الإيمانُ الحيّ والشخصيّ

فادي مفرج، مركز دمشق Monday May 7, 2018 1598

يُختَم المقطع الانجيلّي الّذي تقرأه الكنيسة من إنجيل يوحنّا، في الأحد الرّابع من زمن البندكستاري المعروف بالسّامرية بإعلان إيمان كثير من السامريين بالمسيح الاله الآتي ليخلّص العالم بناءً على عِلمهم الشخصيّ به، بمعنى آخر، بناءً على خبرتهم وتجربتهم الرّوحية معه. وهو مايشكّل خبرة مسيحية إيمانيّة كبيرة تعوزنا في مسيرتنا الروحية وخاصّة في زمننا الرّاهن الذي يعاني وبشدّة من السطحية والفرّيسية القاتلة.

المشكلة التي يواجهها أتباع الكثير من الدّيانات ومنهم المسيحين -رغم أنّ المسيحيّة ليست ديانة بالمعنى الحرفيّ للكلمة- هو حصر الدّين بمجموعة من القواعد الموروثة والمستلَمة عن السّلف بقوالب جامدة بلا روح تلامس فكر الانسان أو قلبه، فتتحوّل بالتّالي عبادتُه إلى مجرّد طقوس شكليّة وواجبات فرضيّة بغية اتّقاء الاله وكسب وِدّه.

الأرثوذكسيّة المسيحية تتعرّض لهجوم مضاعف من هذا المنطلق باعتبار أحد أهمّ ركائزها التّمسك بتقليد الآباء والمجامع المسكونيّة. إنّ هذه الميزة الّتي تتفرد بها الأرثوذكسيّة أصبحت تهمة لها بالجمود والاجترار من الآخرين، ومبرّرًا للتقوقع والركون إلى التّكرار الأعمى من قبل الأرثوذكسيين نفسهم مما أدى تدريجيًّا إلى إفراغ الرّوح الأرثوذكسيّة من حيويّتها وأصالتها الحقيقيّة التي تكمن جوهريًّا في المحافظة على الأمانة المستلمة عن طريق التقليد الشريف، مع عيشها وتجلّيها بأمانة وفق معطيات العصر الحديث ومتطلّبات الزمان والمكان لتحقّق فاعلّيتها في الشهادة الأصيلة للمخلّص.

نحن كأرثوذكسيين مدعوّون ليس فقط للتمسك الحرفيّ بالأمانة المودَعة بين أيدينا كما يقول بولس الرّسول، بل أنّ أهمّ مسؤوليّاتنا هي إعطاء هذا الإيمان القويم القابليّة للتطبيق في زماننا ومكاننا دون أي تحوير في جوهره، وبما يكرّس حيويّة ما تسلّمناه من أسلافنا وما نريد تسليمه لخلفنا. هذا الطرح قابل للتطبيق فقط في حالة العيش الشخصيّ للعلاقة الرّوحية مع المسيح، والعيش الجماعيّ كنسيًّا كأعضاء في جسد المسيح. هذا ما يؤكّده ﺍﻟﻘﺪّﻳﺲ ﺑﺎﺳﻴﻠﻴﻮﺱ ﺍﻟﻜﺒﻴر حين قال أنّه “ﻟﻴﺲ ﺳﻬﻼً ﺃﻥ ﺗَﺼِﻒ ﺍﻟﻌﺴﻞ ﻟﺸﺨﺺٍ ﻟﻢ ﻳﺬﻗﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ، ﻫﻜﺬﺍ ﺃﻳﻀﺎً ﺣﻼﻭﺓ ﺻﻼﺡ ﺍﻟﺮّﺏ ﻳﺴﻮﻉ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻓﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﺠﺮﺩ ﺗﻌﻠُّﻢ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ، ﻻ ﺑﺪّ ﺃﻥ ﻧﺴﻴﺮ ﻗﺪُﻣﺎً، ﻭﻧﺨﺘﺒﺮﻫﺎ ﺑﺄﻧﻔﺴﻨا.”

النّص الانجيليّ يذكّرنا من جديد بأهمية الخبرة والتجربة الرّوحيتين اللتين يجب أن تلوِّنا إيماننا المسيحيّ، عوضًا عن الشعارات والموروثات الجامدة اللتين يمكن أن نقبلها سهوًا أو عمدًا بحجّة المحافظة على الايمان المستقيم.

المسيح ابن الانسان يصبح قريبًا من المؤمنين خاصّته بقدر ما يجاهد كلّ منّا معه في علاقة شخصيّة تبلورها القداديس والصلوات والسجدات وممارسة الأصوام وأعمال المحبّة والرّحمة تجاه الآخر. حينئذٍ يصبح الله الكليّ القدرة الابنَ المتجسّد لفداء البشر، يغدو المخلّص متعدّدًا لكلّ مؤمن على حسب ما هو موافق، لأولئك الذين يحتاجون إلى فرح يغدو كرمةً، ولأولئك الذين يحتاجون للدخول يغدو بوابةً، ولأولئك الذين يحتاجون إلى تقديم صلوات يغدو رئيسَ كهنةٍ وسيطًا. وأيضا لأولئك الخطأة يغدو حمَلًا لكي يُذبح من أجلهم. يغدو كلّ شيء لجميع المؤمنين.

بهذه الطريقة التشخيصية يتحرّر الايمان من الشكليّة ويصبح شيئًا واقعيًّا ومعاشًا لا غنى للمؤمن عنه، وليس مجرّد أعباء وفروض قهريّة. للأسف، ينظر الكثير من شبابنا للمسيحيّة وفق هذه النظرة الضيّقة التي تفاقهمها متغيرّات عصرهم الحالي، لذلك نلاحظ وبكثرة إحجام الكثير منهم عن الاقتراب إلى الكنيسة وعيش أسرارها والدّخول في علاقة شخصية مع من اشتراها بدمه. حجّتهم في ذلك عدم إدراك وتذوّق

حلاوة العشرة مع الرّب كما يدعوها الآباء القدّيسون، تارةً نتيجةَ عوائق منهم أو حتّى من الكنيسة كمؤسّسة دينيّة بحتة.

الحلّ يكمن في استلهام الرّوح القدس ليضرم القلب والذّهن بالعشق الالهيّ ويدفق فيهما الماء الحيّ الذي دفع الزانية عند البئر لتترك جرّتها المليئة بالخطايا والأفكار البالية، وتنطلق مسرعةً فتدعو مدينتها إلى الايمان بالمخلّص الذي يقال له المسيّا. إن هذه مسؤولية ودعوة كلّ مسيحيّ منّا ليتدرّج كما فعلت السامرية في كشفها تدريجيًّا لحقيقة للمسيح وصولاً إلى إيمانها وتبشيرها به.

فادي مفرج، مركز دمشق

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share