ودخل داخل الحجاب

الأم المتوحّدة مريم Sunday February 21, 2021 12

الأم المتوحّدة مريم

ودخلتَ، يا أبتِ، داخل الحجاب بعد تناولك جسد الربّ ودمه الكريمين… كنت معلَّقًا على صليب فراشك في ديرك… كان عليك أن تعود بعد بقائك في المستشفى قرابة الشهر… ولكن، كان عليك، بل كنت تريد أن تدخل بيـت الطبّ والدواء، علّهم يطيلون عمرك!!

أنا أعرف، يا أبتِ، أنّك لم تكن حاضرًا للرحيل بعد! ألأنّك كنت تحبّ الحياة لك؟! لا!! بل لأنّك كنت في انتظار أن تتغيّر نفوس الذين أحببتهم حتّى المنتهى وقلوبهم!!

كنت تستصرخ سيّدك، ربّك يسوع المسيح الذي أحببته، وعشقت الحياة معه عنك وعن العالم، أن يسرع ويشفيهم قبل نهاية مسيرة العمر الطويل الذي أَعطاك!!

يا أبتِ حضرتني وكنت خائفة أن أقول ولو كلمة عنك، غير »حبيبي أبونا إلياس«… لأنّي عرفتك في عمق أعماق قلبي وكياني الطالب الربّ، في جنون هذا العالم وجنوحه عن الحبّ الحقيقيّ، فصمتُ وأجبتُ الطالبين إليّ اكتبي عنه: سامحوني…

وفي عشيّة صومٍ، والأسبوع العظيم يقترب، كنتُ أُصلّي إلى الإله لك وعنك، حضرتَ، ووقفتَ خَفرًا كعادتك، أَعليتَ عينيك الدامعتين، قائلاً: »ودخل داخل الحجاب«!… وإذ مددتُ ذراعيّ إليك، اختفيت… انشقّ حجاب اللامكان وابتلعك… لكنّك لم ترتحل من ههنا!!

كلّ الذين يحيون بالإيمان والحبّ للربّ يسوع، لا يموتون!!

لأَنّ القيامة قُدِّمتْ إليهم مجّانًا ككلّ عطايا الإله!!.

لا تلمسيني!!! ليس هو ههنا… لأنّه قد قام!!!

وتمدَّدت ثلاثة أيّام بعد إنزالك عن صليب الألم في كفن تابوتك، والناس يحوطون بك بتراتيل وصلوات ودموع وحنين وحبّ؛ »ليتك لم تمت، يا أبانا«!!

»الناس لا يتغيَّرون«… قلتَ هذا دومًا وبعد: »يد الربِّ عليَّ أَرسلني، لأُبشِّرَ المساكين« (إشعياء 58: 6). وبقيتَ تزاوج بين طبيعتك الساقطة وطبيعتك الإلهيّة التي أَغدقها ربّك عليك وأَعطاك، بحبّه لك، أَن تعرف خطيئتك حتّى مخاخ العَظْم، وتبكيها… بحبّه لك!!

أبتِ، كم تمتمتَ آلام روحك، نفسك والجسد في أُذنيّ، وكتبتَ أَوراق وصايا حياة الروح التي أُعطيَتْ لك مجّانًا بكلمات قليلة ظانًّا، بل مؤمِنًا، بأنّ حقيقة الحياة الروحيّة، بعد تجسّد الإله ومسيرته في ما بيننا، لا تحتاج إلى نطق وثرثرات كثيرة وتداعي إعادة خطايانا لك!!

»إفرحوا، وأقول دومًا افرحوا… أشكروا، وأقول دومًا أشكروا«…

كانت روحك في الجحيم مع سيّدك، الذي نزل إلى الجحيم، ليعتق الموتى، ويقيمهم من ربقة الشيطان عليهم!! أراك كلّ شيء، كما أعطاك من روحه ودموعه وصبره، وجرأة كلمته، لتقول، دائمًا وأبدًا، قولة الحقّ في وجه الباطل!!

أحببت كنيستك حتّى الفداء؛ والقدّاس الإلهيّ كان مأكل خبزك اليوميّ ودمه مشربك… مرّة كنت بقربك في الكنيسة، ورأيتك تشهق الدموع بعد المناولة… بقيت بلا حراك، وقالت روحي: »وبالدموع ولدتني أُمّي«!! »لماذا ما زلت تبكي أبت«؟؟… »عن خطاياي وجهالات الشعب«!!.

»الربّ أحبّك بعِظَم محبّته وبساطة حياته. لماذا ما زلت تبكي هكذا«؟ »عن الذين لا يبكون، والذين لا يعرفونه، والذين لا يصلّون«… »أبتِ لا تنسنا وديرنا في صلاتك«… »أنتم في شغاف القلب«…

هكذا كانت تتوقّف الكلمات، ويصير النطق دموعًا والحزنُ فرحًا والموت قيامة!!!

اليوم، يا أبتِ، وقفت قربك ممدّدًا في تابوت عهدك أمام خالقك… ألبسوك حلّة كهنوتك الذي عشقتَه بروحك، أكثر من روحك… مددتُ يدي بخفر حضرة صمت الموت، وتمتمتُ »المسيح قام، أبتِ«. يا من أخذت منّي الدموع النفسانيّة، وأغدقت عليّ من الروح الإلهيّ الذي امتلكته روحًا محيية قائلاً: »لا تخافي«!!

وضعتُ كفّي على جبهتك الشامخة بالإله المصلوب أمام إغماضة عينيك في قدس الأقداس، فرأيتك هناك أيضًا ممدّدًا تحت الستر قربانة مقطّعة حاضرة، لتدخل الكأس مع الخمر المحوّل بحلول الروح القدس دمًا محييًا، حياةً تطعم كلّ الآتين إليك في ديرك.

هكذا، يا أبتِ، عشت، وهكذا كتبتَ كلّ ما أعطاك إيّاه ملاك الربّ لتكتبه، بعد أن صمتَّ عن قول الكلمة نطقًا…

المسيح قام، يا أبانا إلياس!!.

المسيح قام، يا أبتِ الحبيب!!

حقًّا لقد قام الربّ فيك، في ديرك، في أولادك الذين عاشوك وعايشوك! الذين افتديتَهم بكلّ ما مجّدك الربّ به!.

فانْعَم، الآن ،بسلام الفردوس، بعد أن قدَّمتَ ذبائحك نذورًا لخلاص شعبك وكلّ شعب اللَّه!

وافتقدنا، يا أبانا، نحن الذين ما زلنا معلّقين على صليب حبّ ربّنا لنا… »الإنسان المؤمن لا يَنْزل عن الصليب، بل يُنزَّل بعد لفظ نفَسه الأخير«…

»بين يديك أستودع روحي يا ربّي، يا ملكي وختني وإلهي«. فالمجد لك، يا اللَّه، المجد لك!!!. لأنّك أنت أعطيتنا أبًا من عندك ثمّ استعدَته ملاكًا، ليبقى حارسًًا لنا، آمين.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share