القدّيس البار إيرونيموس (+420م)

mjoa Saturday June 15, 2024 177

وُلد حوالي عام 342 م، في مدينة ستريدون Stridon على حدود دلماطية وبانونيا وإيطاليا، من أسرة رومانية غنيّة وتقيّة. ولمّا بلغ الثانية عشرة من عمره أرسله والده إلى روما، فبرَع في الفصاحة والبيان، وقد شغف بكبار شعراء اليونان والرومان. اهتم أيضًا بنسخ الكثير من الكتب كنواة لإنشاء مكتبة خاصة به. في هذا التيار انجرف إيرونيموس عن الحياة التقويّة، لكنّه عاد فتابَ ثمّ نال سِرّ العماد وإن كان قد بقي زمانًا يصارع ضدّ الشهوات فكريًا. بعد ثلاثة سنوات قرّر مع صديقِه بونوسيوس أن يرحلا إلى تريفا للتفرّغ للعبادة. هناك بدأ يدرس اللّاهوت بدراسة الكتاب المقدّس، ثمّ عاد إلى وطنه وأقام في أكيليّة سبعَ سنوات، حيث توثّقت علاقته بصديقه الحميم روفينيوس الذي سبق فصادفه في روما. إذ كان يحثّ أخته على حياة البتوليّة والنسك هاج أقرباؤه عليه فاضطرّ إلى الرّحيل إلى الشرق، مارًّا على اليونان فآسيا، ليستقرّ في أنطاكية عام 374 م، حيث استضافه القديس أوغريس. أحبّ جيروم أوغريس، وكان للأخير أثره القويّ عليه إذ سحَب قلبه نحو الشرق والحياة النسكية. تعرّف أيضًا على أبوليناريوس أسقف اللّاذقية الذي وقف القديس ضدّه بعد ذلك، حينما انحرف عن الإيمان. تفرّغ قدّيسنا لدراسة الكتاب المقدّس مع ممارسة الحياة النسكيّة، فانفرد في برّية خليكس جنوب شرقي أنطاكية لحوالي أربع سنوات تعلّم فيها العبريّة. وقد تعرّض في هذه البرّية لمتاعب جسديّة كثيرة، كما يظهر ممّا كتبه إلى القديسة أوستخيوم يصف حاله بصراحة كاملة، فيقول: “كانت حرارة الشمس الحارقة شديدة ترعب حتى الرّهبان الساكنين فيها، لكنني كنت أُحسب كمن في وسط مباهج روما وازدحامها… في هذا النفي أي السجن الذي اخترته لنفسي، حتى أرهب الجحيم. كنت في صحبة العقارب والوحوش وحدها فكنت أُحسب كمن هو بين الرّاقصات الرومانيّات. كان وجهي شاحبًا من الصوم الإراديّ فكانت نفسي قويّة في الجهاد ضدّ الشهوة. جسدي البارد الذي جفّ تمامًا، فصار يبدو ميتًا قبل أن يموت، يحمل فيه الشهوة حيّة، لذا ارتميت بالرّوح عند قدمَي يسوع أغسلهما بدموعي، مدرّبًا جسدي بالصوم الأسبوع كلّه، ولم أكن أخجل من كشف التجارب التي تحلّ بي… ولا أكفّ عن قرع صدري ليلًا ونهارًا حتى يعود إليّ السلام”. عاد من البريّة إلى أنطاكية عام 377 م، فظهرت مواهبه، لذا ضغط عليه البطريرك بولينوس ليقبل الكهنوت، وإن كان قد اشترط إيرونيموس عليه ألا يرتبط بكنيسة معيّنة، ليتفرغ لكلمة الله أينما شاء الله أن يدعوه. سمع إيرونيموس عن القديس غريغوريوس النزينزي، فذهب إليه والتصق به لمدّة عامين، وفي مجمَع القسطنطينية المسكونيّ عام 381 م لمَعَ نجمه. وفي سنة 382 م رافق بولينس بطريرك أنطاكية وأبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص إلى روما، فاتّخذه داماسيوس أسقف روما كاتبًا له، وأوكل إليه ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللاتينية، وتسمى بالفولجاتا La Vulgate. امتزج عمله بحياة النسك مع الفكر الروحيّ المتقّد، فالتفّ حوله كثيرون، من بينهم شريفات قدّيسات مثل