(*) نقولا دروبي في الذاكرة

mjoa Monday November 17, 2008 357

قد يجهل الكثيرون منا مكانة نقولا الدروبي في الحركة. ذلك لأنهم لم يشاهدوه، في الفترة الأخيرة من حياته، يتردد على بيتها ويشارك في اجتماعاتها ونشاطاتها. ولربما كانت بعض المسؤولية في ذلك تقع علينا لأننا لم نبدِ له بما فيه الكفاية أننا كنا لا نزال نحتاج إليه ولم نوفّر له فرص تواجد معنا تناسب تقدّمه في السن.

.

 إلا أنه كان يشعر، رغم انقطاعه الجسدي عن الحركة، أنّه منها في الصميم. لذا كان ينتظر منا أن ندعوه إلى إحتفالات عيدها السنوي، على أنه من أهل البيت. وقد شكا لي أكثر من مرة أنه لم يُدعَ إلى الاحتفال بعيد الحركة، وكنت عند ذاك أقرأ الأسى على وجهه وفي نبرات صوته. وكان يبتّني ما يعتريه من شعور بأن ما قدمه من مساهمة في البناء الحركيّ قد اصبح منسيًّا. فكنت أطيّب خاطره ما استطعت. لذا أنا فَرِح اليوم بالمشاركة بهذه الندوة التي نظمهِا مجلس فرع الميناء بناء على اقتراح رئيسه، الأخ فرح أنطون، وفَرِح بالعنوان الذي أطلق عليها والذي يثبت أن نقولا الدروبي كان ولا يزال في صلب الذاكرة الحركية ولو قصّرنا مرارًا في التعبير عن ذلك.
كان لقائي الأخير بنقولا بضعة أيام قبل وفاته. صادفته قرب مدرسة راهبات القلبين الأقدسين يسعى بهمته المعتادة، متوكئًا على عصاه، مقاومًا بشجاعة عبء السنين. حيّيته وقبّلته كعادتي وسألته عن أحواله. نظر إليّ بوجهه الودود ودعا لي بالصحة. وبعد أيام إنطفأ بهدوء كما عاش وكأن حدسه قد تحقق بأنه سوف ينتقل إنتقالاً كما قال مرة لإحدى بنات أخيه. وأسدل الستار على صداقة بيننا دامت نحو نصف قرن وترسّخت في الأسبوعين المأساويين من خريف 1985 اللذين قضيناهما معًا وحدنا في بيت أخيه، في ميناء تحوّل إلى مدينة أشباح، تحت القنابل المنهمرة في ما سمي بـ “حرب التوحيد”، وفي ظلّ الموت. أنني اليوم، باسم هذه الصداقة، أتحدث عنه. فيقيني أن الصديق وحده يمكنه أن يتكلم بإنصاف عن إنسان ايأ كان، لأن مودة الصديق وحدها قادرة أن تذهب إلى أبعد من المظاهر لتلامس جوهر الكيان.

صداقتنا كانت لحمتها معيتنا الحركية التي سبقت بكثير ارتباطي به بالقربى فنقولا الدروبي ينتمي إلى جذور الحركة في هذا الميناء. فمنذ إنتسبت أنا إليها سنة 1944، وكان لي من العمر آنذاك 18 سنة، صادفت وجهه الأنيس كأحد وجوهها البارزة. كان من دعائم “فرقة الموظفين” (كما كانت تُدعى في تلك الأيام، مما يعني فرقة العاملين، كما نقول اليوم) التي أسسها أخي وصديقي ديمتري كوتيا والتي سبق ظهورها ظهور فرق الطلاب التي عُنيتُ أنا بتأسيسها. ولفتني فيه منذ البدء متانته وإخلاصه مضافَين إلى حلاوة معشره، وعلمت منه أنه كان صديقًا لوالدي، الذي كان من جيله ولكنه خُطف عنا منذ 53 عامًا، وهو في عزّ عطائه، تاركًا في نفسي فراغًا لا يُعوّض. وعرفت أنه كان وإياه في جمعية سميت “روضة الآداب”،، كانت تُعنى، فيما تُعنى به، بإقامة المسرحيات، مساهمة بذلك في النهضة الأدبية والاجتماعية التي كانت قائمة على قدم وساق في العالم العربي في تلك الحقبة، والتي طالما تمنيت أن تجد أصداؤها في الميناء في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، من يؤَرّخ لها. أخبرني أن والدي (الذي قيل لي أنه كان موهوبًا جدًا للتمثيل) كان رئيسًا لهذه الجمعية وأنه هو، نقولا، كان أمين سرّها. ومن بضع سنوات أهداني تذكارًا ثمينًا ما زلت أحتفظ به بحرص شديد، وهو قطعة معدنية متواضعة كانت تستعمل شارة للجمعية. وقد حُفرت عليها هذه العبارات جمعية روضة الآداب الأرثوذكسية – اسكلة طرابلس – تأسست سنة 1910.

