خواطر في الرهبنة بمناسبة عيد القديس أنطونيوس الكبير – المطران بولس (بندلي)

mjoa Monday August 8, 2016 278

خواطر في الرهبنة بمناسبة عيد القديس أنطونيوس الكبير – المطران بولس (بندلي)
كنت طالباً في معهد القديس يوحنا الدمشقي -البلمند في السنوات الأولى من السبعينات وهذا المعهد، الذي هو مشتل الكرسي الأنطاكي المقدس، كان أوائله آنذاك وبعمادة غبطة أبينا البطريرك أغناطيوس الرابع، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، الكلي الطهر والجزيل الاحترام، وكنا ندرس التاريخ الكنسي على يد أستاذ علاّمة أصله من سالونيك، يدعى أفانغلوس خريسوس ولم يكن اكليريكياً. وكان يعطينا درساً في تاريخ الكنيسة خلال القرن الرابع ميلادي.

وبعد أن شرح لنا عن انتهاء الاضطهادات الوثنية للمسيحيين الذين كانوا قبلاً يساقون الى الموت كغنم، ينضمون الى قافلة الحمل الإلهي القدوس مصدر قوتهم وانتصارهم، انتهت الاضطهادات الدموية ولكن ثمة صعوبات جسيمة من نوع آخر ابتدأت تعصف على الكنيسة المقدسة عنيت بها الهرطقات التي ابتدأت تظهر هنا وهناك وصعوبتها القصوى كانت بانها تنهش أبناء الكنيسة من الداخل وأنها اجتذبت الى خطِّها الهدّام أباطرة كانوا يدعون مسيحيين فاستعملوا سلطان حكمهم المطلق لكي يضطهدوا المستقيمي الرأي، أولئك المؤتمنين على وديعة الإيمان بأمانة جعلت عصرهم يسمى “العصر الذهبي للكنيسة”. اضطهدوهم ونفوهم وحجزوا عنهم أموالاً لم يكونوا يعتبروها لأنفسهم بل لخدمة الناس المسلْمين لرعايتهم.
فبرزت الرهبنة!
خُيِّل لي ان أولئك الذين اختاروا الرهبنة لم يختاروها في وقت مناسب! فكرت انهم ينسحبون من معركة ضارية أصعب من الاضطهادات الوثنية نفسها، وقلت في نفسي: هذه أنانية صارخة، كيف يتركون حياة العالم والعالم بحاجة ماسّة اليهم، كيف يغادرونه لينجوا بأنفسهم؟ أليس في ذلك أنانية قصوى؟ وبقيت معرّضاً لأمواج قلق أفكاري وهواجسي حتى استمعت الى متابعة أستاذي العليم ولم يكن راهباً لكنه كان يعرض أحداث تاريخ نشأة الرهبنة بموضوعية علمية صادقة، فظهرت، لضعفي البشري نعمة افتقاد الله للعالم أجمع بواسطة أولئك الذين اتهمتهم “بسرعة” انهم اعتزلوا العالم. وتبيّن لي بوضوح أن الصحارى التي قصدوها أصبحت أراضي خصبة وان القفار التي لجأوا اليها تحولت الى أماكن آهلة يتذكر فيه ساكنوها وقاصدوها ولو هنيهة صوت الرب يسوع المسيح الذي قال: تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب، احملوا نيري عليكم فتجدون راحة لنفوسكم لأن نيري هيّن وحملي خفيف. وقال أيضاً: “تعالوا اليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” وأصبحت الرهبنة أداة استخدمتها نعمة الله لتنقذ الكنيسة وأبناءها من مخاطر هذا العالم.
ولم يرفض أولئك المتوحدون في أية مناسبة احتاجت اليهم خدمة اخوتهم البشر، أن سارعوا اليهم،
الا نذكر كيف لبّى رهبان البرية نداء القديس يوحنا الذهبي الفم، لما كان كاهناً في انطاكية وطلب اليهم أن يتركوا صوامعهم ليسرعوا لنجدة أبناء المدينة أثناء المحاكمات الجائرة التي كانوا يخضعون لها بسبب تكسير تماثيل العائلة المالكة، فأتوا فوراً وقدموا أنفسهم “كدروع بشرية” للمحافظة على اخوتهم البشر.
الا نذكر كيف أن القديس أنطونيوس الكبير الذي نعيّد له اليوم، ترك صومعته لكي يفتقد الناس في شدة الاضطهادات التي كانوا يعانون منها، وفي شدة حملات الهراطقة وبنوع خاص هرطقة آريوس المضل الكذّاب لكي يشدد ثباتهم في الايمان، وفي شدة جوعهم الى الخبز نقل اليهم ثمن السلال التي كان الرهبان يعدونها في مناسكهم، ثم بعد أن كان قد أتم افتقاده للناس كان يرجع كل مرة الى مسكنه في القفر بعيداً في المسافة لأنه كما كان يؤكد أن الراهب اذا أتم عمله في العالم ينبغي أن يرجع الى منسكه لكي يأخذ من الله قوة تجدد عزيمته لعمل آخر.
هؤلاء الرهبان لا يزال الله يفتقدنا، نحن الذين في العالم، بواسطتهم.
 هؤلاء الرهبان والراهبات في أواخر القرن العشرين أصبحت أديارهم أقطاب اجتذاب روحي لأبناء العالم فيتشدد ايمانهم ويرجعون الى ديارهم في العالم ليثبتوا بدورهم اخوتهم ويفتقدوا حاجاتهم من كل نوع كما أنهم كمتوحدين ومتوحدات لا نراهم يعيشون في “برج عاجي” بل يأتون الى رعايانا يحملون النسيم العلي الذي ظهر الله لإيليا فيه.
فبمناسبة عيد القديس أنطونيوس الكبير نجدها مناسبة لكي نشكرهم على كل ذلك طالبين أدعيتهم وضارعين الى الله من أجلهم أن يحفظهم الله قدوة صالحة في محبة الله. آمين.
العدد 3 – في 17 كانون الثاني 1999
ألقديس أنطونيوس الكبير معلم البرية

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share