الأب الياس مرقص – التماعات أنطاكيّة .!.(٦)

الأرشمندريت توما بيطار رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ Sunday June 16, 2019 17

كان الأب الياس يحبّ المزاح. كان هذا إرثًا عائليًّا!. كلّ أهل بيته كانوا كذلك. يأتيه عفويًّا. لا سيّما في مستوى اللّعب على الكلام. روى أنّ أولى عفويّاته، في هذا الصّدد، كانت أنّ والدته سألته، ذات مرّة، وكان في حدود الخامسة عشرة: “أتُرى أبوك حَلَق؟”. فأجابها: “لا بل، إسوارة!”.

يبدو أنّ الأب الياس لم يتغيّر في هذا الأمر. عرفتُه، كراهب، مجتمعًا إلى واحد وعائلته، أو أكثر، من إخوته. عائلة مُحبّةٌ للفرح بامتياز!. جوّ غير عاديّ!. على أنّ المزاح لم يَعْنِ ابتذالًا، البتّة، بالنّسبة للأب الياس. لا تَعقبه لا ميوعة ولا تراخٍ!. هذا تعاطاه الأب الياس لا فقط في لقاءاته العائليّة، بل كان، إلى ذلك، ميزة في تعامله والنّاس. شيء من هذا طبع شخصيّته فكان سمة لازمته كلّ أيّام حياته. نزل، مرّة، إلى المستشفى لإجراء فحوصات طبّيّة. وقع، أثناء اللّيل، عن سريره، القليل العرض. في اليوم التّالي، جاءه أحبّة للزّيارة، فعلّق: “جئنا لنعمل check up، فعملنا check down!”.

غير أنّ المزاح حمل الأب الياس، الرّاهب، وسط النّاس، وبإزاء غيره من الرّهبان والإكليروس، على التّساؤل: “أفي المزاح ما يضير؟”. عندما تكون على غير ما يكون أترابك، وعلى شيء من الاتّضاع، يخزك ضميرك: “أيليق بي أن أكون مختلفًا عن الآخرين في المسرى، في هذا الصّدد؟”. على هذا، في زيارةٍ جمعتنا، أنا وإيّاه، إلى جبل آثوس، جئنا إلى الأب بائيسيوس (القدّيس بائيسيوس الآثوسيّ)، فسأله الأب الياس، عبر الأب إسحق الأنطاكيّ الآثوسيّ: “إنّي كثير المزاح، فماذا عليّ أن أعمل؟”. ماذا كان جواب القدّيس بائيسيوس؟”. “ألعلّك تمزح أكثر منّي؟”. “المزاح، في النّاس، يساعد في التّخفيف من ضغوط الحياة المعاصرة، وما أكثرها!”. وهذا، بالضّبط، ما كانت عليه قناعة الأب الياس!. هذا ما زاده قناعة أنّ الرّهبنة ليست في أن تكون غير ما أنت عليه في وجدانك ومزاجك. هذا أنت!. الرّهبنة أن تشذِّب وتنقِّح ما أمكنك تشذيبه وتنقيحه، ممّا يضير، وأن تحفظ نفسك من الشّطط، وتجعل الكلّ برسم البنيان، بنيان ذاتك والآخرين!.

