دمٌ وماء

mjoa Wednesday August 17, 2016 366

نُشر في مجلّة النّور، العدد الثالث، 2010، وأيضًا جُمع مع غيره من مقالات للكاتب في كتاب نشرته تعاونيّة النّور بعنوان وكان صمتهم كلامًا كثيرًا في آذار 2015 

 

chrysostom2“لا بدّ من أنّه مجنون”، قلتُ في ذاتي، فيما هو يبلّغنا أنّه قرّر تعميد الموعوظين، والاحتفال بعيد الفصح، في حمّامات قسطنديوس.
كنّا في دار المطرانيّة: بضع شمّاسات وحفنة من الكهنة. انتصب في وسطنا، وأسرّ لنا بقراره الغريب بكلمات مقتضبة: “لقد منعني القيصر أركاديوس من دخول الكاتدرائيّة. وهو يطلب أن أغادر المدينة المتملّكة سريعًا. لكنّ الأُسقف يطيع اللَّه، ولا يطيع قيصر. لم يمنعوني من دخول الحمّامات. إذًا، نعيّد الفصح في حمّامات قسطنديوس، ونعمّد الموعوظين هناك. أنت، أيّتها الشمّاسة إيريني، تتولّين النساء. والشمّاس مارتيريوس يكون مسؤولاً عن الرجال. وبعد عيد القيامة، فليطردني أركاديوس أنّى شاء وإلى أيّ بلد يريد”.

لأوّل مرّة في حياتي، إذًا، سأتدبّر أمر الموعوظات لا في كنيسة المعموديّة، بل في الحمّامات. هناك يريد أُسقف القسطنطينيّة، الآتي من أنطاكية، أن يعمّدهنّ. لا بدّ من أنّه مجنون. يأمره القيصر بالمغادرة، فلا يغادر. يأمره بالمكوث في دار المطرانيّة، فينقل معركته مع القصر إلى الساحات العامّة وحمّامات المدينة. ماذا جرى له؟ وأيّ سوسة هي هذه التي نخرت عقله؟

في ذلك اليوم، قال بعضهم إنّهم رأوه منتصبًا بيننا كأنّه سهم يمتدّ إلى العلاء، أو شهب نار اقتدّ من مجرّة ملتهبة. لكنّي لم ألفِ شيئًا من هذا. الحقّ أنّي لم أرَ سوى رجل هزيل شحّ بصره من قراءة الكتب المقدّسة، وأحنى ظهرَه ثقلُ الصراع الذي يخوضه، منذ سنين، مع ساسة القسطنطينيّة.
أيّها الأُسقف المجنون! إنّ من أخذ مثلك الخطابة من ينابيعها، من ليبانيوس ابن أنطاكية العظيم وأخطب رجال الأرض، ومن كان مثلك سليل عائلة نبيلة غنيّة، إنّما هو يرفل اليوم في الحرير الفاخر، ويأكل فاكهة الريف الخصيب، ويرتع على مجاري الأنهار. كلّهم إلاّك! كلّهم إلاّك! فماذا فعل بك الناصريّ يا ابن أنثوسة؟ وأيّ جنون هو هذا الذي أصابتك عدواه لمّا كنت في براري أنطاكية تحفظ الكتب المقدّسة غيبًا، وتسنّ جسدك الناحل على صخرة النسك الصلبة؟ أمّا اليوم، فقد بلغ الجنون منك حدًّا مفرطًا: تريد تعميدهنّ في الحمّامات. أليس الأجدر بك أن تؤجّل حفل المعموديّة إلى السنة المقبلة؟ أليس من الحكمة أن تهادن حين تنفع المهادنة؟ ألم تتعلّم شيئًا من عشرة إفذوكسيّا، الملكة التي لا تني تناطحها منذ حلولك على ضفاف البوسفور، بسبب إقبالها على العيشة المترفة وانغماسها في الملذّات؟

“وبعد عيد القيامة، فليطردني أركاديوس أنّى شاء وإلى أيّ بلد يريد”.
كانت هذه كلماته الأخيرة لنا. غريب أمر هذا الرجل: في الكنائس خطيب مفوّه يصرف الساعات في شرح الكتب. لا تفوته شاردة. لا يترك حرفًا إلاّ ويسأل عن معناه. أمّا هنا، في دار المطرانيّة، فيعدّ كلماته عدًّا كأنّها ذهب لا يجوز التفريط فيه.
“كلماته ذهب”. هذا ما قاله لي الكاهن إفكراتيوس، حين هممنا بالخروج من حضرة الأُسقف.

