من وحي السقيلبيّة – رينه انطون

رينه انطون Saturday July 30, 2022 132

من وحي السقيلبيّة:

مرّةً جديدة، ومنذ أيّام، تعرّض أبناء الكنيسة الأرثوذكسيّة في السقيلبيّة (أبرشية حماه)، وهم يُحيون مناسبةً كنسية إيمانيّةً، لجريمة غدرٍ سقط فيها شهيدٌ وجرحى. واتّخذ هذا الحدث المؤلم بُعدًا استثنائيًّا هامًّا نظرًا لخصوصيّة المنطقة المستهدفة وما سبقَ وشهدته من صراعٍ وحصارٍ ودمار وهجمات خلال الحرب في سوريا، وما عاناه أبناؤها تلك الفترة.

عادت هذه الجريمة بالبعض إلى التأمّل بوضع المسيحيّين في الشّرق وطَرْحِ تساؤلاتٍ وآراء تتعلّق بهذا العنوان، خاصةً وأنّ السببَ المُعلن لها هو كون المناسبة تعود إلى تدشين كنيسةٍ دُعيت “آيا صوفيا”، تيمّنًا بالكنيسة القائمة في اسطنبول، وتأكيدًا على التشبّث بها ورفضًا لما شهدته من أحداثٍ كان آخرها افتتاحها كجامع.

في هذا السّياق، يمكن للمرء أن يتفهّم مكانةَ بعض الأحداث التاريخيّة الكبرى في ضمائر بعض الأرثوذكس، كسقوط القسطنطينيّة وغيرها، والربط بين انعكاساتها وكثير ممّا يواجه المسيحيّين اليوم. هذا رغم أنّ ما يتحدّى المسيحيّين اليوم قد يكون منفصلاً عن تلك الأحداث ومختلفًا عنها ما لم يكن أكثر أهميّةً ومفصليةً منها.

بأيّ حال، هذا لا يغيّر من الخلاصة أمرًا، وهو أنّ مواجهة ما يتحدّانا، كمسيحيّين في الشّرق، وكلّ اعتداء نتعرّض له أيًا كانَ موقعه وأسبابه، إنّما تكمن في ما ينزع عنّا كلّ هويّة ذمّية يشاؤها لنا المعتدي والمرهِّب. وتكمن أيضًا في ما يرسّخ وعينا أنَّ حقيقة العنف، الذي واجَهَنا وقد نواجَه به هنا أو هناك، ليست هي كظاهره. فهو، ليس بالعنف الطائفيّ الذي تعود أسبابه إلى اختلاف إيماننا وهويّتنا الدّينيّة عن إيمان الآخر وهويّته، وإنّما بالعنف السياسيّ الذي تعود أسبابه إلى أنّ مفاهيمنا ومبادئنا وقِيمنا، المُستلهَمة من ثقافتنا الإيمانيّة ومن مركزيّة الانفتاح والعدالة والحريّة فيها-أي مركزيّة الإنسان وكرامته فيها- تنقض مفاهيم أخرى وتحدّ من امتداداتها. وهذه المفاهيم الأُخرى أُلبِسَ بعضُها، وليس كلّها، هويّة دينيّة، ونشأت لحمايةِ مصالح هذه أو تلك من الدول، وخاصّةً مصالح الصهيونيّة وداعميها، ولاستهلاك إنسان هذه المنطقة و”استعماله” في خدمة الأهداف.

هذا الاختلاف في المفاهيم ليسَ هو اختلاف بين المسيحيّين وغير المسيحيّين، فالمفاهيم والقِيم المرتقية بالإنسان ليست مُلْكًا للمسيحيّين دونَ غيرهم من أهل الشّرق. كما أنّ المسيحيّين، عامّةً، والأرثوذكس لا يلتزمون جميعهم هذه القيم. وليصحّ حديثنا عن مجموعاتِ أهل المنطقة وتقييمنا لها وللصّراعات فيها، وجبَ أن نتحرّر من هاجس الهويّة الدينيّة للصّراعات، ومعه أن نحذف “التعايش” من لغتنا وضمائرنا، لنكون متيقّنين أنّ للشّرق أبناءه من المسيحيّين وغيرهم، وأنّ مِن هؤلاء الأبناء، ومِن كلّ الطوائف والأديان، مَن هو كبيرٌ في الإيمان والوعي، يستلهم من ثقافته الإيمانيّة أو السياسيّة ما يعتلي بالخصوصيّة المشرقيّة ويرتقي بالانسان فيها ويُسهِم في تمايز دورها وصون مجتمعاتها من عصف القوى ولعبة المصالح والأمم. ومنهم أيضًا، ومِن كلّ الطّوائف والأديان، مَن هو صغيرٌ في الإيمان والوعي، وسُكِن بالخوف أو بالانغلاق أو بالطمع السياسيّ والماليّ، ومَن استُغِلّ فَقرُه ومعاناته، ليكون أداةً ووسيلةً وسلاحًا في يد “الكبار”.

لهذا، ورغم ما أُعلِن من أسباب، يقيني أنّ الوفاء للشّهادة والتّضحية في السقيلبيّة لا يكون بحصرها في خانة خدمة تخليدِ الحجر وتعظيمِ التّاريخ، ولا بوضعها في خانة لعبة الدّول وصراعاتها، بل بما يجعلها مساهمة بترسيخ تلك القِيم المولودة من إعلاء شأن الإيمان فينا، وهو الإيمان بربّنا يسوع المسيح الممتدّ، حيث نحن، شهادةً للحقّ خاصّةً في فلسطين، ورفضًا للظّلم والعنف ضدّ الآخر المُختَلِف، وقبولًا لهذا الآخر.

عظمة تضحيات أبناء السقيلبية تُستمدّ من تخليدها للفداء في ضمائر أهل الشّرق وتعظيمها للإنسان وليس للحجر. وبهذه الأبعاد، هي تضحيات تُشارِك تضحيات آخرين من سائر الطّوائف والأديان، وإنْ وُلدت من أرحام تختلف، إلّا أنّها عكَسَت القِيَم عينها، وشخصت إلى الأهداف ذاتها.

رينه انطون

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share