الأب الياس مرقص التماعات أنطاكيّة .!. (٢٩)

الأرشمندريت توما (بيطار) رئيس دير القديس سلوان الآثوسي Sunday December 8, 2019 178

مرّات عديدة أتيتُ على ذِكر دموع الأب الياس. يطيب لي، الآن، بنعمة الله وبركة الأب الياس، أن أسعى إلى الخوض في شيء من سرّ دموعه.!.

من الدّموع ما هو من البشرة، أوّلًا. ثمّة ما هو من المشاعر والعواطف والإنفعالات، وثمّة ما فيه نُبل، وثمّة ما فيه خسَّة.!. تبكي، إن بكيت، حين تحزن، حين تتألّم، وتبكي حين تفرح وحين تتعزّى. كذلك تبكي حين تغتاظ وإذا ما اعتراك الحسد أحيانًا.!. في هذه الأحوال وأمثالها تبقى في حدود الإنسان، بين الرّفعة والضّعة.!. في دموعك عكرُ القلب وفيها طيب الطّويّة.!.

لستُ عن هذه أتكلّم.!. أتكلّم عن الدّموع الإلهيّة في البشرة.!.

في ثلاث مناسبات، كما يشهد الإنجيل، يسوع بكى.!. عند قبر لعازر بكى (يوحنّا 11: 35). قبل ذلك، في الآية 33، رأى مريمَ تبكي، واليهود الّذين جاؤوا معها يبكون.!. للتوّ، لمّا بكى، قال اليهود: “انظروا كيف كان يحبّه” (26).!. عندما تعاين تفتّت الأكباد كيف لا يتحرّك قلبك.؟!. في رومية 12 تكلّم بولس الرّسول على مفاعيل المحبّة الّتي منها: “فرحًا مع الفرحين وبكاء مع الباكين” (12: 15).!. كان لا بدّ لله في الجسد أن يبكي مع آدم المطرود من الفردوس.!. “لا شيء يمكنه أن يعزّيني أبدًا”، صرخ آدم١.!. ما يؤكّد لا فقط أنّ الله تجسّد، بل، أيضًا، أنّه كان في حال البكاء في الرّوح، قبل أن يتأنّس، لذا صار إنسانًا.!. فلمّا صار إنسانًا شارك الإنسان في حرقته لأنّ “المحبّة” هكذا ارتضى، وهكذا استلزمت مفاعيله.!. إن كنتَ تحبّ فلا يمكنك إلّا أن تبكي.!.

والمناسبة الثّانية، بكاء السّيّد على أورشليم (لوقا 19: 41) لأنّها لم تعرف ما لسلامها (42).!. بكى لأنّه جاء ليردّ لها ما لخيرها أمّا هي فردّته عنها.!. “كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادك كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا” (13: 34).!. “هوذا بيتكم يُترَك لكم خرابًا” (35).!. إسرائيلُ، كلُّ نفس.!. تأنّسَ لتكون لهم حياة وتكون لهم أوفر، لكنّ خاصَّته، كنموذج للعالم أجمع، “لمْ تقبَلْه”.!. أبغضوه وصلبوه.!. عثروا بحكمته.!. لكنّه كان قد قال عنهم: “كلّ مبغضيّ يحبّون الموت”.!. يطلبون الموت ويُصرّون عليه.!. هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا.!. بكى يسوع بكاء الأب، بصمت، على انصراف ابنه الشّاطر عنه إلى بلاد بعيدة.!.

