المسيح الدفين

الأرشمندريت جورج (خضر) Monday May 13, 2024 35

المسيح الدفين
بقلم الأرشمندريت جورج (خضر)
عظة أُلقيَت يوم سبت النّور (1969)

كنّا نتأمَّل أمس آلامَ السيِّد، سرّ المحبّة الّتي قادتهُ إلى الموت. كنّا نذوق معنى الفِداء وقُربى المسيح مِن كُلِّ نفسٍ ذائقة الموت. وغدًا سندخُل فرح القيامة ونُعلِن الظفر ولكن اليوم ماذا عسانا أن نصنع؟ الرّبُّ دفينٌ وكأنّهُ ينزل أكثر فأكثرَ في الموت. ماذا يعني هذا اليومَ الوسط والترنيمة تقول إنّهُ يوم السّبت العظيم المبارك. قد نستطيع أن نفهم قليلاً ربًّا يتطوّع للموت ويُخرِج نفسهُ مِن قبضته. ولكن هذا الّذي يُلامِس التُّرابَ ويُساكن الظُلمة، هذا البعيد في أعماق الأرض ماذا يوحي إلينا؟
الحُزن يؤول إلى فرح. المسيحيّة كلّها في هذا التحويل. الحزن فيها قائم لأنَّ المسيحيّة تُرافق الحياة والحياة فيها شِدّة. إيماننا لا يلغي الوجود. يتقبّله ويَشُدَّه إلى معناه في الوجود الأسمى، يربطه بالله. الحزن إنسانيّ ليسَ فيه في حدِّ نفسه شوقٌ إلى شيء آخر. يذهب بِصاحبه في كُلِّ اتّجاه. المسيح يأتي ويقول أنا سأدخُل إلى هذا الحُزن. سأقوده في نحوٍ واحد. سأجعل فيه ما يسوقه إلى فرح. سأكونُ في وسط الشِدّة، في صميم اللامعنى، في التمزُّق، أُلَملِم كلّ هذا. اَتَّخِذ كلّ هذا. فإنّي أنا أيضًا طيلةَ مُمارستي النّاس عرفتُ التّفاهة في الإنسان ولكنّي عندما كنتُ أكشِف لهُ مصيره الإلهيّ كانَ يتراءى لهُ أنَّ فيه ما هو أعظم منه، أنَّهُ ذو طاقات قادرة على التفجُّر. ولكن هذه الينابيع الحيّة كانت خزينة في جوفِ النفس. كان ينبغي أن يأتي مَن يقول للنفسِ أنَّها غنيّة وأنَّ الصّخرة الّتي صارت تنتظِر مَن يضرُبها بِعصا المحبّة لتنهَمِرمياهُ الحياة مِن جديد. الملكوت إذن بمتناوِل اليدّ ولكن ينبغي أن تعترِف هذه بفقرها وتنفتِح لتتلقّى مِمّن يحبّها آلةً لِصدعٍ شرّها وتفكيكِ عِقَد المعصية وعطاءً لتفجير الخزين المروي.
والمسيح اليومَ قُبِر ليكون رفيق التُّراب وزميل الظُلمة وبكلامٍ آخر أمسى صاحب الغُرباء والمُستضعَفين والأذلّة من كلّ جنسٍ وصوبٍ الّذين نخفي نحنُ عنهم النّور. انّهم لا يقدرون أن يُسابقوه في قعودِ الأرض. في ساعاتٍ مُباركة كان المسيح أدنى القوم. أنَّه لقد مَثَل في هذا الدّفن كلّ التواضُع الّذي عاشه بحيثُ لم يتفوَّق عليه أحدٌ بالتنازُل فبُتنا مدعويِّن إلى أطراحِ الإعتزاز الكذوب والفخر والكُبَر.

