في ذكرى السّنة لرقاد الأب إلياس (مرقص)

الأَب الأَرشمندريت يوسف Sunday February 21, 2021 30

سيادة راعينا الجليل والأب الكريم المتروبوليت جاورجيوس

أبانا إلياس…

الآباء، الرّهبان والرّاهبات، ويا إخوتي في المسيح.

سُجِّيتَ أَبتِ ثلاثةَ أيّام وليالي في الكنيسة الّتي تَجمَعُنا اليومَ، منذ سنة، لأنّكَ غادرتَ جسَدَكَ التَّعِب الهَزيل بعدما نزلتَ، مُخْتارًا، إلى الجحيمِ الّذي عشتَ فيه طيلةَ أيّامِ رهبَنَتِكَ، لتََرى فاحصًا ذاتَكَ، هل فيكَ، بعدُ، هوًى أو شِبْهُ هوًى لم تَنطفءْ حِدَّةُ حرارتِهِ ليصيرَ رمادًا قبلَ أن تصيرَ أنتَ التّرابَ والرّمادَ الّذي نَفَخَ فيه الرّبُّ يسوعُ روحَهُ القدّوس، ليُشَكِّلَكَ كما كنتَ لنا، الأَبَ والرّاعي والمعلِّمَ والقدوةَ في حياتِنا وجِهادِنا الرّهبانيّ…

كتبَ الأبُ الكبير يوحنّا، كاتبُ سُلَّمِ الفضائل أَنّ فضائلَ الرّاهبِ الأَساسيّةَ، بل فضائلَ الحياة الرَّهْبانيّة هي الطّاعةُ والتّوبةُ وذِكرُ الموتِ والنّوحْ. (المقدِّمة، ص 17). أَنتَ أََسَّسْتَ ديرَنا ورئِستَهُ فكيفَ أَطعتَ؟! علَّمتنا الطّاعة يا أَبتِ لأنّكَ أوّلُ مَن كان يحضُرُ الخِدَمَ الكنسيّةَ… أَطعتَ قرعَ الجرس الأوّل حتّى لو كان ضُيوفُكَ قد حَضَروا لتوِّهِم. كنتَ تَقومُ وتأخُذُهُمْ معكَ إلى الصّلاة وتَجْلِسُ غامض العينين، مُصَحِّحًا كلَّ مَن يُخْطِئْ، وأنتَ كأنّكَ تَغُطُّ في نومِكَ، حتّى آخِرِ أيّامِكَ… كنتَ الرّوحَ الخفيفةَ الصّاحيَةَ النّائِمَةَ كلّ حياتِكَ.

مَنْ منّا تَلَكَّأَ ولم تحمِلِ المِكْنَسَةَ عنه لتَكْنِسَ ساحات الدّير، أو رَاكم النّفاياتِ ولم تَشْكُلْ غمبازكَ بزنّارِ خصرِكَ، لتنظِّفَ أو لِتَقْلَعَ الأعشابَ حتّى تنموَ الأَشجارُ وتُفْرِعَ الأَثمار. هكذا كنتَ تقطَعُ أَوهانَ أهوائِنا وخَطايانا وتَبْكينا وأنتَ تَقْبَلُ اعترافاتِنا ثمّ تَهُفُّ لتقبيلِ أَيدينا إذا ما سَمِعْناكَ والتَقَطَتْ روحُنا ما تريدُه من حسِّ توبةٍ وقربَى لإلهِنا.

تُبْتَ عنّا مُقاصِصًا نَفْسَكَ مئاتِ المرّاتِ بالنّومِ على الأرضِ بعدَ التحافِكَ سريرَ الغِنى في صِباكَ. وإذ كان الضّيوفُ يمدَحونَكَ كنتَ تقول: الدّودُ ينتظرُ جسدي هذا حتّى يَقْضِيَ على أهوائِه… خِفْتَ الموتْ، لأنّكَ حاكمتَ نَفْسَكَ وَجَلَدْتَها كأنّكَ لن تَخْلُصْ. وإذْ يمدحُكَ أولادُكَ الآتون ليتعلَّموا مِنكَ حياةَ الجِهاد والفضيلة والعطاءْ، كنتَ تقول لهم: أرجُوكُمْ “بِرّي كَخِرْقَةِ الطامِثِ فلا تُهينونني بالمديحِ أَنا الخاطئَ، بل اذكروني في صلواتِكُم”.

كم نَبَّهتَ،بَلْ في كلِّ تفسيرٍ للإنجيل على المائدة كنتَ تُضمِّنُ ما تقول حكايا دامعة صامتة عن الصمتِ والعفّة وإخلاء الذات، وأنتَ العارِفُ بمكنوناتِ قلوبنا، بما أفصحنا وبما أخفينا.

أَبتِ، ونحن اليوم في تعييد السّنة لكَ قُرْبَ إِلهكَ، الّذي أَخلصتَ لحبِّهِ حتّى آخرِ لفظةِ روحٍ من نَفَسِكَ، نقول لكَ، بل نسألُكَ: أَبانا لا تَنْسَنا في ملكوتِ أَبيكَ ولا تَتْرُكْنا يا مَن حَمَلْتَ غَيْرَةَ شفيعِكَ إيليّا النّبيّ، طولَ أيّامِ حياتِكَ في حبّ بيتِ الرّبّ وكنيسةِ خرافِهِ، فَنَحْنُ إِلَيكَ يا أَبانا إلياس حتّى نلتقيَكَ، آمين.

الأَب الأَرشمندريت يوسف.

(كُتِبت في ذكرى السّنة لرقاد الأب إلياس (مرقص) 25 شباط سبت الأَبرار 2012)

https://fara7elkiameh.wordpress.com/page/8/

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share