والمناسبة الثّالثة هي حصيلة ما جرى في المناسبتَين الأُوليَين. آدم العتيق لم ينتهِ يوم أُخرج من عدن، بل يوم أَخرج السّيّدَ خارج المدينة ليُصلَب ويموت.!. هذا آدم الجديد، “شِيلون” الموعود به (تكوين 49: 10) أنّ الشّعوب ستخضع له. هو الّذي ربط بالكرمة جحشه وبالجفنة ابن أتانه، في دخوله الملكيّ إلى أورشليم، ليغسل بخمر دمه لباسَه، بشريّتَه، وبدم العنب، لأنّه الكرمة والبشريّة الأغصان، أقول ليغسل بدم العنب العالمين.!. وقد اسودّت عينه من الخمر، لأنّه سَكِر من حبّ البشريّة حتّى الثّمالة، إذ بذل نفسه بالموت، لأنّه ليس حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه.!. على هذا صارع وحيدًا في الجثسمانيّة، في ما كان الجميع نيامًا، حتّى صار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض.!. الدّموع، في حدّها الأقصى، أن يبكي كلّ الجسد دمًا، كعين، كمعين، من الكيان برمّته.!. وحده انبرى كأسد وكلبوة، متّخذًا، في حشاه، البشريّةَ جمعاء، آدمَ جديدًا، ليقهر الخطيئة، ليطرد الحيّة.!. مَن يحقّق المواعيد الإلهيّة، مَن هو مستحقّ أن يفتح السِّفر ويفكّ ختومه، عن يمين الجالس على العرش في الرّؤيا (5).؟!. لم يستطع أحد لا في السّماء ولا على الأرض أن يفعل.!. فصار يوحنّا يبكي كثيرًا، إلى أن قال له أحد الشّيوخ: “لا تبكِ. هوذا قد غلب الأسد الّذي من سبط يهوذا، أصل داود” (5:5).!.

هو وحده الماسح عن كلّ وجه كلّ دمعة (رؤيا 7: 17).!. إن لم تصر دموعنا من دموعه، فما المنفعة.!. لا بدّ لنا، أوّلًا، من أن نئنّ ونتمخّض حتّى الدّم إلى أن نُعتق من عبوديّة الفساد إلى حرّيّة مجد أولاد الله (رومية 8: 22، 21).!. هذا كلّه يأتي في أورشليم الجديدة حيث “يمسح الله كلّ دمعة من عيونهم والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد” (رؤيا 21: 4).!. حتّى ذلك اليوم، دموعنا باقية مخاضًا إليه حتّى الدّم.!. والأب الياس بكى دمًا.!. نتوق إليه، إلى ملئه، ولا يكون لنا غير المذاق عربونًا.!.

كيف أنساك يا أبانا الياس، ومرّة بعد مرّة، مرّات، عاينتك دموعًا بلّوريّة تنساب على خدّيك، بهدأة من فوق، عودًا مغروسًا على مجاري المياه (مزمور 1: 3)، تحدّث عن ربّك، حزنًا بهيًّا.!. دموعك، أبانا، رجاء من ربّك ملؤه الفرح مسكوب في الأسى على نفسك والبشريّة، وملؤه السّلام منثور فيك وفي إنسانيّة مصرّة على اضطرابها وسأمها وخوائها حتّى الموت.!. دموعك، يا أبانا، تحدّث عن شعورك العميق بترابيّتك؛ وما هي ما يوجعك، بل إلحاح خطيئتك فيك.!. ويح لي مَن ينقذني من جسد الموت هذا.؟!. لا أستسلم بل أُسلمك نفسي، ربّي، ودموعي شاهدة عليّ أنّي تائب إليك، بعد ما توّبتني.!. كيف آتي إليك إن لم يكن بك.؟!.

