠٩، اجتاز في المكان أمير درزيّ تنّوخيّ، من رأس المتن القرية المجارة، ورأى نور القدّىس »الخضر« وفي عودته ظافرًا من معركة بنى كنيسة ووهب أملاكًا للمقام، وقدّم أيقونة للقدّيس جاورجيوس، من بيروت.

الكنيسة في حالتها الحاضرة بنيت في العام ١٧٠٩، كما ورد في نقش على بلاطة تذكاريّة، وذلك على عهد الأمير عبداللَّه قيدبيه اللمعيّ. وفي مراحل لاحقة، أضيفت أجزاء أخرى إلى الدير حتّى غدا على ما هو عليه اليوم.

والدير كان مصيفًا لمطران الأبرشيّة، وضمّ مدرسة تعلّم فيها المثلّث الرحمة البطريرك إلياس الرابع، وأغلقت في أربعينات القرن الماضي. وإن دلّ هذا على شيء، فعلى مكانة دير القدّيس جاورجيوس في المنطقة وجوارها.

وبحسب التقليد السائد، توالى الرؤساء على هذا الدير من يوسف البيروتيّ، إلى الخوري يونان (العفيش) (١٧٩٠)، صفرونيوس الدمشقيّ، يوحنّا القاصوف الذي توفّي العام ١٨٥٨، يوانيكيوس (التبشراني) من الشوير من ١٨٥٨ إلى ١٨٦٠، سيرافيم (الشيخاني) من المحيدثة ١٨٦١-١٨٦٦ نيوفيطس (الدبس) ١٨٦٦-١٨٩٥، الأرشمندريت نيقولاوس (أبو فرح) من بسكنتا ١٩٠٨–١٩١٨، غريغوريوس (أبي فرح) ١٩١٨، الخوري باسيليوس (نادر) ١٩١٨-١٩٢٢، الأرشمندريت باسيليوس حنّا الصيداويّ ١٩٢٢-١٩٢٧، الأرشمندريت ألكسيوس (سباط) الدمشقيّ ١٩٢٧، سليمان (أبو رجيلي) من ديرخونا ١٩٢٧-١٩٣٠، الأرشمندريت بولس (الخوري) ١٩٣١، الخوري أثناسيوس (رحبانيّ) ١٩٣١، الخوري نقولا (الخوري) ١٩٣٦، الأرشمندريت يوسف (عقل) ١٩٣٦-١٩٣٩، الخوري سليمان (أبو رجيلي) ١٩٤١-١٩٤٦، الخوري يواكيم (عسّاف) ١٩٤٦-١٩٤٩، الأرشمندريت ثيوذوسيوس (مطلق) ١٩٤٩-١٩٥١، الخوري داود (المرّ) ١٩٥١-١٩٥٧ ومن العام ١٩٥٧ حتّى اليوم تغيّر وجه الدير إذ شهد نشأة شركة رهبانيّة عاملة في حقل الربّ.

مع الأرشمندريت إلياس (مرقص) تأسّّست أوّل رهبنة أنطاكيّة بعد جفاف روحيّ استمرّ ردحًا من الزمن.

مع الأرشمندريت إلياس (مرقص) ترمّم دير القدّيس جاورجيوس دير الحرف، وقصده المؤمنون من كلّ حدب وصوب.

مع الأرشمندريت إلياس (مرقص) تحرّكت الحياة الروحيّة في أنطاكية من جديد.

مجلّة النور التقت الأرشمندريت يوسف (عبداللَّه) رئيس دير القدّىس جاورجيوس الحاليّ، وكان لها حديث صادر من أعماق القلب، من ماضي الذكريات الحلوة والمرّة، من مرافقة أبٍ جليل وشيخ قدّيس.

مرسال من اللَّه

»حبيبنا« الأب إلياس كان وما زال حديث المؤمنين، كبارًا وصغارًا، في قرية دير الحرف التي عاش فيها ثلاثة وخمسين سنة، ورافق أهلها في السرّاء والضرّاء، وفي اللاذقيّة، مسقط رأسه، وفي بيروت ودمشق وكلّ نواحي لبنان وسورية. عرف كلّ واحد من أبنائه باسمه، واستمع إليه بانتباه، وصلّى من أجل خلاصه.

»حبيبنا« الأب إلياس لم يكن غريبًا أو نزيلاً، بل من أبناء وطن القدّيسين، ومن أهل بيت اللَّه. كان هيكلاً مقدّسًًا للربّ، أقام المسيح في قلبه، فتأصّل في المحبّة، وأسّّس عليها شركته الرهبانيّة، فعاش حياة وسيرة ملؤها التواضع والمحبّة والصبر. جثا لاسم يسوع، وشهد أنّ يسوع محبوبه هو الربّ. من أجله خسر كلّ مجد عالميّ، وعدّ نفسه لا شيء، ليربح المسيح، ففرح به ونما في معرفة اللَّه وتقوّى بقدرته العزيزة.

