لقد أكملتَ حسنًا شوط الجهاد وحفظتَ الإيمان

مهى عفيش Sunday February 21, 2021 147

مهى عفيش

الكلمات لا تسع إنسانًا ولا الجمل ولا الصفحات (فكيف إذا كان »أبونا إلياس«؟). الإنسان يسع الإنسان. يسعه في ذهنه، وأفكاره، وذكرياته، وصلواته. يسعه في توق إلى مجهولٍ معلوم، مرتجى، منتظَر، يلتقي فيه كلّ الأحبّة معًا في عرس سماويّ. واللقاء لا ينتهي.

ما سوف أكتبه، هو من فضلات “أبونا إلياس”.

أكرمني اللَّه بالسكنى إلى جواره الطاهر وجوار أخويّته المباركة ما يقارب خمس سنوات. كانت تلك أغنى فترة في حياتي على الصعيد الروحيّ والليتورجيّ وأيّامًا مباركة لا يمكن أن تُنسى.

»أبونا إلياس« راهب أحببنا تقواه، أب روحيّ أدهشتنا حـكمته. شيـخ أسـرتنا حيـويّته وفكاهته. مفكِّر اجتذبنا توقّد ذكـائه وعمـق تفكيره. مؤلّف شاركَنا في خبرته العميقة التي اكتسـبها بـدمـه خـلال جـهاد سنوات العمر المديدة.

احتضننا في أحشاء محبّته. رثى أوهاننا. شدّدنا في التجارب. أرشدنا في ظلمة الجهل والأهواء. سكب زيتًا على جروحنا. أضحكنا بمرحه، وأنسانا أحزاننا. كان على مثال الربّ الراعي، العطوف، الطبيب.

شخصيّته

صاحب شخصيّة مميّزة جدًّا، أولى صفاتها المحبّة. لا يمكن أحدًا أن يذكر “أبونا إلياس” من دون أن يذكر محبّته المتدفّقة، الفيّاضة، والتي لم يكن يخفيها، بل على العكس، لم يكن يخجل، ولا كان لديه مانع من إظهارها.

كان مزيجًا مدهشًا من براءة الطفولة والنضوج، من الظرف والحكمة. من العذوبة والمتانة. صبورًا في الشدائد، لا يهتزّ رغم الألم العميق. وفوق هذا كلّه، حباه اللَّه فضيلة التمييز في كلّ شيء.

من لم يعرف سرعة بداهته وظرفه وخفّة ظلّه؟ سريع النكتة، بدون تصنّع. إحساس راقٍ ومرهف. صريح وكلامه مباشر بدون تورية ولا مواربة. وما كان يخجل أحيانًا من القول إنّه لا يعرف جواب السؤال الذي تطرحه عليه، بل يقول: “ما بعرف. اسألوا الأب فلان… أو فلان…”.

أيّ جاذبية كانت لهذا الشيخ الذي من نظرة واحدة إليك، تحسّ أنّه اخترق نفسك، وفهمك، واستوعبك، واحتضنك في معانقة حبّ، تعرف أنّه غير مصطنع، ولن يزول. كاريزما لا مثيل لها. حضور يأسرك، يأخذك في دوّامة الحبّ والفرح. ابتسامة ذكيّة وصادقة. فكر ثاقب. مؤلّف غزير، وضع ترجمات، ونقَّح مؤلّفات، وألّف كتبًا ومقالات عديدة برز فيها عمقه الروحيّ وخبرته الرهبانيّة العميقة التي حاول نقل خلاصتها للأجيال.

محبّته للقريب

من شيمه حبّه للناس الذي فاق الوصف. بفضله، ابتدأ الدير يستقبل عشرات أو مئات الزوّار في الأسبوع، ما استدعى اعتماد خلوة رهبانيّة أيّام الإثنين والثلاثاء والأربعاء من كلّ أسبوع.

