كلمة الأمين العام في افتتاح مؤتمر مركز عكار – 7/12/2008

mjoa Saturday December 13, 2008 271

صاحب السيادة
الأخ  رئيس المركز
يا أحبة،

أشكر الربّ الذي أنعم عليّ بمشاركتكم افتتاح مؤتمرنا الحركي في عكار برعاية صاحب السيادة المتروبوليت باسيليوس. وأود  أن أستغلّ هذه المناسبة، مناسبة رعاية صاحب السيادة هذا المؤتمر للمرة الأولى، وهو المشهود له كثيراً بمحبة الكنيسة واستقامة الحياة في المسيح، لأسأل الله  أن يواكب رعايته لهذه الأبرشية بنوره ويمدّه بالصحة والقوة والنشاط والحكمة الى أعوام عديدة كي يستطيع أن يقود خراف الله الناطقة في هذه الأبرشية العزيزة الى حيث يشاء الربّ لها أن تكون، الى رحاب الخلاص في يسوع المسيح.

وأراها مناسبة، أيضاً، لأشدّد أمام صاحب السيادة، في هذا اللقاء الأول، على أن تشبّثنا، الصادق، برعاية الأسقف لكل وجه من وجوه عملنا وشهادتنا للمسيح ليس مردّه الأشكال واللياقات ومنطق الحقوق والواجبات وما قد يحكم أهل الدنيا من مفاهيم، بل مرده أولاً مكانة الأسقف وصدارته لدبنا المُكتَسَبة من إيماننا، الذي لا يتزعزع، بأننا من الكنيسة وفيها ولها وحدها.

 

كما لا أخفي  أن رجاءنا يكبر اليوم، كشباب يلتزم يسوع المسيح وقضيّته، في أن يساهم حضوره في المجمع المقدس، وهو من رجال كنيستنا الذين يُعرفون بالصلابة في الدفاع عن الحقّ واستقامة الايمان والممارسة والتعليم، في قيادة كنيستنا الإنطاكية الى الموقع الذي، حقيقة، يريح الله ويفرحه. الى حال البهاء والنقاوة والأمانة والاخلاص ليسوع المسيح وأحبائه الفقراء والبسطاء، الذين ليس سراً القول أننا نشعر، هذه الايام، من خلال ممارسات وخطوات متخّذة في بعض مؤسساتنا وأطرنا الكنسية الانطاكية، أن فعاليتهم تُغيّب عن ضمير بعض المسؤولين لتتصدّر مكانها فعالية الأغنياء وأصحاب النفوذ.

 

أيضاً يا إخوة فإنني أسمح لنفسي، نيابة عن أعضاء حركة الشبيبة الأرثوذكسية في كرسينا الانطاكيّ، أن أحمّل صاحب السيادة عبء ثقتنا التامّة بأنه سيحفظ، عبر احاطته بشعب الله واحاطة هذا الشعب به، الإرث الروحي والرعائي الكبير  الذي غرسه في نفوس الناس وعقولها وضمائرها وقلوبها معلّمُنا، قدّيس عكار وحبيب فقرائها، المطران بولس بندلي. ويقيننا أنه سيعمل على تنمية هذا الارث، رغم خصوصية موهبة كلّ شخص منّا. فهو، بشهادة كثيرين، كان الرفيق الحبيب القريب، بين الرفاق، من صاحب الارث، ما جعله يتحسّس ويدرك ويثق ويشهد على أن ما أهّل المطران بولس بندلي ليصير بالوزنات التي أنعم الله عليه بها آيات حيّة تشدّ الناس بجمالها الى يسوع المسيح فإنما هو ثمار الروح التي فيه وفعله. هذا لأن” ثَمَر الرُّوح هو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف” يقول الرسول بولس في رسالته الى أهل غلاطية.

أما أنتم أيها الأحبة، فاليوم، وفي مرحلة ما بعد حضور المطران بولس بندلي معنا بالجسد، تبرز، مجدّداً، مسؤوليتكم الخاصّة كأبناء وهياكل وحقول خدمت فيها محبّة المطران بولس ليسوع المسيح ” من الساعة الأولى”.  وخلاصة هذه المسؤولية هي جدّية سعينا لنكون أكثر أهلية لجعل هذا النموذج التقديسيّ حاضراً، أبداً، في كنيسة إنطاكية ومحيطها من خلالنا وعبرنا. فلا ممرّ الى تحقيق مشروع الحركة بملئه، مشروع معاينة الكنيسة في نهضتها، بغير أن يصير كلّ منّا وسائر أبناء الكنيسة ومسؤولوها على هذا النموذج.