أجل البشريّة كلّها تُواجه الحياة حينًا بعدَ حين وكأنَّ دونَ الحياةِ بابًا موصدًا، كأنّها لا تستطيع أن تتسرّب لأنَّ هذا الحجر الجاثم يحتاج إلى من يدحرجه. يسوع لا يقول أنَّ الإنسان غدا بلا مأزق. ليسَ يسوع معلِّم المثاليّة الضّبابيّة. ما اِنجيله ملهاة أو أُغنية لأنَّ الأغاني لا تُنشئ قدّيسين فالقداسة ليست قبض ريح ولكنّها فعلٌ صارخ، حيٌّ ، مصقول. لا، يسوع يقول أنَّ ضيق النَّفسِ قائم، أنَّهُ فتّاك ولكنّه يقولُ أيضًا أنَّ الإله المتجسِّد نفسه يسكُن الضّيق وقد لازمهُ في نزاع الجثمانيّة عندما تجرَّع خطايانا وضربتهُ كالبرصِ وبدلَ أن يتقيأها ويتقيأ أصحابها ارتضاهُم كما هم، كما رآهم واحدًا واحدًا وقابلَ كلّ ذلك بالحبّ، بحبّ العُصاة الّذين ذاق منهم بشاعةَ المعصية كما تستطيع الطّهارة الكاملة وحدها أن تذوق. وعندما مكثَ في القبر ثلاثةَ أيّامٍ مكثَ في صميم القباحةِ الإنسانيّة ليُزيلها بجماله وإذا بالبهاء يطلعُ من العتمات لأنَّ ابنَ الإنسان أقامَ بهاءه مرّةً وإلى الأبد في داخل كلّ عتمة، لكونِ الحبّ ينبُتُ حيثُ زرعه أي قي صحارى الإحساس، في قفار الوجدان الإنسانيّ.
ولكن سرّ المسيح في أنَّ كلّ هذا الموت، كلّ الإنحدار البشريّ يتَّخِذ اتخاذًا ليؤول إلى حياة. قبلَ هذه اللّحظات المُذهلة تفتَّحَ السِرُّ قليلاً عندما كان العُميّ يبصرون والعُرجَ يطفُرون أيّ عندما كان المستحيل نفسه يستحيل لينقلب سَرابَ الإنسانيّة غديرًا وتُزهر بواديها.
إنَّ ما قُلناه لا يعني أكثرَ مِن أُغنيةٍ أن كانَ المسيح اِنسانًا محضًا. في أفضلِ حالٍ يكون قد أعطى مِثالاً للتضّحيات ولكنَّ سقراط مات كذلك وماتَ الشُّهداء مِن كُلِّ بلدٍ ودين. إن كانَ النّاصريّ مُجرّد اِنسان قد يكون في طليعة العظام الشهود، روعةً في الوداعة والنّقاوة واللّطف ويكون، إذ ذاك، فقط زعيمًا من زعماء القداسة أو أوَّل روادها، أي تكون القضيّة قضيّة درجات في العلى لا شيئًا جذريًّا، جديدًا، مجدّدًا.
إيماننا كلّه غائم غنائيّ بحت إن لم يكن المسيح إلهًا، إبهًا يُزامِل البشر في كلِّ ما يذوقون ما خلا الخطيئة يحيثُ يكون الله نفسه قد ولجَ عالم الموت وشاركَ طعمَ الموت. هذا الإله المُتأنِّس، الّذي لا تنفكّ أُلوهيته لحظةً عن ناسوتيّته قد دخلَ في شخصه الموَحّد نِطاق الموت. وفي طرفةِ عين لا يُحصيها زمان ارتضى الموت كُليًّا وبارتضائه هذا غلبه وداسه. في لحظةٍ واحدة لا يقع الحِساب عليها كانَ المسيح في موتٍ وحياة معًا، في مُعاناة وغلبة بحيث شُبِّه لأعدائه أنّهم قضوا عليه وعلى رِسالته بالقتلِ ولكنَّهم ما صلبوه وما قتلوه يقينًا فإنّه فيما كان يحتمِل الموت على الخشبة بمرأى مِن الشهود الأبرار كانَ قي لحظةٍ أو في ما هو دون اللحظة يتجاوز الصّلبَ والقتلَ إلى حياةٍ خفيّة مُقيمة فيه ظهرت للعيّان عند فجر القيامة لكي يعرف النّاس معنى الموت ومعنى الدّفن ومعنى القيامة في سرِّ المسيح وسرّهم ويؤمنوا بقُربى الله في مرافقته للنّاس في الصّميم.
في القبرِ أذن قوّة استمدّها الملاك ليُدحرجَ الحجر. ليسَ من حجر الآن جاثمًا على صدري. الفوهات كلّها انفتحت أمام الطّاقات الخزينة فإنَّ الله نفسه سيولد فيَّ في جرحي وتأزُمي. اليأسَ سيتحوَّل. بقُدرةِ اليأس نفسه أنا صائر إلى الرّجاء، إلى رجاء ليسَ عالقًا في الضّباب. لم يبقى هذا الكون حجرة نحن سُجناؤها في زمنٍ يحجِّرنا. الماء سينبع من تحت الصُّخور لأنَّ الله نزيل المقبرة الكونيّة الّتي نحسّ أنّنا أسراها.

قمّ يا الله وفكَّ العِقال. قمّ يا الله واحكُم في الأرض فإنَّ أبناءَ البشر ينتظرون الحريّة، تلك الحريّة الكبرى الّتي أنتَ مُعطيها في صُبحِ القيامة.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share