المسيحيّون يلتزمون شؤون الأرض لكنّ وطنهم السماء

الأب جورج مسّوح Sunday April 19, 2009 81

“وإن كان الأموات لا يقومون، فالمسيح ما قام أيضًا. وإن كان المسيح ما قام، فكرازتنا باطلة وإيمانكم باطل” (كورنثوس الأولى 15، 13-14). المسيحيّة، كما يوجزها بولس رسول الأمم في هاتين الآيتين، هي الإيمان بأنّ المسيح قام من بين الأموات وأقام الأموات معه. وأحد وجوه التعييد للفصح هو هذا الرجاء الذي يبثّه العيد في قلب كلّ المؤمنين بالمسيح القائم، الرجاء بأنّ قيامتهم هم أيضًا لا ريب آتية. ومَن ينتبه إلى أيقونة العيد في الكنيسة الأرثوذكسيّة يلاحظ أنّ المسيح الدائس على أبواب الجحيم يُنهض معه شيخين عجوزين يرمزان إلى آدم وحواء جدّينا الأوّلين، ويرمزان في الوقت عينه إلى البشريّة الخاطئة.

الغاية من قيامة المسيح، إذًا، هي القيامة العامّة للناس كافّة. هذه القيامة المرجوّة، والرجاء يقين في المسيحيّة، كانت العامل الأساسيّ الذي جعل المسيحيّين لا يخافون الموت، فذهبوا وبشّروا في المسكونة كلّها، وواجهوا بشجاعة هائلة الاضطهادات والتهديدات، وقبلوا الاستشهاد رافضين نكران إلههم وجحود إيمانهم بأنّه مخلّص حياتهم. فبعد أن رأينا ضعف التلاميذ وجبنهم وفرارهم من وجه اليهود بعد إلقاء القبض على معلّمهم، وجدناهم بعد لقائهم بالناهض من بين الأموات لا يهابون أيّ خطر يتهدّد حياتهم، بل كانت تشتدّ عزيمتهم كلّما زاد الضيق والضغط عليهم.

هذه العزيمة التي لا تُقهر استمرّت في الأجيال الأولى للمسيحيّة. يكتب القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ (نحو عام 107) إلى أهل روما حيث اقتيد مكبّلاً ليستشهد “لا شيء يمنعني عن المسيح”، لا ملذّات ولا مغريات، ولا ممالك ولا سلطان، “أطلب المسيح الذي مات من أجلنا، وقام أيضًا من أجلنا. قربت الساعة التي سأولد فيها”. وهو نفسه يؤكّد مركزيّة القيامة في ثباته على الإيمان وقبوله الاستشهاد ببسالة فائقة، فيقول في رسالته إلى أهل ترالّيس: “إذا كان المسيح قد تألّم ظاهريًّا كما يقول البعض من الملحدين، فما معنى القيود التي أحملها؟ في مثل هذه الحالة يكون موتي عبثًا وما أقوله عن المخلّص خرافة. لقد مات المسيح من أجلنا ليحفظنا من الموت”.

الإيمان بالحياة الأبديّة هو ما واجه به المسيحيّون الأوائل الاضطهادات التي دامت من عهد نيرون (عام 64) إلى نهاية عهد ديوكليتيانس (311). ولولا هذا الإيمان الجبّار لانتهت المسيحيّة بعيد صعود المسيح إلى السماء. وفي هذه الحقبة ازدهرت الكتابات الدفاعيّة عن المسيحيّة، كتلك التي كتبها أغناطيوس الأنطاكيّ، وكلّها تتضمّن زهدًا بالدنيا وفتنتها وتشجيعًا على اقتبال المصائر الأكثر سوءًا حفاظًا على المبادئ السامية والتعاليم التي جاء بها المسيح. لكنّ هذا الزهد لم يمنع المسيحيّين من الانخراط في الشأن العام للأوطان التي كانوا يحيون فيها. وتقدّم لنا في “الرسالة إلى ديوغنيطس” (من القرن الثاني، كاتبها مجهول الهويّة) وصفًا للمسيحيّين الأوائل وصلتهم بمجتمعاتهم.

تقول الرسالة إنّ المسيحيّين “لا يتميّزون عن غيرهم من الناس لا بالبلد، ولا باللغة، ولا بالثياب. ويتقيّدون بالعادات المحلّيّة في ما يختصّ بالملبس والمأكل وطريقة العيش”. وعن علاقتهم بأوطانهم تقول الرسالة: “إنّهم يقيمون كلّ في وطنه، ولكن كالغرباء النـزلاء. ويؤدّون جميع واجباتهم كما يؤدّيها المواطنون، ويتحمّلون جميع الأعباء كتحمّل الغرباء. وكلّ أرض غريبة هي وطن لهم، وكلّ وطن هو أرض غريبة لهم. إنّهم في الجسد، ولكنّهم لا يعيشون بحسب الجسد. ويقضون حياتهم على الأرض، ولكنّهم مواطنو السماء. إنّهم يحبّون جميع الناس والجميع يضطهدونهم” (تاريخ الكنيسة المفصّل، المجلّد الأوّل، دار المشرق، ص 141).

حبّذا لو يستعيد المسيحيّون بعامّة، واللبنانيّون منهم بخاصّة، هذه الصورة البهيّة التي كان عليها المسيحيّون الأوّلون. فهم إن شاؤوا هذه الدنيا وحقوقهم فيها ينبغي ألاّ ينسوا اسمهم الذي كان في البدايات وحده يكفي لإرسال حامله إلى الاستشهاد. ينبغي ألاّ ينسوا أنّهم أوّلاً جماعة القيامة، جماعة المسيح القائم من الموت.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 19 نيسان 2009

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share