الهرطقات: ظهور المسيح الدجّال – الأب جهاد أبو مراد

mjoa Wednesday August 10, 2016 91

الهرطقات: ظهور المسيح الدجّال
(نًشر في مجلّة النّور، العدد 2، 2010)

الأب جهاد أبو مراد

المقدّمة
تواجه البشريّة، اليوم، قدرًا لا يستهان به من المشاكل البنيويّة والصعوبات الحياتيّة، وتقف أمام عتبات موصدة، فتسودها حالة من التشاؤم والإحباط، ينال الشباب منها النصيب الأوفر. وعندما يُصاب الشباب بالإحباط وتنطفئ فيه الجذوة التي تحفّز الأمل، يبدأ عادة رحلة البحث عن ملجأ فكريّ واجتماعيّ، يؤمّن له مظلّة للوقاية والأمان، ويملأ الفراغ الروحيّ الكبير الذي أحدثته الخيبة في القلوب. هذا الفراغ، يستغلّه الهراطقة المعاصرون، الحاذقون في ضروب الغشّ والتضليل، فينقضّون عليه مدّعين أنّهم مخلّصو العالم و»مسحاء« الإنسانيّة. يعدونه بالمنّ والسلوى، واجتراح »الحلول« لكلّ المشاكل المستعصية، ويقدّمون له الملجأ الفكريّ والاجتماعيّ، لقاء جعله أداة طيّعة في تحقيق مآربهم الخفيّة وأطماعهم المشبوهة. الأنبياء الكذبة، وأتباع المسيح الدجّال، الذئاب المتجلببة بثياب الحملان، ظهروا في بلادنا، وهم الآن يتحدّون إيماننا وكنيستنا ومقدّساتنا، حاملين أسماء برّاقة وهويات زائفة، ظاهرها خدمة مجتمعاتنا المتخلّفة، وباطنها تضليل شعبنا وشبابنا وبخاصّة المؤمنين. من المفيد أن نتعرّف إلى هرطقاتهم، كي نكشف زيف معتقداتهم وكذب ادّعاءاتهم، ونحفظ إيماننا سالمًا من أذى شرورهم. في الجزء الأوّل من المقالة، نتكلّم، باختصار، على عيّنة صغيرة من هذه الهرطقات التي ترجع في أصولها  الى المسيحيّة أو الديانات الهندوسيّة، وفي الجزء الثاني، في مقاربة مختصرة، نحاول كشف أضاليلهم  ودحض معتقداتهم

الشرح
الجزء الأوّل
1- هرطقات حديثة من أصل مسيحيّ
jesus paintingأ- كنيسة التوحيدUnification Church مؤسّّس الحركة، كوريّ يدعى سان مون،  ادّعى أنّ المسيح، ظهر له في فصح العام 1936، عندما كان في السادسة عشرة من عمره، وأوصاه بأن يتابع رسالته. ادّعى مون، أيضًا، أنّ المسيح نفسه يتكلّم بواسطته، وأنّه، بعد إكمال البشارة وإخضاع كلّ العالم لأمره، يكتمل »ملكوت اللَّه« على الأرض. أسّّس مون كنيسته بالتزامن مع زواجه العام 1960، ودعا أتباعه إلى الطاعة العمياء والخضوع الكامل لمشيئته وبذل الذات، وإذا اقتضى الأمر، الاستشهاد من أجله شخصيًّا
وضع مون كتاب »المبادىء الإلهيّة«، واعتبر المخالفين لمبادئه أشرارًا يجب سحقهم، حتّى ولو كان الثمن ارتكاب أشنع الجرائم. ولا عجب في ذلك، فالإله، الذي يروّج له مون، يقدّم »المثل«، فهو يشنّ حروبًا عالميّة من أجل إنشاء »عالم الكمال« الموعود. المندوب السامي للكنيسة الكاثوليكيّة، في بافاريا، شبّه كتاب »المبادىء الإلهيّة«، بكتاب هتلر الشهير »كفاحي«، باللغة الكوريّة
تملك حركة مون، مؤسّّسات ماليّة وتجاريّة في العديد من الدول، ودورًا للنشر تصدر الكتب والصحف والمجلاّت، ومصانع لإنتاج العطور والسلاح والمعدّات الزراعيّة والشموع. وشركات للاستيراد والتصدير وفنادق فخمة ومتاجر لبيع المجوهرات ومصرفًا خاصًّا، ومساحات واسعة من الأراضي في بلدان عدّة. أمّا الثروة الخاصّة لمون، فتقدّر بمئات ملايين الدولارات
