الولادة الثانية

mjoa Tuesday March 4, 2014 199

الولادة الثانية هي محور الحديث الذي دار بين الربّ يسوع ونيقوديموس الذي جاء إليه ليلاً (يوحنّا 3، 1-21). وكان نيقوديموس من رؤساء اليهود ومعلّميهم وعالم بالشريعة، فأراد التعرّف بيسوع عبر طرح بعض الأسئلة عليه. فبادره يسوع بالقول: “الحقّ الحقّ أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلاّ إذا وُلد من علُ”. لكنّ نيقوديموس لم يدرك أنّ يسوع إنّما يتحدّث في هذه الآية عن المعموديّة، فأجابه: “أيسع إنسانًا شاخ أن يولد؟ أيسعه أن يدخل ثانيةً حشا أمّه ويولد؟”. فأجابه يسوع موضّحًا ما يقصد بكلامه، فقال: “الحقّ الحقّ أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله ما لم يولد من الماء والروح. فمولود الجسد جسد ومولود الروح روح”.

أولى الشهادات تأتينا من القدّيس يوستينُس الفيلسوف الشهيد (+165) الذي يقول: “نحن في ميلادنا الأوّل وُلدنا بالضرورة من والدينا. أمّا بالمعموديّة فنصير أولاد الاختيار والمعرفة وننال، في الماء، غفران ما ارتكبناه من خطايا. فيُتلى على مَن وُلد من علُ وتاب عن خطاياه اسم الله الآب ربّ الكون. فقط مَن يرد جرن المعموديّة، ليغتسل يستدعي هذا الاسم. هذا الاغتسال يسمّى استنارة، لأنّ الذين يتعلّمون هذه الأمور هم مستنيرو العقل. فيعتسل المستنير على اسم يسوع المسيح الذي صُلب على عهد بيلاطس البنطيّ، وعلى اسم الروح القدس، الذي أنبأ بالمسيح على لسان الأنبياء”.

يوضح القدّيس أثناسيوس الكبير (+379)، بطريرك الإسكندريّة، المقصود بالكلام على الولادة الثانية بقوله: “إذا ما محت الأقذار صورة شخص كُتبت صورته على الخشب، فلا بدّ من حضور صاحب الصورة لإعادة تجديدها على المادّة ذاتها، فلا يُرمى الخشب بل تُجدّد الكتابة عليه. على هذا النحو أتى ابن الآب وصورة الآب الكلّيّ القداسة إلى عالمنا، ليجدّد الإنسان الذي خُلق على صورته، ويخلّص الضالّين بغفران الخطايا، كما يقول هو في الأناجيل: جئتُ أنشد الضائع وأخلّصه. لأجل هذا قال لليهود: إن كان أحد لا يولد ثانيةً، من دون أن يعني بهذا، كما ظنّوا، الولادة من امرأة، بل عنى إعادة ولادة النفس وتجديد خلقها بحسب صورة الله”.

يتّفق التراث الكنسيّ على القول إنّ الربّ يسوع حين تحدّث عن الولادة بالماء والروح قصد الحديث عن روح الله الذي هو “روح التبنّي”، لأنّنا بقوّته ننال التبنّي الإلهيّ. فالمعموديّة هي الموت والقيامة، لهذا تدعى الولادة الجديدة. فالذي يولد في المعموديّة يقال عنه إنّه وُلد ثانية، لأنّه يموت أوّلاً في الماء، ثمّ يقام بقوّة الروح القدس. التغطيس يمثّل الدفن، بينما يمثّل رفع الرأس من الماء القيامة التي تتمّ بالروح القدس. لذلك، يميّز القدّيس غريغوريوس النيصصيّ ما بين الولادة الأولى التي يصفها بالجسديّة، والولادة الثانية التي تتمّ بالروح القدس، فيقول: “إنّا نعلم أنّ الجسد عرضة للموت بسبب الخطيئة، أمّا روح الله فخالد، وعديم الفساد ومنشئٌ للحياة. كما نكون في ولادتنا الجسديّة خاضعين للعودة إلى التراب، فإنّ الروح (القدس) يؤتي المولودين فيه قدرة على أن يحيوا حياة أبديّة”.

يعتبر القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (+407)، على غرار القدّيس بولس الرسول، أنّ المعموديّة تجعل المعمّد مشتركًا في موت المسيح وقيامته، فيقول: “بتغطيس الرأس في الماء يُدفن الإنسان العتيق، ويغرق بالكلّيّة في القعر ويختفي تمامًا. وعندما يُرفع الرأس، يحلّ الإنسان الجديد محلّ القديم. بسهولة نُعمّد ونُرفع من الماء، كذلك بسهولة يدفن الله الإنسان العتيق ويبيّن الجديد.وهذا يكون ثلاث مرّات لنتعلّم أنّ قوّة الآب والابن والروح القدس تُتمّ كلّ ذلك”. ولـمَن يستغرب الكلام على الولادة الثانية، يتوجّه إليه الذهبيّ الفم بالسؤال: “إذا سأل أحدهم: كيف يولد المرء من الماء؟ فأنا أسأله، كيف وُلد آدم من التراب؟ كيف تحوّل التراب إلى أقسام مختلفة؟ كيف تكوّنت العظام، والشرايين، والأوردة، والعروق كلّها من مادّة واحدة؟”.

يقدّم ثيوذوريطُس القورشيّ شهادة هامّة عن ضرورة تعميد الأطفال وعدم قصرها على البالغين، فيقول: “إذا كان معنى المعموديّة ينحصر بغفران الخطايا، فلماذا نعمّد الأطفال المولودين حديثًا الذين لم يعرفوا الخطيئة بعد؟ لكنّ سرّ المعموديّة لا ينحصر في ذلك، بل يتعدّاه إلى عطايا أكمل وأعظم. ففي المعموديّة وعود المباهج المستقبليّة. إنّها رمز القيامة المستقبليّة، وشركة آلام السيّد وقيامته. إنّها وشاح الخلاص، وزيت البهجة، ووشاح النور، بالأحرى هي النور نفسه”.

الولادة الجديدة تعني، لدى القدّيس باسيليوس الكبير (+379)، انقطاعًا عن الماضي والبدء بحياة جديدة مختلفة كلّيًّا عن الماضية، فيقول: “من الضرورة بمكان قطع استمراريّة الحياة السالفة. فإعادة الولادة، كما يبيّن الاسم، هي بداءة حياة ثانية. فلا بدّ أن نضع حدًّا للحياة الأولى، حتّى تبدأ الثانية. فكما يدور العدّاء في الملعب ثمّ يخفّف السرعة ليعاود الركض بالاتّجاه المعاكس، هكذا يحدث في تغيير المسار، فلا بدّ من الموت ليكون وسيطًا بين الاثنين، فيضع حدًّا لكلّ ما كان من قبل، للبدء بما هو من بعد”.

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share