القدّيس فوتيوس بطريرك القسطنطينيّة

mjoa Tuesday February 6, 2024 355

StPhotiusوُلد القدّيس فوتيوس المعترف سنة 820م لعائلة مميّزة. أبوه سرجيوس وأمّه إيريني معترفان في الكنيسة. قاوما الإمبراطور ثيوفيلوس لسياسته المعادية لإكرام الأيقونات فتعرّضا للنّفي. وقد ذكَر فوتيوس نفسه في رسالة له، فيما بعد، أنّ عائلته بكاملها بمن فيها عمّه، البطريرك القدّيس تراسيوس، أبسَلهم أحد المجامع المعادية للأيقونات. ويبدو أنّ أملاك العائلة، وهي كثيرة، قد صودرت. في جوٍّ مشبعٍ بالاهتمامات الكنسيّة، إذن، نشأ فوتيوس. إلى ذلك تسنّى لفوتيوس أن يُحصّل ثقافة واسعة في مختلف ميادين العلم الكنسيّ والدنيويّ في آن. جرى تعيينه مديرًا للمحفوظات الملكيّة وعضوًا في مجلس الشيوخ.
كان القدّيس فوتيوس خارج المدينة المتملّكة “القسطنطينيّة” عندما جرت فيها أحداث سياسيّة غيّرت مجرى الأمور وحملت فوتيوس إلى رأس سلّم الإدارة الكنسيّة. فلقد نجح برداس، شقيق الإمبراطورة ثيوذوره، بتشجيع من الإمبراطور الحدِث ميخائيل الثالث، في إنهاء ولاية شقيقته بالوصاية عن ابنها بعدما فتَكَ برئيس وزرائها ثيوكتيستوس، ونُصّب وصيًّا محلّها. أوساط اللّيبراليّين والمفكّرين ساندته فيما وقف المحافظون بجانب ثيوذوره. القدّيس أغناطيوس، بطريرك المدينة المتملّكة الذي سبَق للإمبراطورة المخلوعة أن عيّنته، كان من المحافظين، لذا فقَدَ حظوته لدى الحكومة الجديدة. ويبدو أنّ أتباعه أطلقوا للسانهم العنان في إذاعة أخبار مشينة طعنت بحياة برداس الشخصيّة. فلمّا جرت محاولة فاشلة لإعادة ثيوذورة إلى الحكم، أُلزمت وبناتها بأخذ النذور الرّهبانيّة. أغناطيوس، من ناحيته، رفض أن يبارك ثوبهنَّ الرّهباني دلالة على عدم رضاه وانصياعه لتدبير برداس. وإذ بدا كأنّ أزمة في العلاقة بين الدولة والكنيسة على الأبواب، نصَحَ بعض الأساقفة أغناطيوس بالاستقالة للحؤول دون ذلك، فنزل عند رغبتهم وطلب من مناصريه أن يختاروا لهم بطريركًا آخر غيره. فلمّا التأم مجمع محلّي للنظر في الأمر، برز الصراع واضحًا وحادًّا بين فريقَين من الأساقفة. وإذ غلب، في نهاية المطاف، الاتّجاه التوفيقيّ بعدم اختيار بطريرك من بين الأساقفة المتناحرين، استقرَّ رأي الجميع على اختيار رجل من العامّة هو فوتيوس، ورفعوا تصويتهم إلى الإمبراطور. حتّى أكثر مناصري أغناطيوس ولاء له وافقوا على الرّأي المقتَرَح. استصوب برداس التوصية وعيّن فوتيوس بطريركًا. فوتيوس، لمّا بلغه الخبر، استفظعه وحاول التملّص بكلّ الطرق الممكنة لذا قال في رسالة إعلان إيمانه إلى نيقولاوس، بابا رومية، بعد ذلك بزمن، أنّه رُفِّع إلى البطريركيّة بغير إرادته، وهو يشعر بأنّه يقيم فيها بمثابة سجين. أنّى يكن الأمر فإنّه جرى ترفيع فوتيوس في سُلّم الرّتب الكهنوتيّة في خلال أسبوع لأنّ الوقت كان قريبًا من عيد الميلاد وكانت على البطريرك مهام تجدر ممارستها في أقرب وقت ممكن. على هذا جرى تنصيبه بطريركًا يوم الخامس والعشرين من كانون الأوّل عام 858م. لم يتِح لفوتيوس أن ينعم بالسلام طويلًا لأنّ المتطرّفين من أنصار أغناطيوس ما لبثوا أن رصّوا صفوفهم وأعلنوا رفضهم للبطريرك