ب- الكنيسة العلميّةChurch Scientology
حركة علميّة، مؤسّّسها عالِم الفزياء النوويّة الدكتور رون هابرت، الذي ادّعى العام 1968 أنّه صعد إلى السماء مرّتين. صعوده الأوّل، في التاسع من شهر أيّار 1963، دام 891 مليار، 832 مليون، 611.177 ألف سنة ضوئيّة، 344 يومًا، 10 ساعات، 20  دقيقة و40 جزءًا من الدقيقة الضوئيّة. بماذا يعد الدكتور هابرت الإنسانيّة؟ بالقدرة على شفاء 70 من الأمراض، وبخاصّة الحروق الجسديّة التي قد تتسبّب بها القنابل الذرّيّة. إلى الحركة، أنشأ الدكتور هابرت مركزًا متخصّصًا للأمراض، عُرف باسم معهد هابرت، وذلك لإعطاء المؤسّّسة طابعًا علميًّا
اخترع الدكتور علبة سحريّة لقياس رجْع فعل الجلد البشريّReaction، بيعت آنئذ في السوق الألمانيّة بـ700 مارك. لكنّ أساتذة الطبّ في جامعة توبنجن، بعد الكشف عليها وفحصها، أفتوا أنّها مخالفة لمعظم قوانين السلامة العامّة، وتشكّل خطرًا على الإنسان. مُنعت الحركة في إستراليا وإنكلترا وروديسيا. وفي باريس، حُكم على الدكتور هابرت، بالسجن أربع سنوات، بدعوى الاحتيال والغشّ، وبدفع غرامة ماليّة كبيرة. أمّا الحكومة الألمانيّة، فقد أصدرت بيانًا حذّرت فيه المرضى النفسيّين من خطورة حركة الدكتور هابرت
ج- أولاد اللَّه. حركة دينيّة، أسّّسها العام 1968 اليهوديّ الأميركي دايفيد بيرغ، عرفت انتشارًا واسعًا، أواخر السبعينات، في عدد من البلدان. يتربّع بيرغ على رأس حركته، متّخذًا الاسم الحركيّ »موسى- داود« أو مو. ويؤكّد أنّ وصايا اللَّه يجب أن تمرّ عبره، لأنّه هو الوسيط أو »قناة اللَّه«. تحارب حركة مو الكنيسة، وتعترض على ممارسة العمل، وتأخذ موقفًا متشدّدًا معاديًا لإنشاء العائلة. تمنع الحركة أتباعها من ممارسة الحرّيّات الشخصيّة، لأنّها تريدهم أدوات صمّاء، مستعدّة دائمًا لتقديم كلّ شيء، والحياة بالذات، من أجل الحركة
يسمح مو، ويشجّع أتباعه على تعاطي المخدّرات، وإقامة علاقات جنسيّة مفتوحة بين شبّان وشابّات الحركة. بل وأكثر، يعتبر أنّ الفتيات والزوجات الشابّات، يجب أن يكنّ مستعدّات لتقديم أجسادهنّ إلى كلّ طالب، »حبًّا باللَّه«. وهذا ليس خطيئة، بل »تضحية ومحبّة
الواجب الأساس، لشبّان حركة مو وشابّاتها، الخروج إلى الشوارع للاستعطاء وتوزيع منشورات الحركة، ومن لا يجمع الحدّ الأدنى من المال، المقدّر في ألمانيا بمائة مارك يوميًا، يُنصح بعدم العودة للمبيت في مركز الحركة. هذا ما صرّح به عضو سابق في الحركة لمراسل مجلّة ألمانيّة، في أواخر العام 1978. أمّا ثروة بيرغ فقدّرت بمليار دولار
أخيرًا، اضطرّ بيرغ إلى لهرب من الولايات المتّحدة الأميركيّة، بعد أن وجّه إليه المدّعي العام لمدينة نيويوك، تهمًا »بالتحرّش بقاصرين، واغتصاب وابتزاز«. بعد هربه، أعلن »النبيّ« مون الحربَ على الولايات المتّحدة، وتنبّأ بسقوطها ودمارها في شهر شباط 1974
2- هرطقات هندوسيّة