كان »أبونا إلياس« يختفي أمام الضيف، يقف في الظلّ، ليوليه كلّ الاهتمام وكلّ الأهمّيّة. إن كان يعرفه، يسأله عن أفراد عائلته، بالأسماء، واحدًا واحدًا… وإن كان يحلّ للمرّة الأولى، فإنّه يستقبله بحفاوة لا مثيل لها، ويجعله يشعر بأنّه في أجمل بقعة على وجه الأرض. وإن كان كاهنًا، فهو يسأله حكمة أو قولاً أو تفسيرًا للإنجيل فيه بنيان للجماعة. عرف كيف “يعظِّم” صفات الآخر وحتّى المتناهية الصغر منها. كما كانت إحدى مواهبه أنّه يجمع الموجودين معًا في حوار واحد حتّى ولو كانوا غرباء بعضهم عن بعض، ويلتقون في الدير للمرّة الأولى.

إن أتيته في أوقات راحته، ينزل من قلاّيته ليستقبلك بابتسامته المعهودة واحتضانه للآخر بحبّ لا تصنّع فيه ولا مبالغة. كان يقول إنّه علينا أن نضع كلّ محبّتنا في التحيّة: “تذكّروا حين ألقت العذراء السلام على أليصابات”. ورغم كلّ شيء، فقد عرف، بذكائه الحادّ وتمييزه، كيف يوفِّق بين حياته التوحّـديّة واختلاطه شبه اليوميّ بالناس ورعايته لهم.

أبوّته الروحيّة

كان ينبّه أنّ على الأبّ الروحيّ أن يجذب أبناءه الروحيّين إلى اللَّه لا إلى شخصه. وكم من مرّة أعطى مثال ذلك الشابّ الذي، إذ رقد أبوه الروحيّ، توقّف عن ارتياد الكنيسة!

يستوقفك، عند هذا الأب، ذكاؤه الحادّ ومعرفته العميقة بالنفس البشريّة. عند الاعتراف، تكفيه كلمات قليلة، ليفهم ما تودّ أن تقول. أنت تحاول تبرير خطيئتك، لكنّك تشعر بأنّه فقه الموضوع برمّته من اللحظة الأولى. وبكلمة، تجده يشخِّص المرض، ويصف العلاج. يتأثّر كثيرًا حين تخبره بخطيئتك، وكم من مرّة بكى خلال استماعه اعترافات بعض! حين تنتهي، يشكر لك اعترافك. ثمّ يقول لك إنّه أسوأ منك. تقول له: أنا متكبّر، فيردّ بسرعة: “وأنا أيضًا”… مع الوقت، صرنا نخاف أن نخطئ، لأنّنا نعرف أنّ ذلك سوف يسبّب له الألم. كان يؤنّب أحيانًا، ولكن ببعض من خجل.

أيّ بركة وأيّ قوّة روحيّة كانتا تنبعثان من هذا الكاهن المعرِّف! عندما يضع يده على رأس المعترِف، ويقرأ عليه إفشين الحلّ، كان ذاك يشعر يقينًا بأنّ خطاياه قد غفرت.

شيءٌ من روحانيّته

كان أكثر ما يهمّه الأمانة للربّ والسير في وصاياه. وكالذي شيّد بيته على الصخر: كان يعلِّم، ويفعل. آمن بأنّ القداسة ممكنة البلوغ عبر تأدية الأمور المتناهية البساطة التي نقوم بها في حياتنا اليوميّة.

كمسيحيّين، “يجب أن تكون لنا قناعتان راسختان: الإحساس بخطيئتنا وأن ليس فينا أيّ برّ من جهة، والإيمان برحمة اللَّه التي لا حد لها من جهة ثانية”.

عند ارتكابنا خطيئة، لا نيأسنَّ. لا نتوقفنَّ عن المسير. لكن، فلننظر إلى الأمام باستمرار، ونتابع الجهاد، كما قال الرسول بولس: “أنسى ما وراء وأتقدّم إلى أمام”.

أهمّ الفضائل: الطاعة والتوبة والتواضع.

كرئيس للدير

كان مثاليًّا ومنظّمًا في كلّ شيء. ودّ أن تكون كلّ الأمور على ما يرام. اهتمّ بالتفاصيل الدقيقة والكبيرة في آن. وأراد كلّ شيء متقنًا، وخصوصًا أن تؤدّى الصلوات على أفضل وجه، »لئلاّ يلحق الخدمة عيب«. أحبّ أن يقدّم للربّ ذبيحة لا عيب فيها.

