لبنان يقرّر مصيرَه اللبنانيّون: أرض قداسة أم مرتع خطيئة ؟

الأب جورج مسّوح Sunday August 9, 2009 6

يخبرنا سِفر التكوين أسطورة الخلق وكيف سلّط الله آدم وحواء، الجدّين الأوّلين، على المخلوقات كلّها وأمرهما بألاّ يأكلا من “شجرة معرفة الخير والشرّ”، “فإنّك يوم تأكل منها تموت موتًا” يقول الله لآدم. للوهلة الأولى تبدو هذه الآية غريبة وغير منطقيّة، فكيف يطلب الله من الإنسان ألاّ يعرف الخير والشرّ كي يستطيع التمييز بينهما والعمل بموجب وصايا الله؟ لكن إذا عدنا إلى الفهم الكتابيّ لمعاني فعل “عرف” لزال لدينا الالتباس. ففعل “عرف”، في القصد الكتابيّ، يعني اختبر ومارس، ويعني أيضًا المعرفة الزوجيّة، “وعرف آدم حواء امرأته فحملت وولدت قايين”. لذلك أراد كاتب سفر التكوين القول إنّ المرء لا يسعه أن يكون عارفًا الخير، أي الله، وفي الآن عينه عارفًا الشرّ، أي الشيطان. فأن تعرف الخير والشرّ، في الآن عينه، يعني أنّك تشرك بالله. أن تعرف الخير والشرّ معًا يعني أن الخير والشرّ يسكنانك معًا، كمن لديه زوجة وعشيقة في وقت واحد، وفي هذا زنى روحيّ وجسديّ. الله، الخير المطلق، هو وحده الجدير بأن يسعى الإنسان إلى معرفته.

المعرفة تأتي من العِشرة، عِشرة الكلمة أو عِشرة الكتاب أو عِشرة الناس. ولا يمكن أن يعرف أحدٌ الله إلاّ إذا عاشره. فالحميميّة هي التي تؤدّي إلى المعرفة الحقّ. قال المسيح لتلاميذه: “أنا معكم كلّ هذا الزمان ولم تعرفوني. مَن رآني فقد رأى الآب”. المعرفة هنا ليست المعرفة الظاهريّة القائمة على الحواسّ والاختبارات العلميّة، بل هي المعرفة الإلهيّة التي تؤدّي إلى الحياة الأبديّة: “فقال له توما: يا ربّ لسنا نعرف أين نذهب وكيف نعرف الطريق. فقال له يسوع: أنا الطريق والحقّ والحياة”. هذا النمط من المعرفة لا يمكننا أخذه من الكتب ولا من الحروف المتراصفة، بل من أشخاص يشهدون بسلوكهم وبسيرتهم أنّهم عرفوا الحقّ، فهداهم إلى الطريق، ووصلوا إلى الحياة الأبديّة: “وهذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإلهَ الحقيقيّ وحدك والذي أرسلتَه يسوع المسيح”.

علاقة آدم وحواء بالله التي انكسرت بالعصيان لم يرمّمها سوى يسوع المسيح، حين أعاد إلى المعرفة مفهومها الحقيقيّ. هي التوحيد الخالص لله، والخروج من الوثنيّة وتعدّديّة الآلهة التي صنعها الإنسان على مثال شهواته. فلأنّه يهوى القتل صنع إلهًا للحرب، ولأنّه يبحث عن النشوة صنع إلهًا للخمر وآخر للخصوبة، وهكذا بالنسبة إلى الأهواء كافّة. ولا يخلو العهد القديم من بعض هذه الأهواء، فاليهود أرادوا الله على صورتهم هم، ولم يجعلوا أنفسهم على صورة الله. ولو كانوا على تلك الصورة والمثال التي شاءها الله لهم، لما كان ضروريًّا مجيء يسوع المسيح.

إلى متى يصرّ اللبنانيّون على “معرفة الخير والشرّ”؟ هم، في معظمهم، مؤمنون، منهم مَن يصلّي ومَن يصوم ومَن يتصدّق، ومع ذلك تراهم يقبلون بازدواجيّة المعايير حين يتعلّق الأمر بالشأن العامّ وبحقوق الطوائف وعدم المسّ بها. هم يكرّرون تجربة آدم وحوّاء إذ يظنّون أنّهم بأكلهم من الشجرة “سيصيرون كآلهة يعرفون الخير والشرّ”. والشجرة، كما يصفها سفر التكوين “طيّبة للمأكل وشهيّة للعيون ومنية للعقل”. ولبنان يشبه هذه الشجرة من حيث أنّه يتحلّى بهذه الصفات وسواها ممّا يجعله سببًا لسقوط ونهوض كثيرين.

لبنان، إذًا، إمّا يكون فردوسًا أرضيًّا أو جحيمًا، أرض قداسة أو مرتعًا للخطيئة. هذا قرار يعود إلى اللبنانيّين وحدهم اتّخاذه وتنفيذه. هل سيسمح اللبنانيّون للأفعى أن تجرّبهم ثانية؟ ألم يعرفوا سمّها الزعاف؟ فكفى تجريب وتخريب للعقول. كفى زنى عقليّ وروحيّ ولفظيّ. صحيح أنّ الخطيئة، كما يقول كبار النسّاك، مغرية ولذيذة، غير أنّها لا تدوم كثيرًا. لا يمكن أن يظلّ اللبنانيّ إنسانًا مزدوجًا، تارة يميل إلى الخير وطورًا إلى الشرّ، أو أن يظلّ يحيا في انفصام دائم. عليه أن يقرّر اليوم أن يعرف الله وحده وأن لا يعرف شرًّا إلى الأبد، ليحيا الوطن بالأحياء لا بالشهداء وحسب.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 9 آب 2009

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share