آ- شركة كريشنا. أسّّس الحركة، العام 1966، مواطن هنديّ يدعى برابوباندا، درس الفلسفة والاقتصاد واللغة الإنكليزية في مدينة كالكوتا، ثمّ عُيّن مديرًا في أحد المصانع، فتزوّج، وأنجب عددًا من الأبناء. العام 1932، بينما كان في سنّ الثانية والعشرين، التقى معلّم الديانة الهندوسيّة ماهاراج، فكلّفه نشر فلسفة »باكاوات غيتا« في العالم الغربيّ. العام 1959، ترك برابوباندا عائلته، ووصل إلى الولايات المتّحدة العام 1965، حاملاً حقيبة سفر، وفي جيبه 7 دولارات أميركيّة فقط. بعد سنة واحدة، استطاع أن يجذب اليه 3000 – 4000 تلميذًا. وبعد وفاته، انتقلت إدارة الحركة إلى مجلس مؤلّف من أحد عشر عضوًا
علّم برابابوندا أنّ البشر كيانات مصغّرة لضمير الإله كريشنا… وأنّ كلّ الأجناس الحيّة تخضع لدائرة ولادات وموت متعاقبة ومستمرّة… أمّا »المعلّم الروحيّ«، فيتماهى شخصيًّا مع الإله كريشنا. يتركّز انشغال الأتباع، أوّلاً، على تسبيح الإله كريشنا: ترنيم »الماندرة الطويلة«، أي تكرار »هارى كريشنا« 1734 مرّة يوميًّا بصحبة سبّحة تضمّ 108 حبّات. وثانيًا، على الاستعطاء في الأماكن العامّة وتوزيع منشورات الحركة والصور والبخور. تجدر الإشارة إلى أنّ الحركة جمعت، في ألمانيا العام 1974، وفي أشهر  عدّة فقط، حوالى المليونين ونصف مليون مارك. من هنا، نفهم كيف أنّ برابابوندا، ترك عند وفاته، مؤسّّسات تقدَّر قيمتها بمئات ملايين الدولارات
ب- إرساليّة النور الإلهيّ- ماهاراجي. أسّّس الحركة العام 1960 في الهند، سيري هانس. بعد وفاته عام 1966، خلفه ابنه الأصغر سانجي، البالغ من العمر ثمانية أعوام، الملقّب مهاراجي، أي »قاهر الظلام وكاشف النور، النفس العظمى والمولود سيّدًا على كلّ اليوغيّين، والقدّيس الجدير بكلّ احترام«. العام 1970، عند بلوغه الثانية عشرة من العمر، بدأ مهاراجي عمله »التبشيريّ«. في إحدى أسفاره بالطائرة، وقع مهاراجي في غرام المضيفة مالورين جونسون. لكنّ مدير أعماله استطاع حلّ الإشكال، وذلك بتوظيفها سكرتيرة خاصّة له. ولمّا بلغ السادسة عشرة من عمره تزوّج بها. لكنّ زواجه أعاق الحركة التبشيريّة، فتدخلّت والدته، وعندما لم تفلح، تبرّأت منه متّهمة إياه »بسوء استعمال السلطة الشرعيّة، وتشويه الدعوة بسبب تصرّفاته الرعناء ونمط حياته الماجنة، وهكذا خسر »النفس العظمى والمولود سيّدًا…« أتباع حركته في الهند. لكنّ الغرب بقي على ولائه له. وفي أواخر الثمانينات، بلغ عدد أتباعه نحو ثمانية ملايين نسمة
ينتمي ماهاراجي إلى بيئة الديانة الهندوسيّة، ويدّعي أنّه »مخلّص البشريّة« و»ربّ الكون«. يستعمل، في تنقّلاته، طائرتين خاصّتين، وأسطولاً من السيّارات الفخمة كالرولز رويز والمرسيدس ذات الستّة أبواب، والأستون مارتن والفورد وغيرها الكثير. ويقدّر الخبراء أنّ الهدايا والهبات، التي تُقدّم له كلّ عام، تبلغ مئات ملايين الدولارات
ج- التأمل التجاوزيّ (اليوغا). مؤسّّس الحركة مهاريجي يوغي الذي، بعد أن تتلمذ على يد الغوروديف وتلقّن منه فنون اليوغا ومبادئئها، عمل على تبسيطها وتسطيحها، لتصبح في متناول عامّة الناس، وقدّمها تحت عباءة فضفاضة أسماها تمويهًا »التأمّل التجاوزيّ
