بمناسبة مرور أربعين يومًا على انتقال الميتروبوليت بولس بندلي

mjoa Wednesday November 12, 2008 80

  ألقى صاحب السيادة المطران يوحنا يازجي هذه العظة في القدّاس الإلهي الذي أقيم بمناسبة مرور أربعين   يومًا على انتقال المثلث الرحمات الميتروبوليت بولس بندلي راعي أبرشيّة عكّار وتوابعها للروم الأرثوذكس، الشيخ طابا- السبت 13/7/2008

 

باسم الآب والإبن والروح القدس، آمين
أيها الأحبة،
إجتمعنا اليوم، وأقمنا هذه الخدمة الإلهية، بمناسبة مرور أربعين يومًا على انتقال أخينا المثلّث الرحمات المطران بولس بندلي ميتروبوليت عكار وتوابعها.
وليس بمقدورنا، وقد أقمنا هذا التذكار من أجل راحة نفسه، إلا أن نقول كلمة تفيه حقًا له علينا.
وها أنا أنتصب أمام محبتكم لأتكلم، ولكني لا أخفيكم أن ما يختلج في قلبي وذهني يجعلني في موقف يصعب علّي فيه الكلام!
فبماذا أناديك أولاً أيها الراحل الكريم؟ أأقولُ: أيها الحبر الوقور؟ أم أيها الشيخ الجليل؟ أم أيها السيد، أو الأب، أو الأخ، أو الصديق، أو العزيز، أو المُحب أو المحبوب؟
كنتَ مع الكل للكل.

.

أستذكر كلمات رسول الأمم، القديس بولس، عندما خاطب قسوس كنيسة أفسس في ميليتُسَ، وقال لهم: “إحذروا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعَوْا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع 20: 28). كم كنتَ حذرًا، رحمك الله، لنفسك ولجميع الرعية.
كنت حذراً لنفسك، لأنك أدركت تمامًا عطية الله اليك. كان واضحًا بالنسبة اليك معنى أنك اصطبغتَ على اسم يسوع، وأنّ عليك أن تتجلّى بالنعمة، وأن تعلوَ فوق مغريات العالم وضعفاته وأهوائه. جعلتَ الكلمةَ الإلهية سلاحًا، والإيمانَ أساساً راسخاً، والصيامَ صديقًا، والصلاةَ سلَّمًا سماويًا، أما التواضعُ فجعلت منه سوراً منيعًا ورفيقًا، لينطبق عليك القولُ الكريم “مَنْ وضع نفسَه ارتفع”. كان الصليبُ شعارَ حياتِك، ولذلك كان سعيُك أن تُخلي ذاتك وتموتَ عن أركان العالم، ليبقى المسيحُ وحده فيك.

كنتَ حذراً أيضًا للرعية، فجعلتَ من نفسكَ تلك الشمعةَ المضاءة التي تذوب لكي تنيرَ مَنْ حولها. سهَرَتَ على خلاص الجميع، لأنك كنت تعلم أن حذرك لنفسك ليس الاّ تخلّي الإنسان عن أنانيته ليكونَ حاملاً الجميعَ على كفّيه في صلاته كما في خدمته لهم. وكيفَ يغيبُ عنك كلامُ مَنْ عشقتَ “ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يبذل نفسه لأجل أحبائه” (يو 15: 13).

كنتَ رسولَ سيدك. والرسولُ مُرسَل مؤتمن على إتمام رسالة سيده ووصيته. مقامُك، كرئيس كهنة، وإن كان باستطاعته أن يمتزج بالسلطة الدهرية وبالقوة والأنانية والتباهي، جَعلتَ منه مجالاً لتعيش حسب وصية معلّمك “إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون آخر الكل وخادماً للكل” (مر 9: 35)، لأنك لم تنسَ أن السلطان الذي بحوزتك قد أُعطي لك من فوق، وأن الروح القدس هو الذي أقامك أسقفًا في كنيسة الله التي اقتناها بدمه. فكسرت بذلك منطقَ العالم وقوةَ أهل هذا الدهر وأوضحت بسيرتك المعنى الحقيقي للإدارة في الكنيسة ومفهومَ السلطة فيها.

يتابع الرسول موصيًا قسوس كنيسة أفسس: “لذلك اسهروا متذكّرين أني مدة ثلاث سنينَ لم أكففْ ليلاً ونهاراً أن أنصح كلَّ واحد بدموع” (أع 20: 31).
وأنتَ، أيها الراحل العزيز، لم تجعل للراحة مكاناً في حياتك. إنك لم تكلَّ لا في ليل ولا في نهار. فكنتَ، عندما كانت تقتضي رعايتك، تذهبُ إلى سوريا إلى إحدى الرعايا وتعودُ في اليوم نفسه إلى لبنان إلى رعية أخرى. وكنتَ أحياناً، وأنا أعرف ذلك جيداً، تعبر الحدود مرتين في ذات النهار كنتَ تنصح الآخرين، وكم خلّصتَ كثيرين من مآسي بآرائك الحكيمة. كان هاجسك وتوجُّهك هو الآخَر. سعيتَ ألاّ تنسى أيَّ إنسان هو بحاجة أو في ضيق، فكنتَ لا تنام دون أن تسعى بكل ما لديك من إمكانات لكي تقدِّمَ ما تستطيع أن تقدّم له.
كانت نصائحك مترافقة بدموع وليس بجبروت أو تعظّم. فلم تكن ذاك المُتفاخِر بمعرفته، وأنت المعلم والأستاذ والعالِم، بل كنتَ ذاك الوديعَ الذي تخاطب الآخر من أعماق قلبك بوداعتك ولطافتك ودموعك. كنتَ أنت تترجى مَنْ يطلب منك، وكنتَ أنت الذي يشكر مَنْ يأتي اليك طالبًا معونة.