الجديد رغم الضّمانات التي سبق له أن أعطاها بشأن منزلة البطريرك المستقيل. هكذا بدأت متاعب فوتيوس التي فرضت عليه مواقف حرجة أملَت عليه قرارات صعبة فأثارت بشأنه تساؤلات جمّة وجعلت منه رجل الملمّات عنوة. والحقّ أنّه جمَعَ، في أدائه، بين الوداعة والمواجهة والدقّة والرّحابة والإحجام والإقدام والفضيلة والمسؤوليّة. ما أن مضى شهران على تنصيب فوتيوس بطريركًا حتّى بدأت القلاقل. جماعة أغناطيوس المتطرِّفة تداعت إلى اجتماع في كنيسة القدّيسة إيريني وأعلنت رفضها للبطريرك الجديد وتمسّكها بأغناطيوس بطريركًا شرعيًّا. السبب المباشر للعصيان ليس واضحًا. حاول فوتيوس اجتناب الصدام وتهدئة الخواطر وأخذ الأمور بالرويّة فلم يُفلح. فدعا إلى مجمع في كنيسة الرّسل القدّيسين للبحث في الأمر واتّخاذ القرار المناسب بشأنه. ولكن قبل أن يلفظ المجمع حُكمه تدهور الوضع ووقعت حوادث شغب أثارها المتطرِّفون. وإذ أخذت المسألة بُعدًا سياسيًّا تصدّى العسكر الملكيّ للمتظاهرين وقمعهم بقوّة السلاح فسالت الدماء وتفاقمت الأزمة. فوتيوس، من ناحيته، ندّد باستعمال القوّة وهدّد بالاستقالة. ولكن، أمام إصرار المعارضة على موقفها، من ناحية، وعدم استعداد السلطة المدنية للرّضوخ، من ناحية أخرى، طالَبَ برداس الكنيسة بحسم الأمر، فاضطرّ إلى دعوة المجمع من جديد وإلى اتّخاذ قرارات مؤلمة بحقّ إغناطيوس (859م). فبناء لطلب برداس، أعلن المجمع أنّ بطريركيّة إغناطيوس باطلة من أساسها لأنّ إغناطيوس لم ينتخبه المجمع بل عيّنته ثيوذورة. البطريرك المستقيل كان، خلال حوادث الشغب، قد تعرّض للسجن وبعض من أنصاره. فلمّا أبطل المجمع بطريركيّته تمّ نفيه إلى ميتيلين ثمّ إلى جزيرة تربنتوس. ولكن تبيّن بعد حين، أنّه لم تكن لأغناطيوس علاقة بحوادث الشغب وهو براء ممّا أثاره المتطرّفون من أتباعه باسمه، فسُمح له بالإقامة في قصر بوسيس في القسطنطينيّة.
لم تهدأ الحال، رغم التدابيرالمتّخذة، ولا استكان المتطرّفون، فدعا فوتيوس والإمبراطور ميخائيل الثالث إلى مجمع جديد (861م) وطلبا من البابا نيقولاوس الأوّل، بابا رومية، إيفاد مبعوثين عنه. الموضوع الأساسيّ كان دحض هرطقة محاربة الإيقونات وتثبيت القرارات المتّخذة في حينه (843م) برعاية الإمبراطورة ثيوذورة. نيقولاوس، في رسالته الجوابية، اعترض على ترفيع عاميّ إلى درجة البطريركية، لكنّه أوفد رادوالد أسقف بورتو وزخريا أسقف أناغني، لاستطلاع الوضع في القسطنطينيّة تاركًا لنفسه البتّ في شرعيّة فوتيوس بطريركًا. نيقولاوس كان يتصرّف كمن له سلطان على الكنيسة في كلّ مكان. هذا لم يكن في حساب فوتيوس ولا كنيسة القسطنطينيّة. اطّلع المندوبان على الوضع القائم واستجوبا إغناطيوس. فلمّا بانت لهما الصورة في القسطنطينيّة على حقيقتها ثبّتا، باسم بابا رومية، قرارات مجمع 859م بشأن لا شرعيّة بطريركيّة إغناطيوس. ويبدو أنّ إغناطيوس رضخ. فظنّ المبعوثان أنّهما، بما فعلا، أكّدا سلطة البابا كحَكَم. لكنّ سَير الأمور بيّن، بعد حين، أنّ البابا نيقولاوس لم يكن مستعدًّا للاكتفاء بما جرى وأنّ صورته عن نفسه، فيما يخصّ سلطته الكنسيّة، كانت غير صورة الآخرين عنه.