حركة الفكر، الذي يتجاوز الاعتبارات المألوفة (اليوغا)، لم تجد أتباعًا ومناصرين في الهند، بلد المنشأ، فسعى مؤسّّسها إلى تصديرها إلى أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، داعيًا إيّاها، العام 1967، »الحركة الطالبيّة العالميّة للفكر التجاوزيّ«. العام 1978، بلغ عدد المنتسبين إليها، في كلّ أنحاء العالم، نحو مليوني نسمة
في بدء الأمر، ركّز مهاريجي على التبشير بالديانة الهندوسيّة التقليديّة، لكنّ الغربيّين لم يتجاوبوا مع دعوته، بل بالعكس، ارتابوا، وتردّدوا في قبول تعاليمها الغريبة. عندها، قام بحركة تمويهيّة أخرى، فأعلن »أنّ الحركة ليست دينًا، بل طريقة عمليّة« لتحقيق السموّ الفكريّ. لكنّ الأكيد والثابت أنّ مهاريجي يمثّل الديانة الهندوسيّة، وأنّ العناوين المموّهة والشعارات الخادعة ليست سوى غطاء لنشر التعاليم الهندوسيّة حول اللَّه والإنسان والخطيئة والخلاص وغيرها. إنّ حركة مهاريجي وطريقته العمليّة هي، بالحقيقة،  »تقليد هندوسيّ صرف
يقضي مهاريجي معظم وقته في سويسرا، ويحيا في بيئة من الترف والغنى، فيما يدّعي أنّه راهب ناسك. يملك فندقًا فخمًا وطائرة هليكوبتر وسيّارات وعقارات في معظم بلدان العالم وودائع في المصارف السويسريّة. العام 1973، زار اليونان للتفاوض على شراء عقارات شاسعة في منطقة دلفوس، الشهيرة بمعبد العرافة الوثنيّ القديم، وذلك لإنشاء ما دعاه »فاتيكان مهاريجي«، أو »المدينة الأولى لعصر الاستنارة«. والعام 1976، أسّّس في مدينة كالاماتا، أقصى جنوب اليونان، »أخويّة اليوغا العالميّة

الجزء الثاني
٣التقويم المسيحيّ
Black-Church-Burningأ- الكتاب المقدّس إعلان إلهيّ، يعطيه المسيحيّون الحقيقوّن المؤمنون بيسوع المسيح، الأولويّة المطلقة، ويعتبرونه معيار الحقيقة، الذي عليه يجب أن تقاس كلّ النصوص الدينيّة وأقوال الأديان والشِيَع والحركات وأفعالها. بعض الهرطقات تدّعي الإيمان بالكتاب المقدّس، لكنّها تستعمله بشكل انتقائيّ، فتأخذ ما يناسبها وترفض الباقي. وبعضها الآخر يعتبره، في أحسن الأحوال، معادلاً وبالمستوى ذاته مع الكتب الهندوسيّة وغيرها من الأديان. لكنّ الهراطقة، إجمالاً، يعلّمون أنّ أقوال »المسحاء« الجدد أفضل من الكتاب المقدّس، لأنّها، كما يدّعون، تنقل »إرادة اللَّه« في أيّامنا. معظم الشيع والحركات تؤكّد أنّ كتبها لا تتضمّن إعلانات إلهيّة، بل خبرات شخصيّة، ولكنّ الخبرة الشخصيّة تتقدّم عندهم على الكتاب المقدّس
الكتاب المقدّس، بالنسبة إلينا نحن المسيحيّين، يحتوي على حقائق موضوعيّة، ينبغي للمؤمنين باللَّه أن  يقبلوا بها
ب- في المسيحيّة، نؤمن بإله واحد حيّ، مثلّث بالأقانيم، خالق العالم. ونؤمن أيضًا، بأنّ اللَّه ظهر في التاريخ، وأنّه ما زال على تواصل مباشر مع مسيرة الإنسانيّة والعالم أجمع. أمّا معظم الحركات الهندوسيّة، فترفض وجود إله معروف، خالق للعالم ومدبّره. وعندما يتكلّمون على »براهما«، يعرّفونه بأنّه فكرة عليا أو مبدأ سامٍ مجهول
