تأملات في التجلي

mjoa Wednesday October 29, 2008 540

“أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا” (متى 17: 1). هناك مناسبتان غير هذه أخذ فيهما يسوع معه هؤلاء الثلاثة المختارين فقط، وهما إقامة ابنة يايروس (مرقس 5: 37) والصلاة في الجسمانية قبل الآلام (متى 26: 37). إن الذين شاهدوا مجده في التجلي ومجده في التغلب على الموت، مقدمة قيامته، كانوا أيضًا شهود آلامه في البستان. وهكذا يبدو منذ الآن ارتباط بين مجد الرب وآلامه.

.

“وإذا بموسى وإيليا قد gagظهرا لهم يتكلمان معه” (متى 17: 3). موسى يمثل الشريعة القديمة التي غايتها المسيح: “الناموس كان مؤدبنا، يرشدنا إلى المسيح” (غلاطية 3: 24)، وقد تنبأ هو عن مجيء المسيح قائلاً: “وسيقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي، فله تسمعون” (تثنية الاشتراع 18: 15). أما إيليا فهو يمثل الانبياء الذين أنبأوا عن هذا المجيء وهيأوا له، وشخصه مرتبط بنوع خاص بمجيء المسيح إذ ورد في نبؤة ملاخي النبي: “ها أنذا أرسل إليكم ايليا النبي قبل أن يجيء يوم الرب العظيم الرهيب فيردّ قلوب الآباء إلى البنين وقلوب البنين إلى آبائهم” (ملاخي 4 : 5و6) و “يوم الرب العظيم الرهيب هذا” فإنه يشير إلى ورود ماسيا. فحضور موسى وإيليا إشارة إذًا على أن يسوع هو بالحقيقة المسيح المنتظر.
“أخذا يتحدثان عن خروجه الذي كان مزمعًا أن يتممه في أورشليم” (لوقا 9: 31). عن “خروجه” أي عن موته. في وسط مجد تجليه يتحدث يسوع عن آلامه. هذا ما يشير إلى الارتباط العميق بين مجد يسوع وصليبه: “كان ينبغي للمسيح أن يتألم ويدخل في مجده” (لوقا 24: 26)، “قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير” (يوحنا 12: 23)، وفي حين ذهابه إلى الآلام هتف يسوع: “يا أبتاه، أتت الساعة، مجِّد ابنك …” (يوحنا 17: 1). مجد يسوع في صليبه، لأنه بالصليب أفرغ ذاته إلى أقصى حد، فامتلأت طبيعته الإنسانية بالمجد الإلهي. ولذا فالكنيسة تبدأ منذ يوم التجلي بترتيل كاطافاسيات الصليب وكأنها بذلك تشير إلى العلاقة الوثيقة بينهما. وفي طقوسها إشارات أخرى إلى هذا الارتباط. ففي كل جمعة وهو اليوم المكرس للصليب مع يوم الأربعاء، يرتل الكينونيكون: “لقد ارتسم علينا نور وجهك يا رب” ، كأن الكنيسة تنسب إلى المصلوب ذلك الوجه الذي ظهر على الجبل “مضيئًا كالشمس” وقد ورد ذلك جليًا في إحدى قطع المعزي يوم الجمعة: “لك نسجد أيها الرب المصلوب، فليرتسم علينا نور وجهك”.
“إذا سحابة منيرة ظللتهم” (متى 17: 5). السحابة المنيرة في الكتاب المقدس إشارة إلى حضور الله: “وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود من غمام ليهديهم الطريق وليلاً في عمود من نار ليضيء لهم” (خروج 13: 21). وفي إحدى القراءات الثلاث من العهد القديم التي تتلوها الكنيسة في غروب التجلي نقرأ: “وصعد موسى الجبل فغطى الغمام الجبل وحلّ مجد الرب كنار آكلة في رأس الجبل …” (خروج 24: 15-17). غمام ونار، احتجاب وكشف. جوهر الله يبقى محجوبًا عن إدراكنا ولكننا نتحد بالله بمساهمتنا بمجده، مستنرين ومتحولين بذاك “النور غير المخلوق” الساطع على الجبل والذي تحدث عنه القديس غريغوريوس بلاماس.
“هذا هو ابني الحبيب” (متى 17: 5). لهذه الشهادة الإلهية معنيان. إن عبارة “ابن الله” تشير إلى ماسيا، فيكون معنى الإعلان أن يسوع هو بالحقيقة المسيح المنتظر. ومن جهة أخرى تشير هذه العبارة إلى المساواة التامة في الطبيعة الإلهية بين المسيح والآب (لأن الابن له ذات طبيعة أبيه) فيكون هذا الإعلان إشارة إلى ألوهة المسيح. وقد شددت طقوس التجلي على هذا المعنى الأخير وحدثت عن “ارتقاء السيد إلى جبل ثابور ليشرق ببهاء لاهوته”. وقد تلت الكنيسة في غروب العيد مقاطع من العهد القديم تشير إلى ظهور مجد الله لموسى ثم لإيليا، مشيرة بذلك إلى أن ذاك المجد الإلهي عينه أبصره الشاهدان ذاتهما مستقرًا في شخص الابن. وإن حادثة إيليا بليغة بنوع خاص. فإن الرب لم يتجلَّ له في الريح ولا في الزلزلة ولا في النار بل في نسيم لطيف وكان الله يشير بذلك إلى إيليا العنيف الذي قتل أنبياء البعل بأن مجده سيتجلى للناس في شخص من قيل عنه بأنه “لا يصيح ولا يسمع صوته في الشوارع” وبأنه “لا يكسر قصبة مهزوزة ولا يطفيء سراجًا مدخنًا”، في شخص من قال عن نفسه بأنه “وديع ومتواضع القلب”.