لم يتكلّف الأب الياس المزاح، بل يوحي الظّرف به. الظّرْف من الظّرْف!. لذا لم يأتِ من تخلّعٍ في النّفس، وقلّما كان يُحدث مجرى. يأتي في معرض الكلام، وبعد ذلك يمضي، ويعود الأب الياس ومَن معه إلى الكلام الرّصين. وكما لم يتكلّف الأب الياس المزاح، لم يتكلّف الرّصانة. لا يبحث عن المزاح نظير المتهكّمين، بل يقوله، أحيانًا كثيرة، متى رأى تصنّعًا في الرّصانة لدى محدّثه، أو حزنًا، أو قلقًا. ولعلّي لا أبالغ، إن قلت إنّ المزاح لديه كان محكومًا بحسِّه الرّوحيّ، بالأحرى!. من جهة أخرى، كان أداة لديه لتنفيس احتقاناته الخاصّة. أوجاع نفسه كان، تارة، يواجهها بالبكاء، ودموعه كانت تسيل بيسر، من حيث إنّ حزنه كان يلتقي والغضب فيه!. وغضبه كان، بالأحرى، داخليًّا!. قلّما سمح له بأن يخرج إلى خارج!. أجل، كان الأب الياس على أنفة كبيرة. ويُخيَّل لك كأن الأنفة مساوية للكبرياء. هذا غير صحيح. الكبرياء تأتي من تعظّم وتعالٍ، فيما تأتي الأنفة من كِبَر يقترن، في الإنسان الأصيل، باستعداد لكسر النّفس، والسّلوك في تواضع القلب!. هناك فرق هائل بين الكِبَر والكبرياء!. إن لم تكن في كيانك على كِبر، ما أمكنكَ، في الحقيقة، أن تأتي إلى اتّضاع!. تأتي إلى خنوع!. تمثّل الاتّضاع تمثيلًا ولا تتمثّله!. فيما الكبرياء شرود كامل أخرق عن الله في فعل تقدير للّذات فوق كلّ تقدير، ما لا يترك لله مجالًاً لولوج النّفس!. قلتُ، أوجاع نفسه كان، تارة، يواجهها بالبكاء، لكنّه كان، تارة أخرى، يواجهها بالمزاح والضّحك!. كيف ذلك؟ سَلْ “المهرّجين” في السّيرك؟!. يتقنّعون بالسّلوك في الضّحك، ويُضحكون الكثيرين، لكنّك، إن كنت لَمِحًا، أحسست بأنّ وراء حركات المهرّجين آلامًا ليست بقليلة!. هذا، وكثيرًا ما لحظ قوم أنّ في سلوك الأب الياس، في هذا الصّدد، شيئًا من التّباله!. ويبقى القصد، في كلّ حال، في قلب صاحبه!.

على أنّ مَن يعرف الأب الياس حقّ المعرفة، يعرف أنّ الحزن الكبير والفرح الكبير يلتقيان فيه، كما يلتقيان بعامّة، في النّفوس الّتي تنفذ إليها أنعام الله وألطافه. نفسُه تُبكيه لا فقط لأنّ الوقوف الحيّ، في حضرة الله الحيّ، يجعلك مشمولًا بحنان لا يوصف، بل، في آن معًا، لأنّ نفسك تضيق فيك على قسوة نفسك، فتصرخ، بتأوّه، في أنين عميق، كما صرخ بولس الرّسول: “ويحي مَن ينقذني من جسد الموت هذا؟!”… الآخرون كانوا له وجعًا، أبدًا، لا فقط شركةً في آلامهم ومعاناتهم، بل، بالأكثر، لأنّه قلّما وجد مَن يطلب، حقًّا، أن يخرج من نفسه ومن خطيئته. وكثيرًا ما كان، كمَن يقرِّر، يقول، من منطلق معرفته بنفسه والآخرين:” الإنسان لا يتغيّر!”. يتلطّف بالأوجاع ونعمة الله ولا يتغيّر!. كنّا نتجادل في الأمر، بمَن حضر حوله، دون أن نجد، في العمق، جوابًا شافيًا للتّسآل!.