ج- يعتقد الهندوس أنّ التاريخ، يشبه حلقة دائريّة مغلقة، ليس لها بداءة ولا نهاية. يقولون إنّ العالم لم يخلقه إله من العدم. الكون يتحرّك وفق نواميس طبيعيّة وأخلاقيّة مبهمة ومجهولةImpersonal، على وقع حركتها يسود نظام »الكارما«، حيث إنّ ما تدركه الأحاسيس هو وهم، والعالم المتعدّد الوجوه، كما يؤكّدون، صورة خياليّة وسراب و»سِحْر«، وليس حقيقة واقعيّة
د- في المسيحيّة، خلق اللَّه الإنسان، قمّة المخلوقات، على »صورته ومثاله«. في الفكر الهندوسيّ، الكائنات تتدرّج من الأدنى إلى الأسمى. البدء بالنبات، ثمّ بالحيوانات، وصولاً الى الآلهة السامية. منزلة الإنسان تقع في منتصف السلّم. يمكن للإنسان أن يحيا من جديد، آخذًا شكلاً من أشكال الكائنات. هنا نكتشف عقيدة التقمّص، أو إعادة تدوير الحياة ( سمسرة)، التي تعتبر حجر الزاوية في الهندوسيّة، والنظم الفلسفيّة- الدينيّة التي نشأت وتطوّرت في بيئته. فبعد الموت، ترحل النفس ( أتما= الوجود الدقيق)، حاملة الوعي والخصائص الفرديّة المميّزة للوجود، من جسدها الطبيعيّ، لتلتحق بكائن جديد، أدنى أو أسمى رتبة من وجودها السابق. يتوقّف الوجود الثاني (التقمّص) في الكائن الجديد على نوعيّة الأعمال المنجزة في الحياة الأولى، ومحكوم بنظام »الكارما« الذي يسود الكون
هـ- الإيمان المسيحيّ يعتبر الإنسان شخصيّة فريدة، تحمل إمكانات وقدرات كبيرة للتواصل الشخصيّ مع اللَّه. لكنّ معظم الفرق والشيع، التي ذُكرت، ترفض حتّى التفكير في إمكانيّة إقامة أيّة علاقة شخصيّة بين الإنسان واللَّه، متبنّية وحدة الجوهر، في الكيان المبهم المتعالي، وليس وحدة الأشخاص. فاللَّه، كما تعتقد، يستحيل أن يكون كائنًا شخصيًّا، بل هو نفس عالميّة موحَّدة، يشكّل البشر والحيوانات جزءًا منها، فتضيع فرادتها في الجوهر الإلهيّ الموحَّد، كما تذوب قطرة الماء في البحر. هذا الاعتقاد، لا يسمح  باحتمال قيام علاقات شخصيّة بين الإنسان واللَّه، ويجعل الصلاة مستحيلة وكذلك التواصل والإلفة والمحبّة. وهذا يبيّن الهوّة الشاسعة التي تفصل الفكر التجاوزيّ والتركيز الذاتيّ للشيع، عن الصلاة الروحيّة الواعية للمسيحيّين، التي، في الوقت الذي تميّز فيه بين شخصَي اللَّه  والإنسان، تسعى إلى إقامة شركة وصلات بينهما، من دون إلغاء فرادة شخصيّة المصلّي. أمّا الهدف من الفكر التجاوزيّ، فليس التركيز على التأمّل بكلمة اللَّه، ولا السعي الى رؤية وجهه أو إقامة حوار معه، بل النفاذ إلى داخل الأنا، والسيطرة على الوجدان أو الوعي الذاتيSelf Consciousness وهكذا فإنّ حركات اليوغا ذاتها، وممارسة القواعد المرسومة، والتأمّل التجاوزيّ (ماندرا)، تتحوّل إلى حركات وممارسات وتأمّلات بشريّة، هدفها النفاذ إلى الكائنات. بعكس المسيحيّة، التي تعتبر الصلاة نعمة إلهيّة، ووسيلة عبور بشريّة لإقامة علاقة شخصيّة بين الإنسان والإله الحيّ. الصلاة المسيحيّة ليست من ذات اللَّه، لكنّها من الوسائل الضروريّة الفضلى للتواصل معه، إلى جانب الأعمال
و- معنى الخطيئة مختلف بين المسيحيّة والحركات الهندوسيّة… فما دامت إمكانيّة التواصل معدومة بين الإنسان واللَّه، فليس ممكنًا أن تكون عندهم وصايا إلهيّة وقواعد أخلاقيّة. الخطيئة هي الجهل، كما يقولون، الذي يحرم الإنسان من إدراك وحدته مع الكائنات الأخرى، أي خبرة وحدة الأنا مع غيرها من الكائنات، وليس مخالفة الشريعة الإلهيّة