“وماذا عن قلبه، يا إفكراتيوس؟ تسمعون كلماته وتعجبون بها. لكنّ أحدًا لا يعنى بفؤاده. تريدونه قدّيسًا، وخطيبًا ناريًّا، ونصيرًا للفقراء، وكاتبًا يخطّ الصفحات الطوال في الكهنوت والبتوليّة والزواج وتربية الأولاد. ولكن، هل سألتموه يومًا عن مشاعره، عن الألم الذي يعتصره منذ سنين، وهو يقف وحيدًا في وجه إفذوكسيّا وحليفها ثيوفيلس، أُسقف الإسكندريّة، الذي يتّهمه بالأوريجنّسيّة ويؤلّب ضدّه حثالة القوم؟ هل أحصيتم الليالي التي لم ترَ فيها عيناه رقادًا، أنتم العائشون معه في دار المطرانيّة التي أضحت أشبه بصحراء بعدما باع أثمن ما فيها ووزّعه على الفقراء والأرامل والمسافرين؟ هل عدّ أحدكم الدموع التي ذرفها منذ سرقه من كهنوته في أنطاكية، قبل نحو أربع سنوات، الوزير إفتروبيوس في عربة ملكيّة، وقال له: تفضّل، يا يوحنّا، لقد صرت أُسقفًا على القسطنطينيّة”؟
لم يفهم إفكراتيوس كلماتي. إذ كيف للرجال أن يدركوا أنّ هذا المحظَّر عليه دخول الكاتدرائيّة لم يكن مجرّد أُسقف، بل إنسان من لحم ودم. حملق في عينيّ الزائغتين، فرأيت حيرته في تدبيج جواب يليق بسؤالي. ثمّ بادرته:
“أنا أقول لك، يا إفكراتيوس. قلبه أيضًا من ذهب، لا كلماته فحسب. لكنّ الذهب حرام أن نفرّط فيه. وصراعه مع إفذوكسيّا سيسوقه إلى النفي والموت. غدًا يرمونه، مثل الكلب المسعور، على هضبة معزولة من هضاب أرمينيا، أو يقتادونه كالجيفة إلى إحدى ضفاف البحر الأسود المتوحّشة. من تهمّه، إذّاك، كلماته الذهبيّة؟”.quote chrysostom
“لكنّ عظاته باقية إلى الأبد، يا إيريني. لقد دوّنوها على ورق الذهب منذ أصبح كاهنًا في أنطاكية الجميلة. وكلامه لنا لن يندثر. ستعيش الكنيسة من درر فمه أجيالاً تتلوها أجيال”.
“أنت مثل جدودك الرومان مولع بالخطابة. ولكن، ربّ إنسان سال دمه على مذبح الكلمات. أنا لا تهمّني الأجيال الآتية، ولا مستقبل الكنيسة. أنا يهمّني يوحنّا دون سواه، هذا الذي قرّر اليوم أن يستعيض عن الكاتدرائيّة بالحمّامات. الصراع، يا إفكراتيوس، عاد ليس بين أُسقف ينتقد القصر من كاتدرائيّته وملكة تلوك سمعة الأُسقف في مجالسها النسائيّة، وتتهكّم عليه في المسارح والمدرّجات. قرار يوحنّا تعميد الموعوظين في الحمّامات يعني أنّه نقل الصراع إلى قلب المدينة. اليوم، غادر يسوعه المائدة المقدّسة، وخرج إلى شوارع القسطنطينيّة، هل فهمت؟”.
“يسوعه في الشوارع، يا إيريني، منذ أتى المدينة المتملّكة. يسوعه يرفض أن يلازم المذبح. منذ نصب الأُسقف يوحنّا خيمته بيننا ويسوعه يزور المحتاجين كلّ يوم، يعود المرضى، يعزّي الأرامل والحزانى، ويفتقد المسجونين”.
“لكنّه اليوم يقتحم نطاق الساسة، يا إفكراتيوس. ماذا خرجت في البرّيّة لتنظر؟ أما تعرف أين يقيم الذين يرفلون في الثياب الناعمة؟ ليس ثمّة مرضى ومعوزون في حمّامات قسطنــديوس. المعوزون يغتسلون في الأنهار مرّتين في السنة. أمّا الحمّامات الساخنة، فملك الأغنياء. ألم تفهم بعد؟”.

في عيد الفصح من السنة التاسعة لتملّك أركاديوس قيصرًا على الروم (404 م)، قرّر يوحنّا ابن أنطاكية، الذي أقامه اللَّه، رغمًا منه، أُسقفًا على القسطنطينيّة، تعميد الموعوظين والاحتفال بقدّاس القيامة في الحمّامات الرومانيّة التي بناها الإمبراطور قسطنديوس، لأنّ أركاديوس كان قد منعه من دخول كاتدرائيّة المدينة المتملّكة. باكرًا، أمّ يوحنّا الحمّامات مع قبضة من الكهنة. نزل الموعوظون والموعوظات عراةً في الماء. ثمّ لبسوا حللاً بيضاء، بينما كان الكهنة يقرأون المزامير، ويرتّلون أناشيد الظفر للمصلوب البازغ من قبره بزوغ العروس من خدره صبيحة العرس. وفيما كان الأُسقف يوحنّا يحمل بيديه المرتعشتين الخبز المقدّس وكأس الحياة استعدادًا لمناولة المستنيرين حديثًا، اقتحم جند أركاديوس الحمّامات، وراحوا يعيثون فيها خرابًا. ثمّ رفعوا حرابًا وسيوفًا، وأعملوها في رقاب بعضهم، فاختلط الدم بالماء. إذّاك فهمتُ، أنا الشمّاسة إيريني، معنى الكلمات التي خطّها الإنجيليّ يوحنّا أنّ دمًا وماءً خرجا من جنب يسوع المصلوب لمّا طعنه أحد الجنود بحربة.

أمّا الأُسقف يوحنّا، فلم ينبس ببنت شفة. لقد خانته الكلمات الذهبيّة للمرّة الأُولى في حياته. وصار عرقه مثل قطرات دم على ثيابه الكهنوتيّة. لكنّه وقف، في وسط قطيعه، مثل شهب نار اقتدّ من مجرّة ملتهبة. وراح يناول بعضهم من الكأس المقدّسة.
كان جسده الهزيل المنهك بالنسك منتصبًا كالسهم، وجبينه القاطر عرقًا واسعًا كمجرى العاصي في سهول أنطاكية، وعطر الإله الذي صار خبزًا يفوح من يديه المرتجفتين. أمّا عيناه الغائرتان من طول السهر وشدّة القراءة فمسافرتان إلى البعيد البعيد، كأنّه ينوي أن يحمل الكأس إلى هضبة معزولة من هضاب أرمينيا، أو إلى ضفّة متوحّشة من ضفاف البحر الأسود.

أسعد قطّان

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share