تدهور في العلاقات في تلك الأثناء، وصل إلى رومية عدد من متطرّفي حزب البطريرك إغناطيوس وعلى رأسهم ثيوغنوسطوس الرّاهب. هؤلاء نقلوا صورة عن الأوضاع في القسطنطينيّة لم تكن مطابقة لواقع الحال، حتّى أنّهم ناشدوا البابا، باسم إغناطيوس زورًا، التدخل لإلحاق الحقّ ووضع الأمور في نصابها. وإذ بدا كأنّ نيقولاوس كان مهيّئًا لقبول شهادة من النوع الذي وصل إليه لأنّها تناسب رؤيته وتزكّي نزعته إلى الهيمنة، بادَرَ إلى الطعن بالموقف الذي اتّخذه مبعوثاه، كما أعلن أنّ قرارات مجمع 861م باطلة. كذلك أعلن تنحيته لفوتيوس كبطريرك للمدينة المتملّكة وادّعى أنّ لباباوات رومية سلطاناً أن يحكموا في شرعيّة أو لا شرعيّة المجامع المحلّيّة.
وفي العام 863م، جمَعَ نيقولاوس أساقفة من الغرب في رومية أدانوا فوتيوس وأبسلوه هو والأساقفة والكهنة الذين سيموا بيده، وأعلنوا أنّ إغناطيوس هو البطريرك الشرعيّ للقسطنطينيّة. وقد جرى إبلاغ فوتيوس والإمبراطور ميخائيل الثالث بذلك. لم تأخذ القسطنطينيّة القرارات الباباويّة في الاعتبار واحتجّ الإمبراطور على تدخّل رومية في سلطته على الكنيسة الجامعة في القسطنطينيّة، فصرّح نيقولاوس سنة 865م أنّه يستمدّ سلطته على الكنيسة الجامعة من المسيح نفسه وله حقّ التدخّل في الشؤون الداخليّة للكنائس المحلّية ساعة يشاء. زيت على النار على صعيد آخر، وجّه فوتيوس درفه ناحية الشعوب السلافيّة راغبًا في تبشيرها. وقد وقع اختياره، لهذه الغاية، على أحد أصدقائه، قسطنطين، الذي كان عالِمًا فذًّا. هذا نعرفه في الكنيسة باسم القديس كيرلّلس. وكذلك استدعى فوتيوس شقيق هذا الأخير، وهو ناسك في جبل الأولمبوس، يدعى مثوذيوس. هذان شرعا بمهمّة رسوليّة لدى الخازار في روسيا الجنوبية، ثمّ انتقلا إلى مورافيا بناء لطلب أميرها. هذا كان إيذانًا بالبدء بهداية الشعوب السلافيّة إلى المسيح. وقد جرت، بعد حين معموديّة بوريس (ميخائيل) أمير بلغاريا. هذا عمّده فوتيوس وكان الإمبراطور عرّابه. بمعموديّة بوريس، أنشدت بلغاريا المسيحيّة. لكنّ بوريس ما لبث أن دخل في خلاف مع القسطنطينيّة. السبب أنّه طمح في أن يكون للبلغار بطريرك خاصّ بهم. فلمّا لم يستجب فوتيوس والإمبراطور لرغبته حوّل نظره شطر رومية. كان ذلك عام 866م. فاغتنم البابا نيقولاوس الفرصة وبعث بمرسَلين لاتين أخذوا يبثّون بين البلغار اللّاهوت الغربيّ والعادات اللّاتينية. وقد ورد أنّ من جملة ما أخذ يشيع، آنئذ، التعليم الخاطئ، الخاصّ بانبثاق الروح القدس من الآب والابن معًا (الفيليوكوي). كان طبيعيًّا أن يصطدم الرّوم واللّاتين هناك. الرّوم كانوا موجودين على الأرض. الصراع بدا مكشوفًا. الرّوم اعتبروا الخطوة اللّاتينية اقتحامًا لنطاق خاصّ بهم واللّاتين مجالًا لتأكيد سلطة البابا ونشر عادات الكنيسة اللّاتينيّة وفكرها اللّاهوتي المشبوه. فلم يلبَث فوتيوس، ردًّا على الهجمة اللّاتينية، أن بعث برسالة إلى أساقفة الشرق بيّن فيها ضلالات اللّاتين، لا سيّما لجهة مسألة الانبثاق. ثمّ دعا إلى مجمع كبير في القسطنطينية، عام 867م، أكّد الإيمان القويم وأبسل البابا ومرسليه في بلغاريا. وعليه طلب الإمبراطور الروميّ البيزنطيّ من إمبراطور الجمرماني لويس الثاني الإطاحة بنيقولاوس. ولكن قبل أن تصل إلى نيقولاوس قرارات مجمع القسطنطينيّة رقد.