ودموعك، يا أبانا، تحدّث عن اتّحادك بالنّاس، كلّ النّاس، عن شموليّتك.!. فلأنّك إلى فوق، تصير أشواك العباد قاطبة أشواكك.!. هذه قُبلة سيّدك يطبعها على كيانك أن تصير لكلّ إنسان، وجعه وجعك، وفرحه فرحك.!. وأيّ وجع تنظر، يا أبانا.؟!. أوجاعُ الدّنيا ليست بشيء.!. أوجاع أهواء النّاس الّتي ذقت وطأتها عليك وثقلها فيك، هي وحدها تضنيك.!. “مَن يَعثر وأنا لا ألتهب” (بولس).؟!. همّك صار الخلاص أوّلًا وأخيرًا.!. بتَّ تعرف، يا حبيب المسيح، من أين أتيت وإلى أين تذهب.!. والخلاص يمرّ بوقوفك وقفة السّامريّ عند جراح مَن يأتيك أو تذهب إليه وقد وقع في جبّ الأهواء اللّصوصيّة.!. وكذا بسعيك، بلمسة الحبّ، في كلّ آن، إلى تطهير الجراح أوّلًا، جراح الجسد والنّفس، بخمر تعبك ودمك الّذي من تعب سيّدك وخمرة دمه، وإلى تضميد تلك الجراح بزيت الرّحمة واللّطف والحنان.!. وهذا كان في جعبتك الكثير منه، وما نقصك استكملتَه بدموعك ليتولّى “السّامريّ الصّالح”، معلّمك، إيّاك وما تبقّى.!.

لا أشكّ أنّك كنت تشتهي ما اشتهاه إرميا النّبيّ، عندما رأى شعبه في الضّنك الشّديد، وأورشليم تُسلَم للخراب، بسبب خطاياها، حتّى لتقول: “يا ليت رأسي ماء وعينيّ ينبوع ماء لأبكي، نهارًا وليلًا، قتلى بنت شعبي” (9: 1).!. وحّدت نفسك بكلّ النّاس لأنّك وحّدت نفسك بسيِّدك.!. “أنا لحبيبي وحبيبي لي”.!. أَتَذْكر ما كنتَ تقوله لي، في قراءتك للفصل الثّالث من نشيد الأنشاد؟. “في اللّيل في فراشي طلبتُ مَن تحبّه نفسي. طلبتُه فما وجدته”. طفتَ، في الأسواق تَطلب مَن تحبّه نفسُك، فلم تجده حتّى تجاوزتَ الحرس، الشّريعة.!. إذ ذاك وجدتَه، فأمسكتَه ولم ترخه حتّى أدخلته بيت أمّك، قلبَك، روحَك، حشاك، حجرةَ مَن حبلت بك.!. هذا كلّه قالته دموعُك، يا حبيب المسيح.!.

في نفسك، بروح ربّك، وحّدت نفسَك بالله، لذا لم يعد أحد غريبًا عنك.!. علّمتنا الكثير، يا أبانا.!. علّمتنا أنّ طريق الوحدة بين النّاس تمرّ بالدّموع.!. ما لا يتحرّك ويتحرّق قلبك من أجله، دموعًا، لا تعي قيمة الوحدة بينك وبينه.!. تبقى في مستوى المزاج.!. إذا كان معلّمك قد مات، وهو مات حقًّا في الجسد، فلأنّ كلّ إنسان ثمين، ولا أثمن لديه.!. هذا فهمتَه بروحك، هذا تعبتَ وسع حياتك لتصير له أيقونةً، لتمدّه في جسدك.!. ليتنا نتعلّم الصّمت والدّمع منك يا أبانا.!. هذه شكواي عنّي وعن النّاس إليك.!. ما أكثر كلام التّفه لدينا في العالم.؟!. ليتنا ندرك بالرّوح، يا أبانا،… وبالصّمت… هناك، في عمق الكيان، أنّه لا وحدة لا في الكنيسة ولا في العالم إلّا بالدّموع.!. أليس أنّه حيث لا دموع لا محبّة وحيث لا محبّة هناك الجحيم مهما تراءى فردوسيًّا.؟!.

علّمنا ختمك، يا أبانا، سرّ دموعك، لأنّنا في جفاف كثير ويباس.!.

… لتستمرّ القصّة.!.

١-القدّيس سلوان الآثوسيّ. مراثي آدم في الفردوس. للأرشمندريت (قدّ.) صفروني سخاروف. ص 483. بالعربيّة. نقلتها الأمّ مريم(زكّا). طبعة 2016.

الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
الأحد 8 كانون الأوّل 2019

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share