لم يستح بالبشارة. لذلك صبّ كلّ اهتمامه في الكتابة والتعريب، فصدرت عن الدير مجموعة كبيرة من الكتب. كان همّه أن ينشر كلمة الربّ في أرجاء الأرض، لذا كان أحد مؤسّّسي »منشورات التراث الآبائيّ«، وتناولت منشورات الدير الكتاب المقدّس والحياة الروحيّة، والليتورجيا وآباء الكنيسة والكهنوت. شغله الشاغل كان اللَّه كما قال بولس الرسول: »البارّ بالإيمان يحيا«. إيمانه بالربّ كان قويًّا، وكان يعيش قويًّا، ويعتبر الناس كلّهم أقوياء. حصل على السلام، ووزّعه على الرهبان معه وعلى كلّ فرد التقاه.

»حبيبنا« الأب إلياس قدّيس، وكان يعتبرنا قدّيسين، هو نادر الوجود، اكتشف الناس تواضعه، فهو لبس ثوب التواضع، فارتفع في عين اللَّه. عرفته نظاميًّا يحترم الوقت، أمينًا ومثالاً للرهبان، وأذكر أنّ أحد الأشخاص كان يلقّبه »مكنّسيان« لأنّه كان يراه يكنّس في أرجاء الدير. لم يكن ليخجل من أيّ عمل مهما كان وضيعًا. دقيق الملاحظة وصبور على الجميع. تميّز بالذكاء والنباهة وسرعة الخاطر والحضور الإلهيّ. شفّاف لا يحابي الوجوه، ولا يساوم على الإيمان القويم. صاحب نكتة رقيقة ومقالب بريئة، ويذكّرني بقول سيادة المطران أنطوني (بلوم)، الذي اعتبر أنّ الراهب الذي لا يضحك ليس براهب.

كان يستيقظ باكرًا قبل الكلّ عند الساعة الثالثة والنصف صباحًا، ليقرأ كتاب النسكيّات بالفرنسيّة للقدّيس إسحق السريانيّ، وكان الأوّل في التوجّه إلى الكنيسة عند الساعة الخامسة صباحًا، لتأدية صلاة نصف الليل والسحر والساعة الأولى والقدّاس الإلهيّ. وفي أحد الأيّام، سأل الأب إلياس المطران أنطوني (بلوم) عن الكتب الواجبة قراءتها، فأجاب: »ثلاثة كتب هي الأساس أوّلاً الكتاب المقدّس ثمّ النسكيّات فالسلّم إلى اللَّه«.

متقشّف يأكل كالعصفور، وينام باكرًا، يعمل طيلة النهار في الدير، يقرأ ويكتب وينظّف، من دون تذمّر أو تأفّف، كان المطيع الأوّل، الشكور الفرحان على الدوام.

ولد »حبيبنا« في مدينة اللاذقيّة السوريّة في العام ١٩٢٠، وهو سليل عائلة أرستقراطيّة، سمّي مرسال، وهو في الحقيقة كان مرسالاً من السيّد المسيح لكنيسته. تدرّج في الدراسة، ونال إجازة في الحقوق، وارتقى منصبًا إداريًّا مرموقًا، إلاّ أنّه آثر التوحّد، بعد أن أسّّس حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة. في البدء، لقي معارضة من أهله، فهل يجوز لمن كان في مستوى مرسال مرقص أن يتخلّى عن كلّ هذا العزّ، ويأتي إلى هذا المكان المهجور. ولكن، بعد أن حضر أهله إلى الدير حسدوه على حياته.

كانوا أربعة عندما وصلوا إلى دير الحرف، أبونا إلياس وأبونا أغابيوس وأبونا أنطون وأبونا دانيال. ثلاثة سوريّين ولبنانيّ واحد.

حمل المشعل، وقاد الناس إلى معشوقه، إلى حبيبه الذي لم يحبّ مثله أحدًا، وتاقت نفسه إلى لقائه في ساعاته الأخيرة، في الدير الذي أسّّسه.

حكايتي مع دير الحرف والأب إلياس بدأت في العام ١٩٦٨. كنت أعمل في محلّ للأحذية، ولم أكن أفقه شيئًا في الدين. زميلي في العمل، وهو مارونيّ، أرشدني إلى الكنيسة، واصطحبني إلى كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس في بيروت، فتعرّفت هناك إلى ميشال عطيّة وقسطنطين بولس، وكانا نشيطين في الحقل الكنسيّ. فأصبحت أزور الكنيسة كلّ يوم. وقيل لي إنّ الأب إلياس كان يعقد اجتماعات للحركة في بيت الحركة حيّ فرن الحايك في الأشرفيّة. وكانت المفاجأة الكبرى، آذار ١٩٦٨ كان شهر التحوّل في حياتي، إذ تعرّفت إلى الأب إلياس في بيت الحركة، فتأثّرت به. طلب منّي أن أتردّد إلى الدير. وهكذا كنت أمضي نهاية كلّ أسبوع في الدير. أعترف وأسترشد من »حبيبنا« الأب إلياس. ودخلت الشركة الربّانيّة في تشرين الأوّل ١٩٦٨.

