لماذا لا نشرّع الزواج المدنيّ الاختياريّ ؟

الأب جورج مسّوح Sunday February 22, 2009 112

حسنٌ أن يقرّر وزير الداخليّة والبلديّات زياد بارود منح المواطنين الحقّ في شطب القيد الطائفيّ من سجلاّت النفوس. لكنّ هذه الخطوة يلزمها خطوة أكبر منها هي إقرار قانون مدنيّ اختياريّ للأحوال الشخصيّة يخضع له اللبنانيّون ممّن لا يرغبون باتّباع قانون الأحوال الشخصيّة الخاصّ بكلّ طائفة من الطوائف المعترف بها. فلا شكّ أنّ معظم الذين سوف يختارون شطب قيدهم الطائفيّ يفضّلون إكمال خيارهم هذا بالسعي إلى قانون مدنيّ للزواج، لأنّهم إن اضطرّوا إلى الزواج الدينيّ فقد يلاقون بعض العراقيل والمضايقات من المؤسّسات الطائفيّة المتحكّمة بعقود الزواج.

ولسنا ننطلق في تأييدنا لقرار وزير الداخليّة وفي مطالبتنا بإقرار قانون مدنيّ اختياريّ للأحوال الشخصيّة من قناعات علمانيّة أو مدنيّة أو قوميّة أو وطنيّة، بل من قناعات دينيّة وإيمانيّة راسخة تقوم أساسًا على احترام حرّيّة الفرد الإنسانيّ الدينيّة. فالله، بحسب الديانتين المسيحيّة والإسلاميّة، خلق الإنسان حرًّا مختارًا بين الخير والشرّ، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين الإيمان والكفر، وسوى ذلك من ثنائيّات متناقضة. كما تتّفق الديانتان على رفض الجبريّة المطلقة وعلى القول بأنّ الإنسان مسؤول عن أفعاله التي يقوم بها، وبأنّ الله سيحاسبه عليها في الآخرة. فإذا كان الله خلق الإنسان حرًّا مختارًا، فلماذا ترفض الطوائف والمذاهب المختلفة إطلاق سراحه من أسرها؟

في لبنان تنحصر صلاحيّة عقد الزواج بالمؤسّسات الرسميّة الممثّلة للطوائف المعترف بها قانونيًّا. فاللبنانيّ غير المؤمن أو غير المبالي أو اللاأدري أو الملحد أو الذي يريد الزواج بشريك من غير دينه، إن شاء الزواج فما عليه سوى تبادل ممارسة النفاق مع المؤسّسة القائمة على أمور الطائفة المسجلّه على إخراج قيده فيعقد زواجًا دينيًّا لا يؤمن به، أو السفر خارج لبنان لعقد زواج مدنيّ تعترف به الدولة اللبنانيّة التي لا تجرؤ في الآن عينه على تشريعه. نفاق بنفاق يدفع ثمنه المواطن اللبنانيّ وتنتفع منه الدول المجاورة، ولا سيّما قبرص.

يبني القائمون على المؤسّسات الدينيّة حين يتكلّمون على الحرّيّة الدينيّة خطابًا جميلاً مليئًا بالآيات والمراجع التي تؤكّد على احترام الله والديانات لهذه الحرّيّة. فإن كانت الديانتان تجمعان على القول بأن لا إكراه في الدين، فلماذا تقبل بفرض الزواج الدينيّ على مَن يجاهر بالقول والفعل والفكر بأنّه لا يرغب به؟ ولماذا تقبل بتحوّل البعض من ديانتهم الأصليّة إلى ديانة الشريك، ولو عن غير إيمان وقناعة، بسبب عدم اكتمال شروط الزواج الدينيّ من دون هذا التحوّل؟ والله نفسه لم يُلزم آدم وحواء بالبقاء في جنّته حين رفضا الخضوع لمشيئته، فلماذا تُلزم المؤسّسات الدينيّة الناس بالبقاء في فيء جناحيها وهم يرغبون بالخروج من كنف سلطتها؟

ثمّ تفرح حين تسمع القائمين على المؤسّسات الدينيّة يتحدّثون عن المساواة بين البشر جميعًا، ولا سيّما بين الذكر والأنثى. غير أنّ البعض يذكّرك بأنّ ثمّة تفضيلاً في الزواج الدينيّ ومستتبعاته للرجل على المرأة في مسائل الزواج والطلاق والإرث وحضانة الأولاد. لذلك يختار البعض الهروب من الزواج الدينيّ بسبب رغبة الشريكين بأن يتساويا أمام القانون وأن يتساوى أولادهما، ذكورًا وإناثًا، أيضًا في الأرث مثلاً. وإن كان صحيحًا الكلام على المساواة، فلماذا تُحرم المرأة من ميراث زوجها أو من حضانة أطفالها إذا لم تكن على دينه؟

فإن أرادت المؤسّسات الدينيّة أن تكون منسجمة مع تعاليمها وأقوالها ونصوصها الدينيّة فما عليها سوى أن تبادر قبل غيرها من الهيئات إلى المطالبة بإقرار قانون مدنيّ اختياريّ للأحوال الشخصيّة، لا أن تعارض كلّ محاولة تسعى إلى تشريعه، أو أن تحاول تعديل قوانينها وتشريعاتها لتلائم المتغيّرات الاجتماعيّة والثقافيّة مع تبدّل السياقات والأحوال. وكي تستعيد المؤسّسات الدينيّة مصداقيّتها عليها أن تستغني عن استغلالها لسلطتها الحصريّة على الأحوال الشخصيّة التي منحها إيّاها هذا النظام الطائفيّ التمييزيّ الذي أقلّ ما يمكن أن يقال فيه هو أنّه النقيض الكلّيّ للقيم الدينيّة وصفائها.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 22 شباط 2009

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share