 “لا تخبروا أحدًا بالرؤيا حتى يقوم ابن البشر من بين الأموات” (متى 17: 9). “لا تخبروا أحدًا بالرؤيا” لأن اليهود لو عرفوا بالحادثة لما فهموها على حقيقتها، بل لكانوا اعتقدوا أن يسوع هو ذاك الملك الأرضي والفاتح الزمني الذي كانوا ينتظرونه. “حتى يقوم ابن البشر من بين الأموات”: هنا يظهر الارتباط بين التجلي والقيامة. التجلي صورة مسبقة عن القيامة التي سوف يبلغها يسوع بالصليب إذ بالصليب سوف يجتاح مجد الطبيعة الإلهية في يسوع طبيعته الإنسانية كلها ويسطع فيها غالبًا الموت إلى الأبد. ولذا فإن وقع عيد التجلي في يوم أحد، لا تقام سوى خدمة التجلي دون خدمة القيامة، لأن الكنيسة توحّد بين الحادثتين.
 إن لوقا، قبل أن يورد حادثة التجلي يورد لنا كلام الرب عن ضرورة حمل الصليب واتِّباعه (مما يُظهر الارتباط بين التجلي والصليب) ثم يحدد زمان حادثة التجلي بقوله “وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام” (لوقا 9: 28). ولهذا التحديد قيمة رمزية. فاليوم الثامن عند اليهود (أي الأول بعد السابع) رمز لليوم الأخير الذي فيه تنتهي كل الأشياء القديمة ويصبح كل شيء جديدًا، إنه انتهاء العالم في وضعه الراهن وابتداء “السماء الجديدة والأرض الجديدة” اللذين يصبح فيهما الله “كلاًّ في الكل”. ولذا فالتجلي، وهو ومضة من الأبدية تلمع في كثافة الزمن، لا يشير فقط إلى القيامة، إنما يرسم أيضًا مجيء الرب الثاني في اليوم الأخير، حين يظهر بمجد باهر ليدشِّن ملكوت الله المعتلن الظافر. ولذا فخدمة العيد تعبّر عن الشوق الذي يثيره في المؤمن انتظار ذلك اليوم الذي كانت حادثة التجلي رسمًا له فنهتف: “لقد شغفتني بشوقك أيها المسيح ونقلتني بعشقك الإلهي، فاحرق خطاياي بنار غير هيولية وأهلني أن أمتلىء من نعيمك لكي بارتكاض أسبّح حضوريك، أيها الصالح” (أي حضورك الأول المتواضع وحضورك الثاني المجيد).
 في ذلك اليوم سيسطع مجد المسيح على الأبرار كلهم الذين سيظهرون مشاركين له في المجد. لقد روى متى عن الرب في تجليه: “فأضاء وجهه كالشمس” (متى 17: 2). بهذه الصورة عينها يصف الرب حالة الصديقين في اليوم الأخير: “حينئذ يضيء الصديقون كالشمس في ملكوت أبيهم” (متى 13: 34). عليهم سيرتسم نور وجهه كما أوضح الرسول الحبيب: “أيها الأحباء، نحن الآن أولاد الله، ولم يتبين بعد ماذا سنكون. غير أننا نعلم أننا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو” (1يوحنا 3: 2). التجلي إذًا صورة عن مجد القديسين المستقبل، ذاك المجد الذي يعيد، كما تقول خدمة العيد، جمال الصورة الإلهية في الإنسان قبل السقوط. مجد القديسين المستقبل صورة وانعكاس لمجد آدم الجديد الذي أعاد في إنسانيته، بالصليب، بهاء الصورة الأولى، وقد يظهر هذا المجد بإرادة من الله في لحظات من حياة القديسين على الأرض، كما يتضح مما رواه لنا عن القديس سارافيم ساروفسكي تلميذه موتوفيلوف.
فيا ربنا يسوع، يا نورًا من نور، لقد صعد تلاميذك إلى الجبل وهناك رأوا مجد تجليك. أعطنا نحن أيضًا الذي شئت أن تختارهم تلاميذ لك، أن نرتقي فوق هموم الدنيا وشهواتها لنعاين بهاءك. لقد سطع وجهك وثيابك حين كنت تصلي يا رب، فأعطنا أن ندرك أن سرَّ كل تجلٍّ كامن في ذاك الحوار القلبي الذي به تخطف النفس إلى الأجواء الإلهية. لقد دخل تلاميذك في السحابة أي في المجد الإلهي عندما كانوا شاخصين إليك فأعطنا أن لا نحوّل وجهنا عنك لكي نكون منذ الآن مستقرين معك في المجد. إطبع في قلوبنا يا رب صورة طلعتك المنيرة ووجهك البهي كي نحملها كمصباح مشعّ وسط ظلمة هذا العالم وآلامه وخطاياه وتجاربه، هاتفين إليك بتلك العبارات التي وضعها الشاعر الفرنسي على شفاه تلميذي عمواص:
“قوتك العظيمة تنفذ إلى نفوسنا المتوجعة
والقبور ذاتها مليئة بأشعتك.
يا من بك نحب، يا من بك نبصر،
أمكث معنا يا رب، فقد دنا الظلام”
إلى أن تأتي، “فينفجر النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبنا”.
“النور”، العدد 11، 1962
ك. ب.

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share