ورغم أنّه كان محافظًا بشدّة على التقليد المتوارث عن الآباء، فقد برز كنهضويّ في مؤسّّسة تقليديّة. وإلى جانب روحانيّته واهتمامه بحياة الأبناء الروحيّة، كان يولي أيضًا اهتمامًا بالأمور العمليّة والحاجات اليوميّة البسيطة، كالتدفئة واللباس… كأب حقيقيّ للرهبنة، طويل الأناة، كان يتألّم بصمت، ولا يعرف أحدٌ معاناته الخفيّة. حمل هموم الجميع، وخصوصًا المرضى. وتابع عن قرب الذين يمرّون في تجربة.

كراهب ومصلٍّ

منذ البدء، سحرته الليتورجيا، وبقي حتّى مماته عاشقًا لها. يتنفّس ليتورجيا. كان يقول، على غرار معلِّم الرهبنة، الأب أندريه (سكريما): »الرهبان كائنات تسبيحيّة«. وكم ذرف من الدموع في أثناء الصلاة. مرّة سأله سائح: “ألا تملّون من تكرار كلّ هذه الصلوات يومًا تلو يوم؟” فأجابه: “نكتشف فيها شيئًا جديدًا في كلّ مرّة”.

علَّم ضرورة الالتزام بكلّ نواحي الصلاة، بالصوم، والسجدات، والصلاة الشخصيّة التي لم يكن يتهاون بها: “الفرض اليوميّ حصن لكم”. وهو نفسه بقي يؤدّي صلواته الخاصّة ومع الجماعة بشكل شبه كامل، واستمرّ بالقيام بالسجدات، حتّى أعيته السنون في أيّامه الأخيرة على هذه الأرض.

أحبّ “أبونا إلياس” الأعياد الليتورجيّة بشكل خاصّ وأشار إلى أنّ الصلاة التي مبدؤها: “هلمّوا يا محبّي الأعياد…” وتتكرّر بضع مرّات في السنة في كتاب الميناون، إنّما تشير إلى الرهبان. كان يبدو عليه الفرح حقيقة في العيد. وكانت للعيد نكهة خاصّة في الدير: “أبونا إلياس” يجلس في الصالون الكبير، يستقبل الناس وأفراد الجماعة، ويقبِّلهم كما لو أنّه لم يرهم منذ سنوات. تضاء شمعة على المائدة، وترتَّل طروباريّة العيد. ويرفع الأب إلياس كأس النبيذ، فيتبعه البقيّة في ذلك…

غيضٌ من فيض ما علَّمنا

علَّمنا دخول الكنيسة برهبة وخشوع، ودرّبنا على كيفية السجود أمام الأيقونات، وتوقير الذخائر المقدّسة. كما علَّمنا جمال أويقات ثمينة نقضيها في الكنيسة قبل ابتداء الصلاة، في التأمّل والصمت. هو نفسه كان أوّل من يدخل الكنيسة. لمن كانوا يشكون التشتّت في أثناء الخدم الليتورجيّة، كان يقول: “أربطوا ذهنكم بكلمات الصلاة”.

علّمنا الثقة التامّة برأفة اللَّه ومحبّته: »كلّما خطئنا، نقول يا ربّ ارحم، ونتقدّم إلى الأمام«. وعلّمنا عبادة اللَّه في الفرح، وأنّ عدم الفرح خطيئة تستدعي الاعتراف. كما شدَّد على “الانسحاق والتسليم، كالأولاد”. وكان يستشهد بالصلاة: “وبأحكامٍ تعلمُ بها أنتَ، خلِّصني…”. نبَّه، بشكل خاصّ، إلى ضرورة الطاعة للأبّ الروحيّ والإخوة إلى جانب اختفاء الأنا (“الأنا مكروه”) على حساب الآخر. و…”ليكن لكم ملح في ذواتكم”.

علّمتني محبّته أنّ اللَّه يحبّني رغم كلّ أوهاني وخطاياي وسقطاتي، وأنّه سيفعل كلّ ما يمكن لخلاصي. ومنه تعلّمت أن أثق بالمستقبل.