قسوة قلب الإنسان، بعامّة، وغلاظة رقبته، كانتا تضنيان الأب الياس، الّذي زادت معرفته بالنّاس لأنّ معرفته بذاته زادت!. على هذا وجد الأب الياس نفسه، بإزاء المقبلين إليه، بالأحرى، كأنّه حائط مبكى. يأتون لينفّسوا، بالأكثر، احتقاناتهم، بالشّكوى والبكاء. وكان الأب الياس يسمع ولا يكفّ عن السّماع. ثمّ يذهبون. هؤلاء كانوا، إلّا بعضًا منهم، أبناءه الرّوحيّين وبناته الرّوحيّات!. رغم ذلك، لم يصرف أحدًا!. في متناول الجميع أبدًا!. طبعًا، كان يقول كلمته لمَن يسمع، وقلّة كانت تسمع حقًّا!. على أنّ الكلمة إن لم تفعل لتوّها فإنّها تبقى بين الضّلوع ولا تعرف أين ولا متى تنقدح في وجدان صاحبها!. الكلمة تقولها، ربّما، في غير أوانها، لأنّ ساعة تأتي تحرّكها نعمة الله وشجون النّفس، فتثمر!. خرج الزّارع ليزرع!.

ولكن، كان الأب الياس رجل الفرح الكبير لأنّه كان رجل الرّجاء الكبير!. في وجدان الكثيرين، يقفون عند معاناتهم، فلا يعرفون الفرح في الرّوح. يبقى سعيهم في حدود النّفسانيّات. ولا غرو، لأنّك ما لم تعِ أنّ مسيحك مفتقدُك، أوّلًا، بالآلام التّدبيريّة، لينقّيك، فكيف تعي أنّه بالصّليب يأتي الفرح إلى كلّ العالم، لا فقط صليب المسيح، بل صليبك اليوميّ أيضًا؟. “مَن أراد أن يتبعني فليحمل صليبه كلّ يوم ويأتي ورائي”!.

الكلام، قلّما كان حلًّا لهموم النّاس، في علاقة الأب الياس بمُسارّيه، ولو خفّف بعضًا من أثقالهم. الأب الياس، في الحقيقة، كما عرفته وخبرته، كان يتبنّى الآخرين ويتابع شؤونهم بالصّلاة والدّموع والسّؤال والافتقاد أبدًا. علّقت إحدى الأخوات على نهجه، ذات مرّة، بالقول: “لم يحمل أحدًا على اليأس يومًا!”. كان الأب الياس يبدأ، في تبنّيه للنّاس، بنعمة الله، من حيث يكونون، ليأخذهم، برفق كبير، إلى حيث كان يرجو أن يجعلوا ربّهم يتولّاهم بالكامل!. وكثيرًا ما رأى زرعًا ينمو حيث لم يتوقّع، لأنّ الحجر الّذي رذله البنّاؤون هو صار رأسًا للزّاوية!. لذا زرع تعهّدًا ولمّا يكفّ عن التّعهّد، لأنّه علم أنّ الآتي هو في يد ربّه!. أما قال بولس الرّسول: “أنا زرعت وأبلّوس سقى، لكنّ الله كان ينمي؟”.

مزاح الأب الياس، فهمته القلّة، وكثيرون لم يفهموا!. بعضهم كان يستهجن ما يأتيه عفوًا ويحكم عليه بما لا يليق!. لا بأس!. بالعكس، هذا كان نافعًا لأنّه يخز النّفس فتراعي الضّعفاء بالأكثر، الغرباء عن أمداء الحياة الدّاخليّة!. لكلّ كتابه يقرأ فيه!. كثيرون يكتفون من حقّ الإنجيل بالسّلوك المعلّب، لأنّهم لا يعلمون، والأب الياس كان على حرّيّة داخليّة فذّة!. فلا عجب إن بقي غريبًا عن أكثر مَن عرفوه!. الحرّيّة دائمًا مخوفة لأنّ قلّة تعرف أن تتعاطاها، إلّا عشراء ربّهم!. “الأصول” في التّصرّف تريح أكثر!. أن تبقى في حدود المألوف!. لكنّ الأب الياس خرج عن المألوف، لذا صار، في نظر الكثيرين، معلّمًا مرموقًا للرّوحيّات من المعلّم!.

وتستمرّ القصّة…

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 16 حزيران 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share