 

من هنا أرجو أن تفهموا ويفهم كلّ المعنيين بحياة الكنيسة دوافع ما أقدمنا وسنقدم عليه من خطوات لابقاء ذكرى هذا البار حاضرة في ضمير كنيستنا. فمن التفاهة أن يعتقد أحد أن هدفنا أن نكرّم، نحن البشر الخطأة، من يُكرَّم  اليوم بجلوسه في أحضان ابراهيم قرب  وجه الله وفي نوره.

غايتنا من هذه الخطوات هي أن نذكّر ذواتنا، أولاً، وأبناء كنيستنا ومسؤوليها ثانيا بما يحكم ايماننا وشهادتنا للربّ من بعض ثوابت وهي:

 

أن طريق القداسة في عالمنا، اليوم، وأيًا كانت مغريات هذا العالم،  لا زال قائماً ومفتوحاً. وأن بإمكان أيّ منّا، اذا شاء بحريته في المسيح، أن يستحضر الربّ ليعمّد به مأكله ومشربه وسيره ونطقه وفرحه وحزنه وتصرّفاته، وأن يجعل من هيكله البشري، عبر تحلّيه بالفضائل الالهية، مطلاً لنور الربّ  ومحبّته على العالم.

 

أن بإمكان هذا المحب للمسيح، أيّا كان، أن يحرّر وجه كنيسته مما حفر فيه التاريخ من مشوّهات ليكشف اطلالات الملكوت عليه ومنه. فيحضر بالربّ ليسمو، بقوّته، بكل خدمة انسانية، وخصوصاً خدمة الفقراء والمحتاجين، فوق معقولية الموازنات والميزانيات والحسابات والتقديرات والامكانات الانسانية ومحدوديتها، ما يستحيل بوجه الكنيسة وجهاً معبّراً عن الصورة الالهية في العالم دون أن يكون مطبوعاً بالصورة العالمية المشوّهة للألوهة.

 

أن ما يربّي على القداسة في كنيستنا ويكشف طريقها للأبناء هو الأب والشخص القدوة والمثال قبل أن يكون الأب  والشخص اللاهوتي والعالِم. فمؤسف يا أحبة أن نسمع، منذ زمن والى اليوم، أصواتاً غريبة في كنيستنا الأنطاكية تدعو الى حلول أحد محل أحد في خدمة رعائية أو الى حلول أحد محل الحركة في هذه الخدمة البشارية أو تلك  لسبب تحلّي البديل بالقدرات اللاهوتية. فهذه الأصوات تقزّم، في رؤيتنا، التعليم في الكنيسة وتُخليه من بُعده الرعائي والتربوي التجسّدي لتحصره، من حيث لا تدري، بالثقافة الدينية على أهمّيتها. فغاية التربية في الكنيسة هي، بكلمات، أن تدلّ الأبناء، من خلال مسار تقديسيّ يتجسّد حياةً أمامهم، الى حيث الخلاص بيسوع المسيح. ولهذا فهي تقتضي موهبة ارشادية شرطها الوحيد محبّة الربّ وتجسيدها في وجوه الحياة.

فحياة معلّمنا المطران بولس بندلي، العالِم في الميدان اللاهوتي وفي أكثر من ميدان آخر، قد كشفت لنا أن تأثير قدراته العلمية واللاهوتية إنما كان بفعل تعميدها بالحال التقديسية التي عاشها والتي تجلّت أمامنا في كلّ لحظة نطق فيها بكلمة صلاة وبادر الى خدمة وانحنى أمام حاجة فقير. فكانت لحظة معلّمة كشفت قوّةُ تأثيرها في النفوس  هزالةَ تأثير كل القدرات المحض بشرية.

رجائي يا أحبة أن يخدم هذا المؤتمر سعيكم لتكونوا على سيرة  من بنى نفوسكم في المسيح، وتشرّعوا هياكلكم للربّ وحده وتتحلّقوا حول سيادة راعيكم الحبيب المتروبوليت باسيليوس لتغرفوا من رعايته وتوجيهاته وارشاداته ما يخدم طريقكم المشتركة مع إخوتكم في سائر أبرشيات هذا الكرسيّ نحو النهوض بذواتكم وكنيستكم الى الالتصاق بالله. وإيماني لا يتزعزع بأن شفاعة المطران بولس بندلي ستواكب جهد راعي هذه الأبرشية وسعي أبنائها، المخلصين للربّ، حتى اليوم الأخير، فلا تخافوا.

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share