ز- لكنّ اختلافنا الأكبر مع كلّ الحركات والفرق الدينيّة يتمحور حول تقويم يسوع المسيح. فنحن نؤمن بأنّ المسيح هو الإله المتجسّد الظاهر. أمّا هم، فيرفضون فرادة المسيح كإله وإنسان معًا، وكوسيط ومخلّص ومعلّم. وينصّبون مون وبرابوباندا ومهاراجي ومهاريجي…وغيرهم، مسحاء وأنبياء كذبة، على حسب ما حذّرنا السيّد في كتابه العزيز( متّى 24: ٢٤؛ مرقس ١٣: ٢٢)

المناقشة
الهراطقة، أعضاء الحركات الجديدة، ينتمون، في غالبيّتهم، إلى فئة الشباب. فالشباب القلق يهوى المغامرة، ويبحث عن الجديد والغريب، ويميل إلى الريادة والتميّز، هذا إلى جانب طموحه بإنشاء علاقات دافئة وروابط متينة. اللافت في الشباب أنّه يتحرّك على طرفي نقيض، كرقّاص الساعة. فهو تارة محبط وطورًا متحمّس. محبط من بيئة، يراها متخلّفة ومتحجّرة، ولا مجال فيها ولا متّسع، لتصريف فائض حيويّته. ولكن، عند اكتشافه حركة جديدة، يدبّ فيه الحماس، ويرتفع عنده منسوب التفاؤل بمستقبل واعد يحقق الأحلام. لكنّ تخلّيه عن الواقع المعاش، وارتماءه في أحضان الحركات المجهولة الهويّة والقصد، يشبه القفز في المجهول أو السعي وراء السراب. لقد نجحت الحركات، بعد أن أخفت مقاصدها البعيدة، وموّهت عناوينها، وقدّمت ذاتها كملاذ آمن للمهمّشين والخارجين على العائلة والكنيسة والمجتمع. لكنّ وهم الشباب سرعان ما كان يتبدّد، بعد اكتشافه زيف الادعاءات وبطلان التشدّق بحياة فضلى. وعندما كان يرى بالعين المجرّدة، ويختبر بالممارسة العمليّة، التناقض الفاضح بين الوعد والواقع، كان يعود إلى قواعده مجرجرًا ذيول الخيبة والإحباط
٢تقييم الوضع المادّيّ لرؤساء الهراطقة الجدد
يبلغ التناقض ذروته عند مقابلة أقوال الهراطقة بأفعالهم. فالحركات تفرض الفقر على الأتباع، والتخلّي الكامل عن الدنيويّات، وتجيز الغنى الفاحش، واقتناء الكماليّات للرئيس ومحاسيبه، من دون أن يبدي الأعضاء اعتراضًا أو تذمّرًا يذكر. لا شكّ في أنّ هذا عائد  إلى حالة الانغلاق النفسيّ والتصحّر الروحيّ التي تدرّب عليها العضو، فجعلته إنسانًا هامشيًّا، لامباليًا بما يجري حوله. وبالمقابل، فتحت، أمام الرئيس والمسؤول، الباب واسعًا لاستغلاله وتكديس الثروات على حساب تعبه وشقائه
٣كيف نواجه الخطر؟
ينبغي أن نبادر سريعًا، وقبل فوات الأوان، إلى توعية الشباب وتقديم الحياة المسيحيّة الحقيقيّة لهم. الكنيسة الأرثوذكسيّة الحيّة، التي تحضن أبناءها جميعًا بالحنان والمحبّة، وتشعر بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقها في العالم المعاصر، تستطيع أن تواجه الهرطقات الشرقية والغربية. فالجسد القويّ المعافى يقاوم، بسهولة، الجراثيم الغريبة الخطرة التي تهاجم بنيته، ويقضي عليها. تبدأ مقاومة الهرطقات بالعودة الواعية المسؤولة إلى أصالتنا الأرثوذكسيّة. بالمواظبة على قراءة الكتاب المقدّس ونقله إلى المؤمنين، وعلى عيش الإيمان والحياة والمحبّة المسيحيّة، وممارسة العبادات وإعطاء المثل الصالحl

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share