في أيلول 867م، فتك باسيليوس الأوّل الذي سبق أن عيّنه ميخائيل الثالث إمبراطورًا مشاركًا، أقول فتك بميخائيل بعدما كان أن فتك بعمّه برداس. ولكي يكسب وِدّ المحافظين، عمَد إلى إقالة فوتيوس وإعادة إغناطيوس إلى سدّة البطريركية. وإذ دخل إكليروس القسطنطينيّة في صراع فيما يبنهم وساد البلبال، رأى الإمبراطور أن يستعين برومية لوضع الأمور في نصابها. فدعا البابا أدريانوس الثاني إلى مجمع انعقد في القسطنطينيّة عام 869م. هذا اعتبره اللّاتين بمثابة مجمع مسكونيّ ثامن. في هذا المجمع الذي ضمّ مائة وعشر أساقفة وحسب جرت إدانة فوتيوس وإبطال مجمع 867م. كما جرت إقالة مائتي أسقف وتجريد العديد من الكهنة ممّن سامهم فوتيوس أو كانوا من مناصريه. أمّا فوتيوس فأوقف أمام المجمع ليجيب عن التُّهم الموجّهة إليه فلزم الصّمت مكتفيًا بالقول: “الله يسمع صوت الصامت.. تبريري ليس من هذا العالم”. ثلاث سنوات بقي في الإقامة الجبريّة مقطوعًا عن أصحابه ومحرومًا من كُتبه. لا اشتكى ولا تذمّر. ولا حمل على أحد. عانى المرض. صبر صبرًا عجيبًا. واكتفى بتوجيه رسائل تشجيع وتشديد للذين كانوا يتألّمون من أصداقائه. لم يكن عمل إغناطيوس في الفترة الجديدة من بطريركيّته سهلًا. وما لبث أن وجد نفسه في صراع مع البابا يوحنّا الثامن. لكنّه احتضن بوريس (ميخائيل) البلغاريّ بعدما ارتدّ عن رومية إلى القسطنطينيّة. وإذ ازدادت القناعة في المدينة المتملّكة أنّ الدور الذي أُتيح لرومية لعبه عظّم شأنها على حساب القسطنطينيّة، نصح الأساقفة باسيليوس الملك، توحيدًا للكنيسة فيها ورفعًا لشأنها، بإبطال قرارات مجمع 870م وإطلاق سراح فوتيوس. فعمد الإمبراطور إلى استعادة فوتيوس بإكرام بالغ وأسماه مربيًّا لأولاده. وكانت أوّل بادرة فوتيوس أتاها أنّه التقى وأغناطيوس وتصالحا وأعلن دعمه له ووقوفه بجانبه. إغناطيوس كان مريضًا فصار فوتيوس يزوره بانتظام. فلمّا رقد إغناطيوس بالربّ، عاد فوتيوس إلى السدّة البطريركيّة بمباركة الجميع. وإلى فوتيوس يعود التدبير بشأن إعلان الكنيسة لقداسة إغناطيوس في 23 تشرين الأوّل من كلّ عام. وإغناطيوس، كما تبيّن، كان ضحيّة الخلافات التي زكّاها الآخرون باسمه. ثمّ إنّ مجمعًا عُقد في القسطنطينيّة عام 879 – 880م ضمّ 383 أسقفًا وعُرف بمجمع الوِحدة رأب الصدع بين رومية والقسطنطينية وأعاد الاعتبار لفوتيوس رسميًّا، كما أكّد الإيمان الأرثوذكسيّ وكفّر الزيادة على دستور الإيمان لجهة انبثاق الرّوح القدس. مبعوثو البابا يوحنّا الثامن كانوا موجودين. ومجمع 869م اللّاتيني اعُتبر لاغيًا. فلمّا بلغ بابا رومية خبر المجمع وافق على مقرّراته. وهذا ما يفسّر أنّ مجمع 869م الذي سُمّي في الغرب بالمجمع المسكونيّ الثامن، لم يُحسب كذلك في رومية إلى القرن الحادي عشر حين أدّت تغيّرات إلى إعادة الاعتبار لمجمع 869م وإهمال مجمع الوحدة، مما ولّد الاعتقاد الشائع في الغرب الذي اتّهم فوتيوس ظُلمًا بأنّه أبو الانشقاق وعدوّ الوحدة. ومرّة أخرى تغيّرت الأوضاع العامّة وانعكست سلبًا على فوتيوس. في العام 886م خلف لاون السادس أباه باسيليوس إمبراطورًا. وإذ كان على عداء وأسقف أوخابيطا، غريغوريوس، وهو أحد أتباع فوتيوس، أقال البطريرك القدّيس وحجزه كفاعل سوء في دير الأرمن جاعلًا أخاه استفانوس بطريركًا محلّه. بقي فوتيوس في الإقامة الجبريّة خمس سنوات محرومًا من كلّ عزاء بشريّ. كأنّما الربّ الإله أراد تمحيصه كالذهب في الكور إلى المنتهى. في هذه الفترة من حياته كتب “ميستاغوجية الرّوح القدس” الذي ضحد فيه مسألة انبثاق الرّوح القدس من الآب والابن (الفيليوكوي). رقد في الرب مكمَّلًا بالفضائل في 6 شباط 891م.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share