علَّم الجميع بمثاله أوّلاً ثمّ بإرشاده وبكتاباته.

“أبونا إلياس” كان عملاقًا. وليس فقط عملاق الأمور الكبيرة، بل أيضًا عملاق الأمور الصغيرة، البسيطة، التي اعتبرها المدخل إلى الملكوت. واستطاع – في وجودنا الزمنيّ هذا حيث ليس من مادّة أكثر هشاشة وزواليّة من الوقت – أن يجعل من زمن حياته أداة لخلاصه وخلاص الآخرين. قدَّمه ذبيحة عن كلّ الذين أحبّهم، إلى السيّد. ولا أحد يعرف الحبّ بقدر السيّد.

قبيل رحيله من هذا العالم

يسمح اللَّه، أحيانًا، بأن يعاين المرء دنوّ أجله يقترب يومًا بعد يوم. هو، وحده، يعرف السبب. هكذا أصبح “أبونا إلياس” في نهاية حياته أكثر انسحاقًا من أيّ وقت مضى. تلقّى العناية الطبّيّة بتسليم كلّيّ وتواضع. لا يتذمّر، لا يرفض تعليمات الأطبّاء، وحتّى لا يناقشها. وقبيل رقاده، صار كالملائكة: عاد غير قادر على تناول الطعام أو الشراب. كان محيّاه كالملائكة أيضًا. كلّ من رآه في تلك الفترة يستطيع أن يؤكّد أنّ نورًا يحوط بوجهه، ويشعر لرؤيته بالسلام. عدته في المستشفى، وكانت تلك آخر مرّة رأيته فيها. على سؤالي: “كيف حالك؟”ردّ: “صابر وناطر” لم أجرؤ على أن أسأل أكثر: “شو ناطر؟”. خفت من الجواب.

بدا كمن يقف على الحدّ الفاصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى. يشبه من يضع رِجلاً هنا والثانية هناك. وكأنّ باستطاعته أن يرفع رِجله من هنا، لينقلها إلى العالم الآخر في أسرع من ومض البرق. بل كان يبدو أنّه صار هناك منذ وقت ما. وما بقي بقربنا إلاّ لتعزيتنا: يبدو لناظره، بالجسد، يمدّ يده برفق لمن أراد التبرّك. ولكنّه، بالفعل، ما بقي من هذا العالم. ما بقي معنا منذ فترة من الزمن.

كلمة أخيرة

بقي “أبونا إلياس” حتّى آخر لحظة من حياته سندًا وعكّازًا ومركز توازن للعديد من أبنائه الروحيّين ومحبّيه رغم كون بعضهم بعيدًا. كان يكفي أن نتصوّره في تلك البقعة المنسيّة من العالم، في ذلك الدير الصغير على الجبل، في قلاّيته المضاءة منذ قبل الفجر، مستغرقًا في صلاته، في سجداته وسهرانيّاته. وكانت تلك الفكرة كافية وحدها، لتُشعرنا بالأمان، وتملأنا بالفرح. كلّنا نعرف أنّه يجب أن يتهاوى الجسد يومًا، لكي تحلِّق الروح. كان علينا فقط أن نهيّئ أنفسنا أكثر لذلك.

اليوم اضطرّ “أبونا إلياس” إلى أن يتركنا، إذ حان له أن يذهب إلى معشوقه، إلى مَن اشتاقت نفسُه إليه طول حياته، ولكنّه تحوَّل إلى مئات (أو آلاف؟) النسخ الموزّعة في الكثيرين ممّن أحبّوه، وزرعوا ذكراه في كيانهم. سيبقى معنا لأنّه أحبّنا كثيرًا. ومن يحبّ بهذا المقدار، لا يتخلَّ عن أحبّائه. اليوم نفرح لأنّه اجتاز إلى الحياة الأخرى، حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد، ليكون مع المسيح إلى الأبد. وحده المسيح الذي يحوِّل الموت إلى بهجة، ولا يبقى الرقاد سوى احتفال بالعرس السماويّ والراحة الأبديّة.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share