صداقة نقولا لوالدي انسحبت على العلاقة التي نشأت بيني وبينه والتي صارت، إلى حد ما، امتدادًا لتلك الصداقة الأولى واستمدت من حرارتها. كان يعطف عليّ عطف الأب على ولده وكنت أجد فيه صورة بديلة عن الأب الذي حُرمتُ منه قبل الأوان، أستمد منها ارتياحًا وأمانًا في مواجهة المسؤوليات التي ألقتها الحياة على عاتقي وأنا لم أكد أتجاوز الطفولة.

نفس الدعم المعنوي لقيته منه عندما أسندت إليّ، وأنا في حوالي العشرين من عمري، المسؤولية الحركية الأولى في منطقتنا. مسؤولية رئيس مركز طرابلس (الذي كان عمليًا بآن رئيس فرع الميناء، إذ لم يكن نظام الفروع الحاضر، الذي أقرّ في أوائل السبعينات، معمولاً به بعد). فقد كنت، مع الفريق من الشباب الذي يشاركني القيادة، نشعر أن المهمة تفوق ما لدينا من معرفة وخبرة. لكن لم يكن لنا الخيار. قدرنا كان أن نتسلم مهمة لم يكن سوانا يتقدم إليها، وكانت صورة المسيح، التي تزداد اكتشافًا لها يومًا بعد يوم، تسحرنا وتغزينا بالاستمرار. وجود نقولا الدروبي إلى جانبي في القيادة كان، والحالة هذه، يشجعني وينعش ثقتي بنفسي ويوفّر لي شعورًا بالطمأنينة. إلى جانب هذا الدعم النفسي، كنت، أنا والشباب الذين كنا نؤلف في ذلك الحين السواد الأعظم من الجماعة الحركية في الميناء، بحاجة ملحّة إلى دعم اجتماعي. فالمحيط كان إجمالاً ينظر إلينا دون عداء، وحتى بشيء من التعاطف المشوب بالاستغراب، ولكنه، وهو مجتمع تقليدي يسوده كبار السنّ ويتأثرون فيه بالاعتبار. كانا يرانا، باستعلاء لا ينفي اللطف، “أولادًا” (وكنا نردد في ما بيننا جملة مأثورة لأحد المطارنة. “الحركة حركة أولاد”). في هذا الوضع كان وجود نقولا دروبي أولاً، ثم رمزا مروه التي انضمت على يده إلى الحركة، ثم فرقة السيدات (التي تأسست سنة 1947)، بما له ولهنّ من مركز معروف ومعترف به في المجتمع، ومن صلات واسعة بالناس وكلمة مسموعة بينهم، كان هذا الوجود ضروريًا لإعطاء الحركة في الميناء القاعدة الاجتماعية التي تسمح لها بأن تقبل من محيطها وتؤثر فيه.

هذه القاعدة الاجتماعية كان يجسّدها دكّان نقولا الدروبي الكائن قرب ساحة “التُرب”، قلب الميناء، في الوقت الذي لم يكن لنا بعد فيه بيت للحركة، بل كنا نعقد اجتماعاتنا في البيوت، وأحيانًا في غرفة الجمعية قرب الكنيسة، حيث لم نكن دائمًا مرغوبين، كان دكان نقولا الدروبي مركزًا للحركة ومقرًا لها. ولكم زرته في دكّانه الصغير، الذي كان يشعّ بحضوره الخَفِر والأنيس وجلست أمام طاولته بين لوازم الخياطة والألبسة الداخلية التي كان يبيعها، أتحدث معه، بين مشترية وأخرى، عن قضايا الحركة وهواجسها. وكان دكّانه بالضبط مقابل بيت رمزا وتوفيق مروه، الذي صار هو أيضًا، وبنوع خاص غرفة الخياطة فيه، “مقرًا” للحركة، وبنوع خاص للعاملين والعاملات من أفرادها في حقل الطفولة.

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share