الأب إلياس هو أبي الروحيّ الذي تعب معي كثيرًا، ولو لم يكن صبورًا »وبسبعين روح« لما استطاع تحمّلي. الأب أندريه (سكريما) والأخ خليل زمكحل لهما أيضًا دور في إرشادي. عشت في الدير مع الأب إلياس كأخ وليس كابن. اختبرت في الدير الفرح الحقيقيّ بالمسيح الذي لا يضاهيه فرح.

مرّت علينا أيّام قاسية، ولكنّنا لم نفقد الرجاء. فبعد أن تخرّب الدير إثر القصف الذي استهدف المنطقة، هجّرنا وتفرّقنا من ١٩٨٣ إلى ١٩٨٧، فمنّا من سافر إلى جبل آثوس أو كندا أو اللاذقيّة أو توجّه إلى ضهور الشوير.

عدنا، وبدأنا ورشة الترميم، في الدير والكنيسة واستعدنا الأيقونات، وقدّمنا شهادة مسيحيّة لعناصر الجيش السوري الرابضة في محيط الدير، وذلك من حيث حسن الضيافة والاهتمام والرعاية.

بدأ الدير بأربعة رهبان، ونحن اليوم أربعة. ما هو السرّ، يا ترى؟ نحن أوّل دير تأسّّس في أنطاكية، وأعتقد أنّ السبب في ذلك يعود إلى ثلاثة أمراض، الأوّل هو أنّنا أكثرنا من الاهتمام بالخارج وأهملنا الداخل، وانحصر همّنا في تخليص نفوس البشر، فالروح القدس أنقذ نفوس العديدين على حساب حياتنا الروحيّة. وعلى سبيل المثال استقبل الدير، خلال عشرة أشهر، ٢٨٠٠ شخص للاعتراف وللرياضة الروحيّة. والمرض الثاني هو أنّنا لم نولِ المبتدئين عناية خاصّة؛ وثالثًا الدير ليس مؤهّلاً ليكون ديرًا رهبانيًّا.

ومن هنا نحن نعمل على إعادة تأهيل أنفسنا روحيًّا، وعندنا رجاء كبير أنّ هذا الدير الذي يحبّه يسوع سيستمرّ، ونحن سنهتمّ بكلّ مبتدئ. كما أنّنا سنعيد هندسة هذا الدير ليكون صالحًا للرهبنة. وستوسّّع الكنيسة لتستوعب عددًا أكبر من المؤمنين، وتكون كلّ الاعترافات والمعاملات خارج الدير. وهكذا لن يبقى مسموحًا لأحد الدخول إلى الدير. إذ ستكون قاعة الاستقبال خارجًا، وتنقل المكتبة إلى غرفة الطعام الحاليّة. رجاؤنا أن يتمّم اللَّه مسعانا، لنبقى بستان المسيح الذي يعطي ثمارًا جيّدة.

وفي الختام نتذكّر بعض أقوال »حبيبنا« الأب إلياس في دور الأديار والرهبان في حياة المؤمن: »في خضمّ حياة هذا الدهر وشرورها وتسبّبها في الفتور واليأس، تبقى الأديار واحات روحيّة، يلجأ إليها المؤمن ويتسنّى له فيها أن يعود إلى ذاته ويهدأ ويغتسل من خطاياه، فيستعيد سلامه وهمّته الروحيّة«.

وعن حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة التي أسّّس قال: »الحركة منتشرة اليوم في معظم أبرشيّات الكرسيّ الأنطاكيّ، في عدد كبير من المدن والقرى، وازداد عدد أعضائها، واتّسع نشاطها في الاجتماعات والمؤتمرات والنشر، وهي رائدة في التعليم والإرشاد. وما يثلج الصدر أنّنا نرى الكثير من أبنائنا يؤمّون الأديار، وليس مثل الحركة منبت مؤهّل للتكريس في الكهنوت والرهبنة«.

مجلّة النور، برأي »حبيبنا« الأب إلياس، »لا بدّ من وجودها، فقد تأسّّست لتكون صوت الأرثوذكسيّة، وذلك في نطاق المعرفة والرأي والتوجيه والإعلام. وهي، في الواقع، تبذل جهودًا مشكورة تحقيقًا لهذه الغاية«.

مجلّة النور التي تكحّلت بقلم الأب إلياس، تطلب شفاعة »حبيبنا«، لتبقى على العهد، ولتستمرّ حاملة همّ الكنيسة والبشارة، ولتستلهم من »حبيبنا« الحكمة والأمانة للربّ وكنيسته.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share