النور الإلهيّ

نشرة رعيتي Friday March 2, 2018 661

في الصوم تكثر الشدّة ونحاول أن نتجنّد في سبيل المسيح كأنّنا مصلوبون معه. بسبب هذه الآلام أكثرت الكنيسة ذكر النور في صلواتنا. لفظة النور ترد كثيرًا في هذه الفترة. في الأحد القادم لنا السجود للصليب المقدّس وفيه نقدّم أزهارًا تقول إنّنا فرحون بالصليب. الشدّة عندنا طريق إلى النصر، لا كما هو معروف عند أهل العالم بالضغط والخوف، لكنّه نصر المتواضعين الذين عرفوا طرق المسيح.

واليوم، الأحد الثاني من الصوم، وبسبب مناقشات طويلة جرت في القرن الرابع عشر حول موضوع النور الإلهيّ، تقيم الكنيسة المقدّسة ذكرى القدّيس غريغوريوس بالاماس أسقف تسالونيكي.

كان غريغوريوس راهبًا في جبل آثوس، عندما جاء شخص من إيطاليا يدعى برلعام يقول إنّ النعمة الإلهيّة شيء مخلوق، فتصدّى له غريغوريوس وقال إنّ النعمة الإلهيّة هي من الله نفسه، وهي تاليًا غير مخلوقة وهي أزليّة. اشتدّ الصراع حتّى اضطرّت الكنيسة إلى عقد مجامع كبرى عرفت باسم القدّيس غريغوريوس بالاماس لأنّها كشفت تعليمه وثبّتته.

لماذا اشتدّ هذا الصراع؟ ولماذا كان مهمًّا؟ ولماذا اتّخذت الكنيسة هذا الموقف؟ لأنّ كلّ واحد منّا يجب أن يستقبل الله كلّه في ذاته. الله ليس فقط في السماء، الله كلّه فيك، في قلبك، ينزل كلّيًّا فيك وهذا معنى تعليم القدّيس غريغوريوس بالاماس الذي نقيم ذكراه اليوم.

لذلك لا نظنّنّ أنّنا فقط أرضيّون لكنّنا سماويّون منذ الآن، لأنّ الله ساكن فينا وجعل من نفوسنا ومن قلوبنا روحًا إلهيًّا. هل نقدّر هذا أم نعرف أنفسنا فقط أنّنا ترابيّون؟ نحن كلّنا ترابيّون لمّا جبلنا الله من هذه الأرض، ولكنّنا بالمسيح صرنا سماويّين. نحن فينا ظلمات ولكن إذا جاءت نعمة المسيح فهي تبدّد الظلمة وتغفر الخطيئة وتجبلنا لا بالتراب والماء ولكن بالنور.

هذا شيء كبير جدًّا لا يبدو أنّنا نقدّره ولا يبدو أنّنا نحسّه. كلّ واحد منّا يعرّف عن نفسه على أنّه من لحم ودم ويعطي هكذا لنفسه عذرًا حتّى يعمل ما يحلو له. في حين أنّه إذا قال: أنا من نور، أنا من ضياء، أنا من الله أتيت وإلى الله أذهب، أنا مرشّح لأن أكون إلهًا كما يقول الكتاب المقدّس. هذا الإنسان لا يعذر نفسه ولكنّه يكون متطلّبًا من نفسه، يحاسب نفسه كلّ يوم حتّى يكون على صورة الله.

ليست قضيّتنا فقط أن نكون أناسًا آدميّين طيّبين لا نذهب إلى السجن، هذا أقلّ ما يطلب: أن يحافظ الإنسان على الوصايا لا تسرق، لا تزن وما إلى ذلك، لكن ما يطلب منه أن يصل إلى الأعلى، إلى السقف، أو حتّى ألاّ يكون سقف فوقه، أن يقترب إلى السماء بحيث يصير ابنًا لله. أنتم أبناء الله كما كان السيّد ابنًا لله منذ الأزل في طبيعته الذاتيّة. هكذا يدعونا بالعمل الصالح والإيمان المستقيم والتطهّر الدائم إلى أن نصبح على غراره مساهمين في الطبيعة الإلهيّة.

هذا الشيء الفريد في المسيحيّة أنّنا لا نبقى بعيدين عن الله، ولكنّنا مقرّبون إلى القلب الإلهيّ ماكثون هناك في جوف الربّ. ولهذا إذا انتقلنا من أحد إلى أحد في هذا الصيام المبارك، من ذكر النور إلى ذكر النور، من تغيير إلى تغيير، نعرف أنّنا محمولون على الضوء الإلهيّ وإلى الضوء الإلهيّ.

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما(جبل لبنان)

نشرة رعيتي

4 آذار 2018

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share