يُضيف الرسول متابعًا: “إني لم أشتهِ فضةَ أحدٍ أو ذهبه أو لباسه وأنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمَتْها هاتان اليدان. في كل شيء بيّنت لكم أنه هكذا ينبغي أن نتعب لنساعد الضعفاء وأن نتذكر كلام الرب يسوع فإنه قال: “العطاء مغبوط أكثر من الأخذ” (أع 20: 33-35).

مُشتهاك كان أن نتذكر كلام الرب يسوع “إن العطاء مغبوط أكثر من الأخذ”. الذهب، الفضة… كلماتٌ لم تعرفْها. كنتَ الفقير المستغني بربّه. نعم، إن الذين أحبوك كثيرون، وقد أعطَوْك لحبّهم وثقتهم ذهبًا وفضة. وأنت حوّلت عطاءاتِ محبّيك إلى فرحةِ وبسمةِ طفلٍ أو يتيمٍ أو مريض أو حزين، أو إلى أعمال بناءِ مؤسسات وأعمال خيرية أخرى كثيرة، فكنزتََ بذلك لنفسك ولنفوس واهبيك ولنفوس الموهوبين كنوزاً في السماء لا تفسد. فصار الذهب والفضة، ما قال عنه السيد “لا تعبدوا ربين الله والمال”، صار مصدرََ خلاص لكلٍ من الغني والفقير ونفسك. لقد حوّلت بشاعات المال والسلطة إلى فرحةٍ وإطلالة محبة. افتقرتَ لتُغني الآخرين. اقتبلتَ بالضعف لتُساعد الضعفاء، فظهرتَ الفقير لكثيرين ولكنك كنتَ الغنيَّ الذي يُغني الآخرين، وظهرت الضعيف لكثيرين ولكنك كنتَ القويَّ الحقيقي. لقد اختبرت ما تكلّم عنه آباؤنا القديسون “الحزن المُفرِح” و”التعب المُريح”، ذاك ما لا يفهمه العالم القابع في خطاياه. إنها قوة سرّ “العطاء”. إنه “سرّ الصليب”.

شعارُك كان ما قاله الرب يسوع لتلاميذه: “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنتَ الإله الحقيقي وحدك” (يو 17: 3). عملك كان واحداً: أن تدلَّ على سيدك وتشير اليه وتكرزَ به فَرَحًا وخلاصًا للعالم. لم يكن عندك همٌّ آخر غيرَ كلمة الرب، فكنتَ المعزّي لكل من جالسك أو زارك أو قصدك أو التقاك، دون تمييز بين جنس وآخر، أو بين أصحاب أية عقيدة أو ايمان. وهذا ما شهد عليه جميع من شاركوا في صلاة الجنازة على جثمانك، مسلمين ومسيحيين، مشايخ وكهنة، عندما كانوا يرددون “إن عكار بأكملها قد فقدت مطرانها بولس بندلي”.

سيدي الجليل، يا مَنْ رحلت عنّا بالجسد، ولكن ذكراك الطيبة وسيرتك الفاضلة باقيتان في قلوبنا وأذهاننا، إنني لا أرى نفسي في مكانة أن أعدّد مزاياك أو أن أتكلم عن أعمالك وأبيّنها، فأنتَ مَنْ لم تطلب مديحًا في حياتك، ومَنْ جعلت يسارَك لا تعلم ماذا تُعطي يمينك.

فأمانتك، وفضيلتك، ومحبتك، وصدقك، وتواضعك، واستقامتك، وثقافتك وعلومك، كما هي خدمتك وعطاءاتك وأتعابك وأسهارك وتضحياتك وكذلك إنجازاتك في المجال الروحي والعلمي والتربوي والصحي، كما هو الحال في دعمك للكهنة وحركة الشبيبة الأرثوذكسية والمحتاج واليتيم والأرملة، وكذلك شهادتك التي لا ننساها في وطنك على المحبة والتسامح والعيش المشترك، نحن الذين نرفع السبح لإلهنا الواحد، كلنا عرفناها في شخصك.
ويقول الرسول بولس لقسوس كنيسة أفسس: “إني أستودعكم يا إخوتي الله وكلمةَ نعمته القادرة أن تبنيكم وتمنحكم ميراثاً مع جميع القديسين” (أع 20: 32). وها أنا أراك، أيها العزيز، تخاطبنا من السماء مع الرسول وتقول لنا القول نفسه. نعم، إنك معنا بالروح في هذه الخدمة الشريفة، وأنت جالس مع معشر القديسين الذين أرضوا الله، تصلي معنا وتقول لي وللجميع إني أستودعكم يا إخوتي الله وكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتمنحكم ميراثاً مع جميع القديسين.
نَمْ، قرير العين، يا سيدي، فإن أمانتك تنتقل إلى اليدين اللتين أحبَبت، يدي أخيك باسيليوس، الذي وإياه عَملنا سوية معك سنين طوال. إنه سيواصل المسيرة وسيتابع الطريق الذي أحببت وتعبت من أجله، كما عرفته وعهدته.

“ولما قال هذا جثا على ركبتيه وصلّى” (أع 20: 36) بهذا ينهي الرسول حديثه مع قسوس الكنيسة في أفسس، وها هو بولس بندلي، بعد أن أنهى شوط مسيرته وأتعابه، يجثو تلك السجدة الأخيرة بالجسد أمام ربه. إنه يستودعنا الله ونعمته ويصلي صلاته المستمرة والقائمة أبداً عند قدمي الذبيح من أجلنا، آمين.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share