باولا وبنتاها بلوزلا وأوستخيوم، ومرسيليا وأمّها ألبينا، وأسيلا البتول الشهيرة. وإذ توفّي أسقف روما هاجَمه منافسوه إذ كانت الأنظار تتّجه إلى سيامته، فأثاروا ضدّه افتراءات كثيرة، بسبب علاقته بهؤلاء الشريفات، واضطرّ أن يعود إلى الشرق مع أخيه بولنيانس وبعض الرّهبان، يحمل معه مكتبته الضخمة ومؤلّفاته، وقد كتب رسالة إلى بناته الشريفات مؤثرة للغاية، جاء فيها: “أشكر الله الذي وجدني مستحقًّا أن يبغضني الناس… نسبوا إلىّ أعمالًا شائنة لكنّ أبواب السماء لا تُغلَق وتُفتح بأقاويل الناس وأحكامهم”. لحقت باولا وأستوخيوم قافلته في أنطاكية، وانطلق إلى يافا ثم بيت لحم، وإذ جال في فلسطين ذهب إلى مصر حيث الحياة الرهبانية في أوجّ عظمتها. في مصر التقي بالقديس ديديموس الضرير الذي كان يحبّه، وقيل أنّه سبق فتتلمَذ على يديه لمدة شهور، وسأله عن بعض معضلات في الكتاب المقدّس فوجد إجابات شافية، ومن شدّة إعجابه به حينما سبق فطلب منه داماسوس أسقف روما أن يكتب له بحثًا في الرّوح القدس، لم يجد أفضل من أن يترجم له ما كتبه القديس ديديموس إلى اللّاتينية. زار الكثير من الأديرة والتقى بعدد كبير من نسّاك منطقة الأشمونين بمصر الوسطى (التابعة لطيبة) ومنطقة وادي النطرون، وسجّل لنا كتابه “تاريخ الرّهبان” عن آباء رآهم والتقي بهم شخصيًا أو سمِع عنهم من معاصرين لهم يعتبر من أروع ما سُجل عن الحياة الرّهبانية في ذلك الزمن، وقد اقتبست الكثير منه في هذا القاموس المُبَسَّط. عاد إلى فلسطين يحمل في جعبته خبرة آباء نساك كثيرين، وهناك بنت له باولا ديرين في بيت لحم عام 386 م أحدهما للنساء تسلّمت هي إدارته، والآخر للرّجال يرأسه القديس إيرونيموس قرابة 35 عامًا، تزايد فيه حبّه للدراسة والكتابة. قال عنه سالبسيوس ساويرس: “تراه على الدوام غائصًا في كتبه”. أُعجب بالعلّامة أوريجينّوس الإسكندريّ الذي حسبه هبة الله للكنيسة، فعكَف على ترجمة الكثير من كتابته ومقالاته إلى اللّاتينية، وكان يلقيها على الرّهبان والرّاهبات، حتّى جاء القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس إلى فلسطين وألقى عظته على الجماهير وهاجم أوريجينّوس بعنف… فاصطاد القدّيس إيرونيموس ليحوّله من العشق الشديد لأوريجينّوس إلى العداوة المرّة، فيحسبه كأبيفانيوس أنه علّة كلّ هرطقة، بل حسبه شيطانًا رجيمًا. وبسبب هذا التحوّل خسِر القدّيس جيروم صديق صباه روفينوس، ودخل معه في صراعات مرّة وقاسية. وقد حاول القدّيس أغسطينوس التدخل بأسلوب رقيق للغاية، لكن القدّيس جيروم دخل معه في صراع شديد وبلهجة قاسية تصدَّى أيضًا القديس جيروم لكثير من الهرطقات. في أواخر أيّامه هاجم البيلّاجيون ديره وأحرقوا جزءًا كبيرًا منه وقتلوا ونهبوا. توفّي القديس في بيت لحم عام 420 م في مغارة المَهد، وقد نُقل جسده إلى روما. يُعيِّد له الغرب في 30 من سبتمبر. يصوّره الغرب وأمامه أسَد رابض، إذ قيل أنّه شفى أسدًا وقد لازمه في الدير. وربّما لأنّه كان يمثّل الأسد في البرية، يزأر بشدة من أجل استقامة الإيمان، لا يستريح ولا يهدأ بسبب الهرطقات.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share